ضيف إجباري!

بقلم – جلال الدين محمد
“دقوا الشماسي من الضحى لحد التماسي”، جميعنا يعرف كلمات تلك الأغنية للراحل – عبد الحليم حافظ، كانت رائجة للغاية وقت طرحها، ولكن لم يعد الناس الآن يُشغلونها في طريقهم إلى المصيف،
ولكن هناك طُفيلي أجبرني على تشغيلها بلا توقف لمدة تجاوزت المائة كيلو متر.
في الواقع هو لم يجبرني القصة أنه لا أنا ولا معاذ نستطيع قول لا لشيء طلبه، فهو العم “عبد القادر”. ما الذي يفعله هذا الرجل معنا في المصيف؟ حسنًا، الأمر معقد.
في مكالمتي الأخيرة مع “معاذ” قبل عودتي إلى مصر في الإجازة السنوية، أخبرني عن كم الضغوط التي يمر بها، وأنه لم يعد يستطيع تخصيص خمس دقائق لشيء يحبه مع مسؤوليات البيت والأولاد.
فقلت له: ألم تخبرني أن حماتك ترغب في الذهاب إلى العمرة، أقنع زوجتك بالذهاب معها، واجعلها تصطحب الأولاد أيضًا، وبذلك يصبح لدينا أسبوعين للذهاب إلى المصيف سويًا، وبالفعل نفذ “معاذ” الخطة بحذافيرها.
وفي صباح اليوم المتفق عليه للإنطلاق إلى شاليه العائلة في “مارينا” الموجودة اليوم في الساحل الطيب، فوجيء كلانا بالعم “عبد القادر” مُرتديًا قميصه المشجر، وسروالًا قصيرًا ويحمل حقيبة وعوامة ويقفز إلى السيارة.
“عامر” في موعده دائمًا حضر في العاشرة صباحًا كما أشرت يا ولد. وجهت نظره تحمل كل المعاني إلى “معاذ” الذي تجنب النظر إلي وبهدوء صعد للمقعد المجاور للسائق وجلس في صمت، أرسل لي على الواتساب بعد قليل أن الرجل ضبطه بالأمس وهو يشتري “مايوه” من المتجر المجاور للمقهى، فأخبره لكي لا يخبر زوجته أنه انتظر سفرها لمكة ليخونها.
لا أعلم إن كان غضبي بسبب “معاذ” ام أننا لم نتمكن من إحراج الرجل، على أي حال باغتنا بقوله: حين نصل سوف أعد لكم أفضل طاجن كباب حلة في التاريخ، فلا أحد يقطع اللحم والبصل مثلي، وبالتأكيد لا يملك أحدهم الطاجن الفخاري الذي يملكه عمكم “عبد القادر”، هو قطعة فنية من صنع آخر صانع فخار في الإسكندرية.
تبادلنا أنا ومعاذ نظرتنا المعتادة عندما تكون لهذا الرجل قصة جديدة. كتمت الضحك وتظاهرت بالجدية وسألته عن قصة الطاجن، فوجه الرجل نظره من شباك السيارة وتنهد وهو يقول: تاريخ حُفر بأيدي صانع مخلص يا أولاد.
حين قام الظباط الأحرار بثورة يوليو 1952، وقرروا نفي الملك فاروق، كان هناك صانع فخار يُدعى “سليمان” براعته كانت منقطعة النظير، حتى أنه كان يُورد فخاره لقصر الملك كل صيف حين يأتي إلى الإسكندرية. الملك فاروق شخصيًا زاره أكثر من مرة في ورشته التي كانت موجودة في الإبراهيمية.
أحب “سليمان” الملك وحين رحل عن البلاد، أغلق ورشته وسافر مع زوجته إلى “أشمون” وأقنع جميع تلامذته بالذهاب معه والعمل في حرث الارض، صحيح أن بعضًا منهم عادوا للمهنة هناك وهكذا انتشرت في “أشمون” إلا أن هذا الطاجن كان آخر ما صنعه بيده، وهو ملك لعمكم عبد القادر يا أولاد.
كنت ومعاذ على وشك الانفجار من الضحك، ولتجنب توبيخ الرجل إذا شعر أننا نسخر منه. وضعت يدي بسرعة على التسجيل ورفعت الصوت عاليًا، ثم صحت أنا ومعاذ بصوت واحد “دقوا الشماسي”. وضحكنا فضحك الرجل وقال: هكذا يكون الطريق إلى المصيف، غنوا يا أولاد.



