مقالات

هدنة مزيفة وحروب تُدار خلف الستار .. وترامب يلوح بصفقة تغير وجه الشرق الأوسط

✍️ يوحنا عزمي

الحروب في عالم اليوم لم تعد تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق ، ولا بحجم الدمار الظاهر على الشاشات ، بل أصبحت تُدار أحياناً تحت لافتات الهدنة، وبأدوات أكثر تعقيدًا من مجرد المواجهة العسكرية المباشرة. فما يجري الآن بين الولايات المتحدة وإيران، أو بين روسيا وأوكرانيا، يؤكد أن إعلان التهدئة لا يعني نهاية الصراع، بل ربما يكون مجرد انتقال إلى مرحلة أكثر حساسية وخطورة، تُعاد فيها صياغة موازين القوة والاستعداد للجولات القادمة.

في الجبهة الروسية الأوكرانية ، يبدو أن ذوبان الثلوج لم يُذب فقط جمود الأرض ، بل أعاد فتح شهية المعارك الثقيلة. فمع تحسن حركة القوات والأسلحة، تتصاعد العمليات العسكرية بوتيرة تكشف أن الحرب ما زالت بعيدة عن أي حسم حقيقي ، خصوصاً في ظل دخول المسيرات وأنظمة الحرب الإلكترونية إلى قلب المعركة.

أوكرانيا لم تعد تعتمد فقط على الدعم الغربي، بل تحاول تطوير أدواتها محليًا لتعويض فجوة الاستنزاف، بينما ترد موسكو بعقيدة نارية أكثر قسوة ، تقوم على إغراق الدفاعات الأوكرانية بوابل متنوع من الصواريخ والطائرات المسيرة والشراك الخداعية ، في رسالة واضحة مفادها أن روسيا قررت الانتقال من سياسة الاحتواء إلى إنهاك الخصم بالكامل.

ورغم مرور سنوات طويلة على الحرب، لا تزال أوروبا تبدو مرتبكة، بل وعاجزة عن صياغة موقف مستقل. فتصريحات إدارة ترامب التي تعتبر الحرب شأنًا أوروبياً ، بالتزامن مع سحب قوات أمريكية من بعض مواقع الناتو ، كشفت هشاشة الاعتماد الأوروبي على المظلة الأمريكية. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى ؛ أوروبا دفعت عشرات المليارات لدعم كييف، لكنها حتى الآن غير قادرة على لعب دور الوسيط الحقيقي أو فرض مسار سياسي مستقل، وكأنها تدفع ثمن الحرب دون أن تمتلك قرار إنهائها.

أما في الشرق الأوسط ، فالمشهد أكثر تعقيداً وتشابكاً. فالحرب بين واشنطن وطهران لم تتوقف أصلًا، لكنها تحولت إلى حرب عض أصابع تُدار عبر الرسائل النارية والضغوط الاقتصادية والضربات غير المباشرة.

إيران تدرك أن توقيع أي اتفاق بالشروط الأمريكية الحالية قد يُفسَّر داخليًا باعتباره هزيمة سياسية واستراتيجية، بينما تدرك واشنطن أن استئناف الحرب المفتوحة لن يكون بلا ثمن ، لأن الرد الإيراني هذه المرة قد لا يركز على القواعد الأمريكية بقدر ما يستهدف البنية التحتية لدول الخليج نفسها، من منشآت النفط إلى محطات المياه والموانئ الحيوية.

ولهذا يبدو التردد الأمريكي مفهوماً ، ليس خوفاً من إيران بالمعنى التقليدي، بل خوفاً من انفجار إقليمي واسع يُربك أسواق الطاقة ويهدد استقرار حلفاء واشنطن الخليجيين. فالإدارة الأمريكية تعرف جيدًا أن أي مواجهة شاملة قد تُشعل المنطقة اقتصاديًا وأمنيًا في توقيت عالمي شديد الحساسية ، خاصة مع استمرار الحرب في أوكرانيا والتوترات في آسيا.

الأخطر في المشهد كله أن الملفات باتت متداخلة بصورة غير مسبوقة. فالمفاوضات مع إيران لم تعد مرتبطة فقط بالبرنامج النووي أو بحرية الملاحة في مضيق هرمز، بل امتدت إلى ملفات التطبيع وإعادة رسم التحالفات الإقليمية. وهنا يظهر البعد الحقيقي للتحركات الأمريكية؛ فواشنطن لا تريد فقط منع إيران من امتلاك أوراق قوة استراتيجية، بل تسعى أيضًا إلى فرض واقع سياسي جديد في المنطقة، تُصبح فيه اتفاقيات التطبيع جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي وربما شرطًا لأي تفاهمات كبرى قادمة.

لكن هذه الحسابات تصطدم بحقائق أكثر تعقيدًا على الأرض. فدول الخليج، رغم تحالفها الوثيق مع واشنطن، تدرك أن أي تصعيد مباشر مع إيران سيجعلها في مرمى النيران أولًا، ولذلك تحاول الموازنة بين الضغوط الأمريكية ومخاوفها الأمنية الداخلية ، خصوصاً في مواسم حساسة كالحج أو في ظل هشاشة أسواق الطاقة العالمية.

في النهاية ، يبدو العالم وكأنه يعيش مرحلة هدنة فوق صفيح ساخن. لا أحد يريد حربًا شاملة، لكن الجميع يستعد لها. والرسائل العسكرية المتبادلة، سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط، تؤكد أن ما يُقال في العلن يختلف كثيرًا عما يُدار خلف الأبواب المغلقة. فالهدن الحالية ليست سلامًا حقيقيًا، بل استراحة محاربين ، تُستغل لإعادة التموضع، وتعزيز القدرات ، وانتظار اللحظة التي يعتقد فيها كل طرف أن ميزان القوة أصبح يميل لصالحه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى