ابداعات

فلسفه اللااكتمال

 

 

 

بقلم:ضياء علي الدعاس 

 

 

ثمة لحظات لا تبدو فيها الحياة كطريقٍ واضحٍ بقدر ما تبدو كغرفةٍ امتلأت بالمرايا؛ كلما ظننتَ أنك رأيت وجه الحقيقة، انعكس عليك وجهٌ آخر، أكثر غموضًا وأشدّ التباسًا.

ولعل أكثر ما يرهق الإنسان ليس الألم ذاته، بل عجزه عن فهم سبب الألم، ولا الخسارة نفسها، بل جهله بما إذا كانت خسارةً حقًا أم بابًا لتبدلٍ لم يُفصح عن نفسه بعد…

 

منذ أن وعى الإنسان نفسه، وهو يخوض صراعًا لا ينتهي؛ لا مع الآخرين وحدهم، بل مع ذاته أولًا.. بين ما يريد وما يجب، بين ما يشعر به وما يُفترض أن يُظهره، بين الطفل الذي ظل فيه يطلب الطمأنينة، والرجل الذي يطالبه العالم بأن يكون صلبًا كالجدران…

نحن لا نعيش الحياة كما هي، بل كما تمر عبر وعينا المرتبك، ولهذا يختلف الجحيم من شخص إلى آخر، كما تختلف الجنات الصغيرة التي نلوذ بها حين يتعبنا الطريق.

 

إن الحياة، في حقيقتها، ليست عادلة ولا ظالمة، لأن العدل والظلم مفهومان بشريان نحاول بهما تفسير ما يعجز عقلنا عن احتماله..فالموت مثلًا لا يختار الأكثر شرًا، والنجاة لا تُمنح دومًا للأكثر استحقاقًا، والقلوب الطيبة لا تُكافأ دائمًا بما يليق بها،وهذه الحقيقة، مهما بدت قاسية، تحمل شيئًا من الراحة؛ إذ تُعفينا من وهم الحسابات الدقيقة التي نريد إخضاع الكون لها، ولعل أكبر مأساة الإنسان الحديث أنه يريد لكل شيء تفسيرًا فوريًا؛ للحب، للفقد، للتأخر، للخذلان، وحتى للصمت…كأن الغموض صار إهانة شخصية؛لكن ماذا لو كانت بعض الأشياء لا تُفهم أصلًا؟ ماذا لو أن الحياة، مثل بعض الكتب العظيمة، لا تكشف معناها من القراءة الأولى، وربما لا تكشفه أبدًا؟

نحن نصارع كثيرًا من الأشباح التي لا وجود لها إلا في رؤوسنا…نخوض معارك مع احتمالات لم تقع، ونرد على حوارات لم تحدث، ونستنزف أعصابنا في سيناريوهات لم يكتبها الواقع بعد.

الإنسان، في كثير من الأحيان، ليس ضحية العالم بقدر ما هو ضحية مخيلته حين تنقلب عليه…ومع ذلك، ليس الصراع شرًا خالصًا؛ فبعض الأرواح لا تتشكل إلا تحت الضغط، وبعض الحكمة لا تأتي إلا بعد انهيارٍ صغير، وبعض النضج لا يولد إلا حين يكتشف الإنسان أن العالم لن يربت على كتفه كلما تعب. 

لقد بالغنا طويلًا في تصوير الراحة كغاية، بينما كثير من أجمل ما في الإنسان صاغه القلق، وشكله الانتظار، وهذبه الفقد.

 

لكن هناك صراعًا آخر، أشد قسوة من كل ما سبق؛ صراع الإنسان مع النسخة التي كان يتخيل أنه سيصبحها…ذلك الشخص الذي رسمناه في أعمارٍ أصغر، بثقةٍ تكاد تكون ساذجة، حين ظننا أن الحياة ستسير وفق مخططاتنا إن اجتهدنا بما يكفي.

ثم نكبر، ونكتشف أن الاجتهاد لا يضمن كل شيء، وأن بعض الطرق تُغلق دون أن نعرف لماذا، وأن بعض الأبواب لا تُفتح إلا بعد أن نتعب من طرقها…وربما لهذا السبب يبدو كثير من الناس متعبين دون سبب ظاهر؛ لأنهم لا يحملون أثقال يومهم فقط، بل أثقال أحلامهم المؤجلة، ونسخهم القديمة، وأسئلتهم التي لم تجد جوابًا منذ سنوات.

 

ومع هذا كله، يظل الإنسان كائنًا عجيبًا؛ ينكسر ثم ينهض، يشك ثم يؤمن، يضيع ثم يجد في فتات الأشياء ما يعيده إلى نفس.

فربما ليست الحكمة أن نفهم الحياة تمامًا، بل أن نحسن العيش داخل غموضها،أن نقبل أن بعض الإجابات ستظل ناقصة، وأن بعض الخسارات لن نجد لها تفسيرًا مقنعًا، وأن بعض الطرق لا تُضاء إلا ونحن نسير فيها؛

أحسب أن نضج الإنسان لا يبدأ حين يفهم العالم، بل حين يتصالح مع فكرة أنه لن يفهمه كاملًا، فالحياة ليست معادلة، بل تجربة؛ ليست نصًا مدرسيًا له إجابة نموذجية، بل رواية مفتوحة، يكتب كلٌّ منا فيها فصلًا مرتبكًا، ثم يرحل قبل أن يعرف كيف انتهت الحكاية.

أحيانًا أفكر أن الحياة لا تريد منا أن نفهمها أصلًا.. ربما نحن فقط من منحناها هذا التعقيد، أو ربما هي أكثر قسوة من أن تمنح نفسها تفسيرًا واضحًا.لكن المؤكد أن الإنسان، رغم كل ما يعرفه، ما يزال يعود كل ليلة إلى سريره مثقلًا بأسئلة لا جواب لها، ويستيقظ في الصباح كأن شيئًا لم يكن، ليعيد المحاولة من جديد.

ولعل هذه هي البطولة الوحيدة المتاحة لنا؛ أن نستمر، لا لأننا فهمنا، بل لأننا لم نجد خيارًا آخر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى