مائتي عام من الهدوء

آلاء شعبان
ما إن وطأت قدمي شارع المعز حتّى شعرت أني في زمنٍ ليس زمني، لا ضجيج ولا رأسي يتكدس كالمدينة، هنا حيث الصفاء والهدوء.
في بداية الصيف، وفي إحدى الأيام وبينما أنا عائدة من العمل بعد تحدث عن رحلة الأسبوع المقبل التي سنذهب من خلالها إلى القاهرة، العاصمة، ننهي بعض الأعمال المتعلقة بنا، ونقضي الوقت سويّا، كم كنت شديدة الحماس، كنت أخطو الأرض مهرولةً من شدة حماسي، وبينما وأنا أسير، إذ ألتفتْ على جانبي الأيمن لذات الشارع الذي أنظر إليه دومًا وأنا عائدة من عملي
إنه شارع هادئ، على ناصيته شجرةٌ خضراء عريقة كأنها تقول أنا شاهدة على هذا الهدوء بل أنا من صنعته، نظرتُ إلى كل إنش بالمكان، وما كان بذاكرتي إلا أن تأخذني إلى تخيل شارع المعز قبل مائتين من الأعوام
ما إن وطأت قدمي شارع المعز يومها، إلا والسكون استحوذ عليّا، لا ضجيج مُزعج ولا سياراتٍ تمر بسرعة كأنها ستدفعك من مكانك، فقط خيول تسير في بطء أقرب للسرعة بشكل يسرّ النظر، إنني أعشق الخيول، كم أتمنى أن أرتجل واحد الآن، وكأن سائق العربة سمع صوتي الداخلي ووقف أمامي ينتظر ركوبي كالأميرات، ركبتُ وأنا ليس على ثَغري سوى ابتسامة تدل على سعادتي واندهاشي، وما إن تحرك السائق حتّى أصدرت العربة صريراً خافتاً أحببتُ سماعه.
بعدما تحركت العربة وفي وسط الشارع أصبحتْ الشمس فوق رأسي، نظرتُ لها فكانت تميل قليلاً للصفرة وكأنها اقتربت على المغيب ونسائم الهواء اللطيف تداعب وجهي مع حركة العربة، كم هو شعور لذيذ، نظرت من حولي فإذا بالمباني العتيقة، ذات الزخرفة الإسلامية المميزة، تعكس حضارة أصيلة، تشعر بالفخر كونك منتسبٌ لها.
أخفضتُ نظري قليلاً فرأيت الباعة في كل مكان ورجال يعملون بدون كلل وعلى وجههم ابتسامة مشرقة هادئة، ونساء تمشي في هدوء من غير إظهار تفاصيل لا داعي لها، والأطفال تجري يبن الأزقة الضيقة وصوت ضحكاتهم تملأ المكان، ليتني طفلة بينهم وأشتري من ذاك البائع خبزًا ذا رائحة مميزة اشتهيتُ تذوقه حينها، وعندي جريان لُعاب لساني لتمنى تذوقه، تسرب إلى شهيقي رائحة البخور التي تملأ كل ركنٍ في الشارع، وكأنها متعمدة، لأخذ حواسي
وفجأة وقفت العربة عند مكانٍ أكثر دفئاً تفوح منه رائحة القهوة التي طالما عشقتها، وبعد استنشاقها هذه المرة ازداد عشقي لها، ترجلت من العربة بدون حديث، وإذا بالسائق يعطي الحصان إذنًا ليكمل، وكأن الأميرة وصلت لوجهتا، اتجهتُ لهذا المنحنى الصغير الذي بداخله محلٌ صغير لصنع القهوة
جلست على أحد المقاعد أنتظر فنجان قهوة الأميرة، الذي وضعه أحد من كان يعمل بالمكان بابتسامة بشوشة، تدل على دفء روح كل إنسان هنا، امتزجتْ جلستي التي يملأها دفء المكان ورائحة القهوة، بصوت قهقهات نسائيه هادئة، فقلبت عيني أبحث عن الصوت، إذا بواحدة منهن تضع الحنة السوداء للأخرى على يدها بشكل زُخرفي يسرق النظر ويضفي جمالاً على جمال كل شيء منذ أن وَلتْ قدماي الشارع
ولم ينتهي يومي عند هذا الحد بل خرجتُ أتجول في باقي الأماكن هذا يطرق النحاس فيصدر صوتًا كأنه لحن اعتاده المكان، وآخر يرتب الأقمشة الملونة بعناية، وثالث ينادي على الحلوى وكأنه يلقي قصيدة محفوظة، الجميع هنا يعرف بعضه، يتبادلون السلام والابتسامات والمرح والأناشيد، كأنهم عائلة واحدة يجمعها هذا الشارع الطويل الهادئ والمميز
ومع اقتراب المغرب وابتداء الشمس في المغيب، أصبح الشارع، أكثر إثارة وهيبة، حيث تم إشعال الفوانيس، وارتفع الأذان من المساجد، كأنه طرب ذات طابع إسلامي خاص كل شيء يصيبه الصمم عند سماعه، سكن المكان وكأن هناك عهدة بينهم على عدم الحديث، ليظهر الجمال.
ظللتُ أتأمل كل شيءٍ من حولي حياة بها كل الاختلافات لكن تجتمع على شيءٍ واحد وهو الهدوء، العيش ببساطة وراحة، وصدق،
غادرتُ وأنا كلي حب بأن أظل أتأمل وأحدق باندهاش،
غادرت على صوت صديقتي التي تقف تناديني لركوب الباص قبل أن يفوتني فرجعتُ وأنا أرى نفسي عند المكان الذي يشبه ذاك الشارع، المكان الذي أخذني إلى زمنٍ قديم، لكنه كامل، كل شيء هادئ وخفيف مثل بعض الأرواح.



