عاش الملك

شريف جلال القصاص
“وليد الملك… وليد الملك!”
التفتُّ إلى أولئك الصبية وهم يركضون خلف الفتى النحيل الذي نجا أخيرًا من المطاردة، يرفعون اسمه كأنه راية نصر، بينما كان يلهث ضاحكًا، وركبتاه المغبرتان ترتجفان من فرط الجري.
في تلك اللحظة فقط، شعرت أن الزمن ليس خطًا مستقيمًا كما يزعمون، بل زقاق قديم تدور فيه الطفولة في حلقات مصمته إلى الأبد.
عاد إليَّ صوت الأزقة الضيقة، رائحة التراب بعد المغرب، أصوات الأمهات من الشرفات، صراخ الأطفال في اللهو والشجار، فعادت السنون كلها دفعة واحدة كقطار فقد مكابحه، أو تضاعفت سرعة الجاذبية.
لا شك أن لكل شعب تراثًا خاصًا يجمع بين أفراده، يميزه ويحدد إطاره العام، يعنونه ويمنحه نكهته الخاصة، يترك عليه بصمة لا تتكرر. شيء يشبه الجين الوراثي الخفي؛ تستطيع أن تكتشف به الابن الشرعي للذاكرة، وتعزل الدخيل ولو تحدث اللغة نفسها.
وربما كان أعظم هذا التراث وأعمقه هو ألعاب الطفولة،
تلك الألعاب التي لا تموت مهما تبدلت المدن، ولا تندثر مهما صعد الإسفلت فوق التراب، ولا يعفو عليها الزمن ولو غادرت آخر مجموعة أطفال الحارة، أو انقرضت الطفولة ذاتها.
ألعاب تبدو بدائية، لكنها أخطر من الكتب أحيانًا، وأكثر صدقًا من الواقع، وأعمق من كل الفلسفات، فيها تعلّمنا المطاردة قبل أن نعرف معنى الحياة، وتعلمنا الخوف قبل أن نقرأ عنه.
وتعلمنا أن النجاة ليست دائمًا للأقوى… بل للأذكى، أو للأكثر قدرة على الاختباء.
يا لها من ألعاب كانت تجري في الشوارع والأزقة فتحولها إلى خرائط سرية للذكريات؛ فلا يعود هناك فرق بين حي راقٍ وآخر شعبي، مادامت الجدران نفسها شهدت مباريات “السبع طوبات”، و”لمس الحمام”، و”الأولى”، و”صيادين السمك”.
لكل واحد منا لعبة أحبها أكثر من غيرها، لعبة لو خُيِّر بين حياتها مهما حقق فيها من نجاح والعودة إليها لاختارها دون تردد، أما أنا، فقد عشقت لعبة لا أذكر اسمها، صبي يغمض عينيه عند الحائط، يمنح الجميع فرصة للهروب، ثم يبدأ العد بصوت مرتفع:
واحد…
اثنان…
ثلاثة…
وكان يطيل ما بين التسعة والعشرة كأنه يمنح العالم فرصة أخيرة للنجاة.
تسعة ونصف…
تسعة وثلاثة أرباع…
ثم تأتي العشرة دائمًا كأعلان لبداية المطاردة الخطرة، بعدها ينطلق يبحث عن الجميع.
يمسك الأول… فيتحول الصيد إلى صياد، والفريسة إلى مفترس، ثم الثاني… ثم الثالث…
فتكبر المجموعة كعدوى غامضة، كجيش من الزومبي يطارد الناجين ليضمهم إليه.
أما الفائز الحقيقي فليس الأسرع، بل ذلك الذي يظل مختبئًا حتى النهاية، حتى لو صعد إلى سطح بيته أو راقب الجميع خلف ستارة نافذته، منتظرًا اللحظة التي يُنادى فيها اسمه مضافًا إليه اللقب العظيم:
“الملك.”
كبرت بعدها.
لكن شيئًا ما في داخلي لم يكبر أبدًا، كنت كلما تأملت حياتي، وجدتها نسخة مشوهة من تلك اللعبة القديمة، الجامعة كانت مطاردة، العمل مطاردة، حتى الحب بدا أحيانًا كأنه محاولة يائسة للاختباء داخل قلب شخص آخر.
كنت أرى الناس يتحولون واحدًا تلو الآخر، الطيبون الذين يهربون من القسوة… صاروا في منتهى القسوة، ليس لأنهم شياطين لكنهم أنها الطريقة الوحيدة للنجاة.
والطفل الذي كان يخاف الكذب… صار يكذب لينجو.
والشاب الذي كان يرفض الظلم… صار جزءًا منه، الجميع يتحولون إلى صيادين في النهاية، وربما يصبحون جزء من كينونة الصياد الاول، الجميع ينضمون إلى القطيع نفسه.
أما وليد… فكان مختلفًا.
منذ طفولته، كان يختبئ دائمًا أبعد من الجميع، لم يكن الأسرع، ولا الأقوى، لكنه كان يملك موهبة غريبة: ألا يراه أحد.
في المدرسة، كان حاضرًا وغائبًا في الوقت نفسه، وفي البيت، كان يجلس على المائدة كضيف مؤقت، في الشارع، يمر كأنه ظل فقد صاحبه.
حتى حين كبر، ظل يراقب العالم من خلف ستارة غير مرئية، يرى الجميع يركضون خلف المال، خلف السلطة، خلف الحب، خلف النجاة…
بينما كان هو يختبئ فقط.
اختبأ داخل الوظيفة، ثم داخل الوحدة، ثم داخل الصمت.
حتى صار بارعًا في الاختفاء لدرجة أن أحدًا لم يعد يسأل عنه، وكان يظن أنه ينتصر، كان يظن أنه الناجي الأخير في اللعبة.
حتى جاء ذلك اليوم.
يوم عاد إلى الحارة القديمة بعد سنوات طويلة.
كانت الأبنية أصغر مما يتذكر، والجدران باهتة، والأزقة أضيق، لكن صوت الأطفال ظل كما هو، وقف يراقبهم من بعيد.
ثم سمع الصرخة نفسها التي سمعها صغيرًا:
“وليد الملك!”
ارتجف قلبه.
التفت بسرعة.
لم يكن هناك طفل اسمه وليد.
كانوا يقصدون طفلًا آخر.
لكن الصدمة لم تكن هنا.
الصدمة أنه أدرك فجأة أن الصبية لم يكونوا ينادون الفائز…
بل ينادون آخر شخص بقي مختبئًا.
آخر شخص لم يعثر عليه أحد.
آخر شخص لم يشاركهم اللعبة أصلًا.
حينها فقط فهم الحقيقة المرعبة.
طوال حياته، لم يكن ناجيًا.
لم يكن ملكًا.
كان مجرد رجل اختبأ طويلًا… حتى نسيه الجميع.



