مقالات

حين تتحول العواصم العربية إلى ساحات ردع متبادل بين واشنطن وطهران

✍️ يوحنا عزمي

مرة أخرى تتكرر المشاهد ذاتها في الشرق الأوسط ، وكأن المنطقة محكومة بدائرة مغلقة من التصعيد المتبادل الذي لا ينتهي.

الولايات المتحدة توجه ضربة عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، وإيران ترد باستهداف مواقع وقواعد أمريكية منتشرة في المنطقة ، بينما تقف الدول العربية التي تتحول أراضيها وأجواؤها إلى مسرح لهذه المواجهات في موقع المتلقي للأحداث، لا صانعها.

فخلال الساعات الماضية أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات عسكرية استهدفت محطة تحكم أرضية عسكرية في جزيرة قشم الإيرانية، تلك الجزيرة التي لا تمثل مجرد قطعة أرض في الخليج ، بل تعد أحد أهم المواقع الاستراتيجية المشرفة على مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. ولم تمض دقائق على الإعلان الأمريكي حتى بدأت تقارير محلية تتحدث عن سماع انفجارات متعددة داخل الجزيرة، وسط مؤشرات على نشاط مكثف لمنظومات الدفاع الجوي الإيرانية.

لكن اللافت لم يكن الضربة الأمريكية نفسها، بل ما تلاها من رد إيراني سريع حمل رسائل تتجاوز حدود العملية العسكرية المباشرة. فبدلاً من الاكتفاء بإدانة سياسية أو تهديدات إعلامية، اختارت طهران توجيه رسائلها عبر الصواريخ والطائرات المسيرة نحو مواقع تضم قوات أمريكية في أكثر من دولة بالمنطقة. الكويت شهدت حالة استنفار بعد سماع دوي انفجارات قوية ، قبل أن تعلن السلطات أن الدفاعات الجوية تعاملت مع هجمات استهدفت مواقع عسكرية تضم قوات أمريكية. وفي الوقت ذاته توالت التقارير عن استهداف مواقع أمريكية في أربيل العراقية، بينما أعلنت البحرين إجراءات احترازية شملت إغلاق المجال الجوي مؤقتًا بعد تعرضها لهجمات مماثلة، مع ورود أنباء عن تهديدات جوية طالت مناطق أخرى في الخليج.

المشهد في جوهره يكشف عن حقيقة أصبحت واضحة للجميع؛ فالمواجهة بين واشنطن وطهران لم تعد مقتصرة على حدود البلدين، بل أصبحت حرب نفوذ تدور فوق أراضي دول أخرى وتستخدم فيها قواعد وممرات ومجالات جوية عربية باعتبارها جزءًا من معادلة الردع المتبادل. ومع كل جولة جديدة من التصعيد تتسع دائرة المخاطر على دول المنطقة، سواء كانت طرفًا راغباً في ذلك أم لا.

الأكثر إثارة للتساؤل هو التناقض الظاهر في الخطاب الأمريكي. فمن ناحية تتحدث واشنطن عن رغبتها في خفض التوتر والوصول إلى تفاهمات إقليمية تمنع انفجار الأوضاع ، ومن ناحية أخرى تستمر العمليات العسكرية المباشرة
ضد أهداف داخل إيران. هذا التناقض يطرح سؤالًا مشروعًا حول طبيعة الاستراتيجية الأمريكية الحقيقية: هل الهدف هو الاحتواء ومنع الحرب، أم إدارة الصراع بطريقة تضمن استمرار الضغوط على إيران دون الوصول إلى مواجهة شاملة؟ المشكلة أن مثل هذه الحسابات كثيرًا ما تنتهي بنتائج عكسية عندما تقرر الأطراف الأخرى الرد وفق منطق القوة لا الدبلوماسية.

وفي المقابل، تدرك إيران أن استهداف المصالح الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق يمنحها أوراق ضغط أكبر من مجرد الرد داخل حدودها الجغرافية. لذلك تحاول دائمًا نقل تكلفة أي ضربة أمريكية إلى مساحة إقليمية أوسع، بما يرسل رسالة مفادها أن أمن المنطقة بأكملها سيتأثر إذا استمرت الضغوط العسكرية عليها.

لكن وسط هذا الاشتباك المستمر يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: أين تقف الدول العربية من كل ذلك؟ فالمفارقة أن معظم الهجمات والردود المتبادلة تجري فوق أراضٍ عربية أو بالقرب منها، بينما يظل الدور العربي في كثير من الأحيان محصورًا بين احتواء التداعيات الأمنية وإصدار بيانات التهدئة. ومع تكرار هذه المشاهد يصبح من الطبيعي أن يشعر المواطن العربي بأن بلاده تحولت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية المتنافسة.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الصواريخ والطائرات المسيرة، بل في اعتياد المنطقة على هذا النمط من الأزمات حتى يصبح جزءًا من الحياة اليومية. فحين تتحول أخبار القصف المتبادل وإغلاق المجالات الجوية واستهداف القواعد العسكرية إلى أحداث اعتيادية، تكون المنطقة قد دخلت مرحلة خطيرة من التعايش مع عدم الاستقرار باعتباره أمرًا طبيعيًا. وهنا تكمن المعضلة الكبرى؛ لأن الشعوب لا تدفع ثمن الحروب فقط عندما تندلع، بل تدفعه أيضًا عندما يصبح شبح الحرب حاضرًا بصورة دائمة فوق رؤوسها.

وربما يكون السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس متى ستتوقف الضربات الأمريكية أو الردود الإيرانية، بل متى تمتلك دول المنطقة القدرة على فرض معادلتها الخاصة، بحيث لا تبقى مجرد ساحة تتحرك فوقها القوى الأخرى، بل طرفًا قادرًا على التأثير في مسار الأحداث وصياغة مستقبل أمنه بنفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى