الضربة الأمريكية لإيران : هل هناك خطة لما بعد الإنزال؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
مخاطر إحتلال الجزر والسواحل الإيرانية

الحديث عن استعداد الولايات المتحدة لتوجيه ضربة قاصمة إلى إيران يُعاد طرحه كلما تصاعد التوتر في الخليج ، لكن ما يلفت الإنتباه في هذا النوع من الخطاب ليس نبرة التهديد بقدر ما هو الغموض الذي يكتنف المرحلة التالية لأي تحرك عسكري واسع.
فالسيطرة على سواحل أو جزر إيرانية قريبة من الممرات الملاحية تبدو ـ على الورق ـ خطوة تكتيكية يمكن تبريرها بعنوان “تأمين الملاحة” في مضيق هرمز ، غير أن التكتيك وحده لا يصنع استراتيجية ، ولا يجيب عن السؤال الحتمي : ماذا بعد أول ساعة من النزول على الأرض؟
السوابق القريبة في سياسات واشنطن خلال إدارة دونالد ترامب أظهرت ميلاً إلى القرارات الصادمة التي تُحدث أثراً فورياً في المشهد ، لكنها تترك فراغاً في التخطيط لما يليها.
فاحتلال شريط ساحلي أو جزيرة لا يعني بالضرورة القدرة على تثبيت الوجود ، ولا يضمن أن الهدف السياسي ـ وهو تأمين المرور البحري ـ سيتحقق. إذ إن إيران لا تعتمد في أوراقها على السيطرة المباشرة على الممرات بقدر ما تعتمد على القدرة على تهديدها عن بُعد من عمقها الجغرافي.
البيئة العملياتية في الخليج تجعل أي وجود عسكري ثابت عرضة لاستنزاف دائم. فالقوات المتمركزة على جزر مكشوفة ستكون ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيرة المنطلقة من البر الإيراني ، وهو بر واسع متعدد الطبقات الدفاعية والهجومية. وحتى لو تم تحييد بعض القدرات في الساعات الأولى، فإن بقاء قوات أجنبية في نقاط محدودة يسهل استهدافها يحولها إلى أهداف ثابتة في معركة مفتوحة زمنياً.
ثم إن الفرضية القائلة بأن السيطرة الميدانية تعني تلقائياً فتح الممرات البحرية تتجاهل تجربة حديثة في ممر آخر هو باب المندب ، حيث أثبتت الأحداث أن تهديد الملاحة لا يحتاج إلى إحتلال جزر ولا السيطرة على الضفاف ، بل إلى أدوات نارية منخفضة الكلفة عالية التأثير. فالممرات الضيقة يمكن تعطيلها بألغام بحرية أو زوارق مسيرة أو صواريخ ساحلية ، وكلها وسائل يصعب منعها بالكامل مهما بلغ التفوق التقني للقوة المهاجمة.
تأمين السفن التجارية عبر مرافقة بحرية عسكرية قد يبدو حلاً عملياً ، لكنه في بيئة صاروخية كثيفة يحول الأساطيل إلى أهداف كبيرة وواضحة. ومع اتساع الساحل الإيراني لمئات الكيلومترات، فإن فكرة السيطرة الكاملة عليه أو تحييد كل منصات الإطلاق المحتملة تقترب من المستحيل العملياتي. وهنا يتحول “تأمين الملاحة” إلى معادلة استنزاف مستمر قد تستمر شهوراً أو سنوات.
البعد الأخطر في هذه السيناريوهات هو ما يحدث إذا لم تنجح الضربة الأولى في تحقيق أهدافها. ففشل الهجوم أو تعثره لا يعني فقط خسارة ميدانية، بل يفتح الباب أمام ردود فعل إيرانية تتجاوز الجغرافيا المباشرة للصراع. التصريحات الصادرة عن قادة في إيران كثيراً ما تربط بين أي اعتداء مباشر وبين ردود تمتد إلى ساحات إقليمية أوسع ، ما يهدد بفتح جبهات متداخلة لا يمكن التحكم في وتيرتها.
كما أن تصوير الجيش الإيراني بوصفه هشاً أو مفككاً هو رهان محفوف بالمخاطر. فالتجربة التاريخية تُظهر أن الجيوش التي تقاتل على أرضها ، مستفيدة من عمق جغرافي وبنية صاروخية غير متمركزة ، تستطيع إلحاق خسائر فادحة بقوات متفوقة تقنياً. وإذا تحول المشهد إلى أسر جنود أو تدمير وحدات كاملة ، فإن التداعيات السياسية داخل الولايات المتحدة ستكون معقدة للغاية.
المعادلة الدولية تضيف طبقة أخرى من التعقيد. فموقف قوى كبرى مثل روسيا والصين لا يمكن تجاهله ، سواء عبر دعم مباشر أو غير مباشر ، أو عبر استغلال انشغال واشنطن في ساحة استنزاف جديدة. أي صراع طويل في الخليج يمنح هذه القوى فرصاً استراتيجية لإعادة تشكيل التوازنات العالمية على حساب الولايات المتحدة.
أما دول الخليج ، فهي تقع في قلب دائرة الخطر. فوجود قواعد أمريكية على أراضيها يجعلها ضمن مدى الرد الإيراني ، ويطرح سؤالاً حساساً حول قدرة تلك القواعد على الصمود تحت ضربات مكثفة. فإذا كانت هذه القواعد نفسها تحتاج إلى حماية مستمرة، فكيف يمكن لقوة مهاجمة أن تؤمن في الوقت ذاته وجوداً احتلالياً خارجها؟
في النهاية ، لا يتعلق الأمر بقدرة عسكرية على تنفيذ إنزال أو إحتلال موضعي ، بل بقدرة سياسية واستراتيجية على إدارة اليوم التالي. فكل سؤال بلا إجابة مسبقة يتحول في الميدان إلى أزمة حقيقية. وأي عملية لا تُبنى على تصور واضح لما بعد اللحظة الأولى قد تتحول من “ضربة قاضية” إلى بداية معركة استنزاف طويلة ، تتآكل فيها الأهداف وتتعاظم فيها الكلفة، وتصبح النتيجة النهائية أبعد ما تكون عن الحسابات التي انطلقت منها.



