روسيا بين شراكة إيران وحسابات المصالح : براغماتية بوتين في لحظة الاشتعال الإقليمي

✍️ يوحنا عزمي
في محاولة لفهم ما يجري حالياً في الشرق الأوسط من أحداث متلاحقة ومتسارعة ، تبدو زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي إلى روسيا ولقاؤه مع الرئيس فلاديمير بوتين لحظة كاشفة لطبيعة الحسابات الدولية الباردة التي تحكم سلوك الدول الكبرى، بعيدًا عن اعتبارات الشراكات الاستراتيجية المعلنة أو الخطابات السياسية المتبادلة.
فالزيارة التي جاءت في ذروة تصاعد المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ، لم تفضِ إلى ما كانت طهران تتطلع إليه من دعم روسي يتناسب مع وصف العلاقة بين البلدين بأنها شراكة استراتيجية. على العكس ، بدا الموقف الروسي محسوبًا بدقة شديدة ، أقرب إلى الحياد البارد منه إلى الانحياز المتوقع ، وهو ما مثّل خيبة واضحة للتقديرات الإيرانية.
توقيت الزيارة كان بالغ الحساسية ؛ إذ تزامن مع انهيار مسارات تفاوضية جرت في إسلام آباد، ومع تشديد واشنطن حصاراً بحرياً خانقاً على الموانئ الإيرانية ، وصولًا إلى حالة انسداد سياسي كامل بين طهران والإدارة الأمريكية.
في مثل هذه الظروف ، كانت إيران تتطلع إلى موقف روسي يتجاوز الدعم الدبلوماسي التقليدي إلى ما هو أبعد ، لكن موسكو قرأت المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فروسيا ، المنخرطة منذ سنوات في حرب استنزاف قاسية في أوكرانيا في مواجهة مباشرة وغير مباشرة مع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي ، باتت شديدة الحساسية تجاه أي انزلاق إضافي إلى صراعات جديدة يمكن أن تفتح عليها جبهات لا تملك رفاهية التعامل معها.
ومن هذا المنظور ، اعتبرت موسكو أن الحرب الدائرة هي حرب إيران وحدها ، وأن الشراكة الاستراتيجية لا تعني بالضرورة التورط في معارك الآخرين ، خاصة حين تكون كلفتها الدولية مرتفعة وعوائدها السياسية غير مضمونة.
عامل آخر ضغط بقوة على الحسابات الروسية تمثل في التدهور الحاد في علاقات إيران مع دول الخليج العربية، وهو تدهور اقترب من حافة القطيعة. هنا وجدت موسكو نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد : فمن ناحية ترتبط بعلاقة استراتيجية مع طهران ، ومن ناحية أخرى تربطها علاقات وثيقة ومصالح متنامية مع السعودية والإمارات وقطر ، وهي علاقات تقوم على تفاهمات اقتصادية وسياسية وأمنية حرصت موسكو على بنائها بعناية خلال السنوات الماضية.
الانحياز الصريح لإيران في لحظة صدام إقليمي حاد كان يعني عمليًا خسارة هذه الشراكات أو تعريضها لاهتزازات خطيرة ، وهو ما لم يكن مقبولًا في الحساب الروسي. لذا جاء الموقف متوازناً بحذر ، أقرب إلى إدارة التناقضات منه إلى تبني موقف واضح.
يزداد المشهد تعقيداً عند النظر إلى العلاقة بين بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ملف أوكرانيا، حيث ظهرت مساحات تفاهم لم تكن قائمة في عهد جو بايدن. هذا التفاهم النسبي خلق لدى موسكو مصلحة في عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن بسبب إيران، حتى لا تخسر دعماً أو تفهماً أمريكياً تحتاجه في ساحتها الأهم.
في هذا السياق ، بدا أن بوتين يتعامل بمنطق الصفقات المتبادلة لا بمنطق التحالفات العاطفية، واضعاً أولوياته الاستراتيجية فوق اعتبارات الشراكة مع طهران. ويُضاف إلى ذلك أن روسيا ، شأنها شأن الولايات المتحدة وإسرائيل ، لا ترحب بامتلاك إيران سلاحاً نووياً ، وإن اختلفت الدوافع. فبالنسبة لموسكو ، المسألة ترتبط بتوازنات الأمن القومي في جوارها المباشر ، وليس برغبة في الضغط السياسي على إيران فحسب.
كما يدرك بوتين أن الصدام المباشر مع إسرائيل بسبب إيران قد يستدعي ردود فعل أمريكية غاضبة تفتح عليه أبواباً جديدة من الضغوط الدولية هو في غنى عنها. لذلك اتسمت ردود فعله تجاه السياسات الإسرائيلية بقدر كبير من الانضباط والحذر، سواء فيما يتعلق بإيران أو بما يجري في غزة ولبنان. بالنسبة لموسكو، إسرائيل تمثل دائرة شديدة الحساسية لا ترغب في استفزازها ، نظراً لتعقيدات التوازنات الدولية المرتبطة بها.
في ظل هذه الضغوط المتشابكة، لم يكن أمام بوتين سوى استقبال الوزير الإيراني بهدوء ، وتقديم دعم دبلوماسي تقليدي محسوب، يحقق الحد الأدنى من الحفاظ على العلاقة دون أن يورط روسيا في التزامات عملية. هذا السلوك لا يعكس فتوراً في العلاقة بقدر ما يعكس براغماتية صارمة في إدارة الأزمات ، حيث تتقدم الحسابات الباردة على الاعتبارات الرمزية.
إنه نموذج لطريقة موسكو في التعامل مع الأزمات الكبرى : لا تورط مباشر ، لا انحياز حاد ، ولا خروج عن المسار الذي يضمن حماية مصالحها العليا ، حتى لو جاء ذلك على حساب توقعات الحلفاء.



