قاعة الانتظار في مشفى

✍️بقلم/ انتصار عمار
إن الحياة برمتها قاعات انتظار، يطرق فيها المجهول باب الحاضر، ويقرع الخوف أبواب المستقبل، وفي ساحات الوجع، وطرقات الصبر تخمد الصرخات أنفاسها أمام وجع لا يصمد، ولا يغفو.
تلك المساحات الشاسعة في قاعة الانتظار، لم تكن بصالة استقبال بمشفى فحسب، بل كانت مساحات قاتلة من الوقت، يقطعها ظلام الأفكار.
الساعات تمر ببطء، وكأنها نفق ضيق، يحبس الأنفاس، فالثوان، والدقائق كلاهما يشبه الخطى الرتيبة، المثقلة، ومع صرير قلم موظف الاستقبال، يُكتب دمع جديد، إما دمع فرح، أو دموع وداع.
تلك هي قاعة الانتظار داخل أي مستشفى، المكان متسع، يكفي لاستقبال آلاف المرضى، والمصابين، إلا أنه لا يتسع لصرخات القلوب، حينما تتقطر وجعًا لألم من نحبهم.
منظم، ومنمق بشكل لافت، إلا من فوضى تتبعثر فيها المشاعر داخلنا، ما بين خوف، ورجاء، أمل، وانتظار، ميلاد، أو شهادة وفاة.
كراسي حديدية متراصة، ذات أسطح ملساء، مريحة، إلا أن أشواك الانتظار تلتهم أي جِلسة.
وخلف صرير أقلام قاعة الانتظار، قدر يختبىء، يسطر بداية، أو نهاية رواية جديدة في عين الزمان.
كانت طفلة صغيرة في الحادية عشر من عمرها، لم تك تعي في هذا العالم شيئًا سوى ضحكات الطفولة، التي تلهو في راحتي الزمن.
وشريطها الستان الملون الذي يلف ضفائر شعرها، وكانتين المدرسة، والملعب الذي كان يتسع لأحلامها، التي تركض وراءها، لتُمسك بزخات المطر، التي تهمس في أذنيها بأمل جديد.
لم تقرأ يومًا في كتبها عن الدمع، ولم تخبرها أحرف اللغة ذات مرة عن الفقد، ولم تك كبيرة بالقدر الذي يؤهلها أن تلتحق بمدرسة الحياة، لتتعلم كيف تواجه أمواجها المتلاطمة.
وذات ليلة، وعلى غير موعدٍ زارها القدر بوجه شاحب، غابت الابتسامة عن ملامحه، أتاها يحمل بين ذراعيه مخاوف الغد، وآهات وجع مسطرة بالغيب.
لم تك تعي تلك الطفلة الصغيرة، أن الحياة ستخبىء ذات يوم في ضفائرها شريط أنين لا ينتهي، فعلى قدر برائتها، كان لين قلبها.
هذا القلب الذي عصفت به رياح الحياة، عندما أسدلت ستارها على طفولتها، حينما علمت بمرض والدها، وأنه بحاجة لإجراء عملية جراحية.
في تلك اللحظة غابت صوت الضحكات، وهجرتها الأمنيات، فقد كانت تحب والدها بشدة، كل شيء في فترة مرضه، أصبح صامتًا، لا روح فيه، يفتقد الحياة.
حتى حانت اللحظة التي تتقطع فيها عروق الصبر، وتتقطر دمًا ساعات الانتظار، تلك اللحظة التي دخل فيها والدها غرفة العمليات.
كل شيء حينئذٍ بالمشفى كان صامتًا، إلا من أوجاع الصبر التي تصرخ صرخات مدوية، تضرب بعرض تلك اللحظات الطوال في ساحة الانتظار.
وأنفاس دعوات تلك الطفلة، التي كانت تصعد مع كل شهيق، وزفير يغمره دمع الخوف، والرجاء.
لحظات مميتة من الانتظار، تفتك بأوتار القلب، لم يقطع صوتها سوى أولى خطوات الطبيب المعالج نحو الأسرة، والجميع في لهفة يتساءل؛ “خير يا دكتور!
طمنا بالله عليك.”
ورغم كبر حجم العملية، وخطورتها، حيث كانت عملية” الحصوة،” وكان الأب مريض سكر، وقد حذره الطبيب من إجراء تلك العملية، إلا أن الأب كان داخله يقين تام، وثقة بالله في الشفاء، فصمم على أن تُجرى له العملية.
وبالفعل نجحت العملية، وتهلل وجه الجميع فرحًا، حينما أخبرهم الطبيب بذلك، وسجدت دموعهم شكرًا لله، وصرح الطبيب للأب بالخروج من المستشفى، بعد أن استقرت حالته.
وفرت الأنفاس مهرولة من تلك القاعة، التي مات فيها الصبر على عتبات الانتظار، وعادت الأسرة إلى منزلها، على جناحي السعادة، كما عادت معها البسمة من جديد إلى أركان ذلك المنزل.
وترك الجميع الأب في سريره، كي يرتاح، بعد أن اطمئنوا عليه، إلا أن تلك الطفلة ظلت بجواره، وقبلت خده في حياء، وكأنها تريد أن ترتوي من لذة القرب منه.
إلا أن القدر مازال يُخفي بجعبته هدايا الوجع، فسرعان ما تحولت البسمات في أرجاء المنزل إلى صراخ، وعويل، حيث استدار وجه الأب في خِلسة، مودعًا تلك الحياة.
ما أشدها من لحظات ألم!، تلك اللحظات التي شخص فيها بصر الأب، مفارقًا الحياة، وتعالت فيها صرخات الأم، التي كانت تزلزل أرجاء الكون.
وماتت معالم الحياة بعين تلك الطفلة، وأسدل الظلام ستاره على برائتها، وألبسها الأسى ثياب المرار.
وكتب الدمع بداية جديدة لوجع لا ينتهي، وجع سطرته الأقدار في ساحات الانتظار، تلك الساحات التي لم تقتصر فقط على قاعة انتظار في مشفى، بل إن حياتنا جميعا عبارة عن قاعات انتظار.



