سِكِينه

بقلم / نيفين محمد
الدنيا جسر عبور إلى الحياه الأبدية،
فمهما اشتد التشبث بها وبأهلها،
فلا مفر من معانقة المَنيّة.
ومع تفاقم التعلق بالهوى،
إستفحلت الوجيعة في الوجدان ،
وعم الأسى رحاب الأيام،
فنسيت النفس غايتها،
وضلت الدرب وتعثرت به،
وظلت تبحث في حلقاتٍ مفرغة
عمن يضمد هذا الصدع النازف.
إن الزوال ليس فناء العظام ،
بل إضمحلال النفس شيئاً فشيئاً.
فالذكرى التي يُورثها الراحلون هي الخلود الحقي،
الأثر المطبوع في مهج الأقربين.
المقعد الفارغ…
ذلك الذي ينخره السوس فور الرحيل،
فلا يبقى إلا الهشيم ، الذكرى،
وبعض صحائف صورٍ صفراء.
يصير كل شيء هشاً،
لا يمكث منه إلا الوجع الصامت والشجون.
والتقبل والرضا بالواقع المرير…
تلك الفاجعة هي التي أزهقت الروح،
وحجبت شمس الأيام عن التفتح،
كالطرح الطالح الذي نال كل أسباب البقاء
فآثر الفناء رغبة في خلود الأبد.
ويعي فداحة هذه النكبة صبي يافع
في السابعة من عمره.
ذاق مرارة الفقد،
واكتوى بنار الوحشة،
بعد أن كان يشاغب ويمرح في الطرقات،
أضحى هادئاً يلزم محله أينما حل،
فاقد الشغف يلقى الملذات بفتور.
ومنذ ست عشرة سنة وبضع شهور وأيام،
تحديداً في الرابع عشر من يناير،
بعد منتصف الليل وقبيل الفجر،
والجميع نياماً…
يستيقظ الفتى على نحيب والدته،
وتشبثها بصورةٍ كانت الجدة بطلتها.
غفل الصبي: أهي الجدة حقاً؟
أم أن دهشة النوم أغشته بالهواجس؟
تراجع للخلف يختبئ تحت غطائه مجدداً،
راجياً لقاءها في التو واللحظة،
لكن الأم أمرته بالنوم، فعجز.
وبعد جدالٍ طويل، أخذته للقائها.
نزلا درجات السلم، فألتقيا جسداً فاضت روحه،
لكنه لم يمسه… ولم يتم اللقاء، فأخرجوه سريعاً.
جلس في الغرفة المجاورة على أرجل الغرباء،
وسط النحيب والصراخ:
أمي أين ذهبتِ؟ لا تتركيني!
صديقتي، لم رحلتِ وحيدة؟
عمتي، كنتِ لي أماً أخرى!
ولم يدرِ أحد أني أريد جدتي أيضاً.
في مخيلتي قلت: لِمَ البكاء؟ هي نائمة!
أين ستذهب؟ هل جن القوم؟
تركتهم وخرجت، فألفيت أبي يدعو مقرئاً،
وعمي يعد صوان العزاء.
غص الشارع بالمعارف والغرباء،
فأمرني أبي بالدخول،
وجرتني أمي إلى غرفةٍ تعج بالنساء و الألم.
ومرت الليلة، وأشرقت الشمس،
وغلب النوم الأجفان، لكن موسيقى البكاء
منعت الفكر من الاستقرار.
رأيت عمي يحمل الثوب الأبيض والمسك الفواح،
يدفعه لأمرأة بزي أسود.
وبعد الغُسل، أدخلني عمي للقائها الأخير.
كانت ناصعة البياض، تضحك أيضاً…
والشمس تعانق وجهها.
كامرأة في قصرها.
اقتربت من سريرها، تعثرت مراراً، فحملني عمي.
قبلت جبينها، ولمست ببنان يدي وجنتيها،
وأطلت النظر، ثم خرجت.
ودعتها ببكاءٍ وصراخٍ وسط الحاضرين:
رحلت جدتي… ورحل معها الأمان، والصدق، والاطمئنان، والسكينة.
كلما لقيني أحد معارفها قال: كم كانت تحبك!
فهطلت الدموع من مقلتي.
وأضحت أبحث عمن يشبهها… فلا أجد.
وكلما مرت بي أزمة، عادت ذكرى رحيلها.
مرت ست عشرة سنة وأنا كما أنا:
عجزت عن التخطي، عجزت عن التغير والتأقلم.
وكلما تفاقم البحث بروحي، وجدتها تجلس
نفس الكرسي ،تبتسم وتنتظرني .
رحلت سكينة… وبقيت أنا بلا سكينة.



