“العين الثالثة”

سامية مصطفى عبدالفتاح
عمت مساءًا عزيزي القاريء:
سأحدثك اليوم بشفافية أكبر من ذي قبل، سأروي لك ألف حكاية تتلحف بـغطاءٍ واحد، فلنسميها “قصتي”
أسمعت من ذي قبل عن مرفء الضوء خلف جدران اليقين؟ أو بـبساطة الفجوة بين حاجبيّ البشر؟
تلك الحاسة السادسة التي يمتلكها البعض ويرنو بها إلى السماء ويفتخر بكونه عارف.
سماها الأقدمون “العين الثالثة” وسماها الفلاسفة “نافذة الروح” وسماها البشري “الحاسة السادسة” وهي بريئة براءة ابن يعقوب من الذنب، تلك الهبة التي يمنحها الإله لعباده الذين اسطفاهم عن غيرهم إنها البصيرة.
منحني الله إيها كيّ تقرّ عيني وتكف آلامي، لكني كلما أبصرت بها تألمت.. ليس الألم النابع من الخديعة بل من المعرفة، عندما تزيل ستار الفخ يجف حلقك حتى تكاد تشعر بالعلقم ينتشر داخل فمك ولا شيء سواه.
فارقٌ كبير بين كشف المستور بأمر من رب السماوات وعرضه أمام ناظريك وبين بصيرة يهبك بها لتزيل الغمامة بنفسك عن الأعين، أذكر أني ذات مرة آمنت لصديقة بل كانت أكثر من ذلك بالنسبة لي ثم سمعت هسيسًا يهمس بأنها كاذبة.. مخادعة، ليلتها أرتديت زي “المفتش كولومبو” وأخذت أبحث عن مفاتيح الخديعة حتى اكتشفتها.
المرء حين يصفع على حين غفلة يصدم لكنه سرعان ما يستفيق، لكن إذا كانت الصفعة نبتت من يديه فإنه يُشل.. يصمد بلا حراك، لأيام وليالي يمكن ألا تعد ولا تحصى، على الرغم من اعتيادي على تلقي الصدمات بنفسي إلا إنني في كل مرة أتجرع كؤوس الآلام.
ذات ليلة همست لي أن هناك خطر لا محالة، يومها كنت أسير بـهيبة أحبها فنفضت عن رأسي وساوسه، ما إن خطت قدمي خطوة واحدة حتى سقطت في بئرٍ عميق لا أرى النور من فوقه، ظننت أنها النهاية ولن تزورني مرة أخرى لكن هيهات.
زارتني من أيام تاركة بصمة لا تُمحى، أشدّ ما يؤلمني أنني وبعد كل تعثر أفكر، وكأن عقلي اتحد معها كي يبقياني في حالة تأهب دائمًا، أفكر فيما حدث تفصيليًا، حتى أصل لنقطة بعينها.
كلما أمعنت النظر في ذاكرتي وجدت أن البصيرة لم تؤذني قط، حتى وإن كنت أبغضها حدّ الخوف، ترتعد أوصالي ما إن تزورني؛ لكنني في كل مرة أتفكر أجد أنها المنقذة لي، القوة الإلهيه العجيبة، الدرع الآمن لي، تحيطني بهالاتها وتنثر رحيقها بداخلي كي تحافظ عليّ كفراشة جديدة داخل الشرنقة.
بتُّ أردد “رُبَّ ضارة نافعة” أتتني الهدية بغتة ولم أفهمها، كطفلة تهرع لأحضان أمها كلما ارتكبت خطأ وتود الهرب، أتمنى ألا أقع في نفس الدائرة المفرغة مرة أخرى فـهذه المرة اصطدمت بكل ما أوتيت من قوة في الجدار وأود تصديق بصيرتي وما منحني الله من نعمة يتمناها الكثير.



