مقالات

ما وراء استهداف البحرين والكويت : كيف تُدار معارك النفوذ في الشرق الأوسط؟

✍️ يوحنا عزمي

المتسارع الذي تشهده المنطقة ، تبرز تساؤلات كثيرة حول منطق استهداف إيران لأهداف داخل البحرين والكويت ، وما إذا كانت هذه التحركات تمثل رداً عسكريًا مفهومًا في سياق الصراع أم أنها تجاوز للحدود القانونية والسياسية التي تحكم العلاقات الدولية. وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من النظر إلى المشهد بأكمله بعيدًا عن الانحيازات العاطفية أو المواقف المسبقة، لأن ما يجري اليوم ليس مجرد تبادل للضربات ، بل صراع إرادات معقد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجيات الدولية الكبرى.

الحقيقة أن الأزمة لم تبدأ مع الصواريخ أو الهجمات الأخيرة، بل تعود جذورها إلى مسار تفاوضي طويل وشائك بين الولايات المتحدة وإيران. المشكلة الأساسية في هذا التفاوض أن كلا الطرفين دخل إليه وهو يسعى إلى تحقيق أقصى مكاسب ممكنة دون تقديم تنازلات جوهرية للطرف الآخر.

فالولايات المتحدة تريد تقليص النفوذ الإيراني الإقليمي وضبط البرنامج النووي والصاروخي الإيراني ، بينما ترى طهران أن هذه المطالب تمس جوهر أمنها القومي وقدرتها على الردع. ونتيجة لذلك، أصبح التفاوض أقرب إلى ساحة صراع موازية للمواجهة العسكرية، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي عبر استعراض القوة وليس عبر بناء الثقة.

ومن هنا يمكن فهم استمرار الضغوط الأمريكية حتى أثناء فترات الحوار. فواشنطن لم تتعامل مع التفاوض باعتباره بديلًا عن الضغط، بل كأداة إضافية ضمن منظومة أوسع من العقوبات الاقتصادية والتحركات العسكرية والرسائل الأمنية. الهدف من ذلك كان إبقاء إيران تحت ضغط دائم وإقناعها بأن البدائل المتاحة أمامها محدودة، وأن أي محاولة لتحسين شروطها التفاوضية ستواجه بإجراءات أكثر قسوة.

في المقابل ، لم تكن إيران تنظر إلى هذه الضغوط باعتبارها إجراءات منفصلة عن المفاوضات ، بل اعتبرتها جزءًا من حرب استنزاف مستمرة تستهدف إضعافها اقتصاديًا وعسكريًا. ولذلك سعت إلى استخدام أوراق القوة المتاحة لديها، سواء عبر حلفائها الإقليميين أو من خلال التهديد بالممرات البحرية الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.

فكلما زادت الضغوط عليها ، حاولت رفع كلفة المواجهة على خصومها لإقناعهم بأن استمرار التصعيد لن يكون بلا ثمن.

أما السؤال الذي يطرحه كثيرون حول كيفية استمرار امتلاك إيران لقدرات صاروخية وعسكرية رغم سنوات طويلة من العقوبات والاستهداف، فالإجابة تكمن في أن القدرات العسكرية للدول الكبرى لا تُقاس بعدد المواقع التي يتم ضربها فقط، بل بقدرتها على إعادة البناء والتعويض. فإيران أمضت سنوات في تطوير بنية صناعية وعسكرية موزعة جغرافياً. كما استفادت من علاقاتها الدولية وشبكاتها الصناعية والعسكرية في الحفاظ على جزء كبير من قدراتها التشغيلية. ولذلك فإن أي ضربات عسكرية، مهما كانت مؤثرة، لا تعني بالضرورة القضاء الكامل على القدرة على الرد.

لكن النقطة الأكثر حساسية تتعلق بسبب ارتباط البحرين والكويت تحديدًا بهذه الحسابات. فمن وجهة النظر الإيرانية، لا تقتصر المواجهة على الولايات المتحدة وحدها، بل تشمل أيضًا شبكة الحلفاء والقواعد العسكرية والبنية اللوجستية التي تدعم الوجود الأمريكي في المنطقة. وتحتضن كل من البحرين والكويت مواقع ومنشآت ذات أهمية استراتيجية للقوات الأمريكية، وهو ما يجعل هاتين الدولتين جزءًا من المشهد الأمني الأوسع الذي تنظر إليه طهران باعتباره امتدادًا للنفوذ الأمريكي.

مع ذلك، فإن استهداف منشآت أو مرافق مدنية يظل مسألة مختلفة تمامًا عن استهداف أهداف عسكرية. فالقانون الدولي يضع تمييزًا واضحًا بين الأهداف العسكرية والمدنيين، ويعتبر أي هجوم متعمد على منشآت مدنية انتهاكًا خطيرًا للقواعد القانونية والإنسانية. ولهذا السبب جاءت الإدانات الإقليمية والدولية لمثل هذه الأعمال، لأن المدنيين لا يُفترض أن يكونوا طرفًا في الصراع أو وسيلة للضغط السياسي والعسكري.

ومن منظور استراتيجي بحت، قد ترى إيران أن توسيع دائرة التهديد لتشمل دول الخليج يهدف إلى إيصال رسالة مفادها أن أي مواجهة واسعة ضدها لن تبقى محصورة داخل حدودها، وأن كلفة الحرب ستطال الجميع. غير أن هذا النوع من الرسائل يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة، لأنه قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا. فبدلًا من دفع دول الخليج إلى الابتعاد عن الصراع، قد يدفعها إلى مزيد من التنسيق الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، باعتبار أن الخطر أصبح مباشرًا على أمنها الوطني.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الأزمات الكبرى؛ فالأدوات التي تستخدمها الدول لتعزيز أمنها قد تتحول أحيانًا إلى عوامل تزيد من عزلتها وتوسع دائرة خصومها. فكل تصعيد يولد تصعيدًا مضادًا، وكل محاولة لفرض معادلة ردع جديدة تدفع الأطراف الأخرى إلى البحث عن وسائل أكثر قوة لمواجهتها.

وفي تقديري، فإن أخطر ما في المشهد الحالي ليس الضربات المتبادلة بحد ذاتها، بل البيئة الاستراتيجية التي تجري فيها.

فالأزمة لم تعد مجرد نزاع بين إيران وخصومها المباشرين، وإنما أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى دولية كبرى تمتلك حسابات تتجاوز حدود المنطقة نفسها. الولايات المتحدة والصين وروسيا تنظر كل منها إلى الشرق الأوسط من زاوية مختلفة، لكنها تشترك جميعًا في السعي إلى حماية مصالحها وتعزيز نفوذها. وعندما تتداخل هذه المصالح فوق رقعة جغرافية واحدة، تصبح احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المحسوب أكبر بكثير.

لهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في صاروخ يُطلق هنا أو ضربة تُنفذ هناك، بل في إمكانية انزلاق المنطقة إلى دورة مستمرة من الردود المتبادلة التي يصعب السيطرة عليها لاحقًا. فالشرق الأوسط يظل الساحة التي تُختبر عليها توازنات القوى الدولية، بينما تتحمل شعوبه ودوله الكلفة الأكبر لأي خطأ في الحسابات أو أي قرار يُتخذ بعيدًا عن أرض المعركة الفعلية. وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر إزعاجًا أن اللاعبين الكبار قد يملكون رفاهية إدارة الصراع من مسافات بعيدة، أما شعوب المنطقة فهي التي تعيش تداعياته المباشرة يوماً بعد يوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى