مقالات

الوفد الإيراني رفض مصافحة الوفد الأمريكي أمام الكاميرات والصحافة

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

يبدو أن المشهد السياسي الذي كانت تترقبه العواصم الكبرى اليوم في سويسرا انتهى إلى ما يشبه الانفجار الدبلوماسي الكامل ، بعدما تحولت المفاوضات الأمريكية الإيرانية المنتظرة من فرصة كان يراهن عليها البعض لخفض التصعيد الإقليمي ، إلى واحدة من أكثر جولات التفاوض توتراً وفشلاً منذ سنوات ، في مؤشر خطير يعكس حجم الهوة المتسعة بين واشنطن وطهران ، ويكشف أن المنطقة قد تكون على أعتاب مرحلة أكثر تعقيداً مما
كان متوقعاً.

فمنذ اللحظات الأولى لوصول الوفد الإيراني ، كانت الإشارات السلبية واضحة بصورة لا تقبل التأويل. الوفد القادم من طهران لم يكتف فقط بإبداء تحفظات بروتوكولية، بل اتخذ موقفاً تصعيدياً غير مسبوق حين رفض حتى الدخول إلى القاعة المخصصة للمحادثات ، متذرعاً بأن استمرار الحرب في لبنان يجعل أي حديث سياسي سابقاً لأوانه. الأمر لم يتوقف عند هذا الحد ، بل امتد إلى رفض مصافحة الوفد الأمريكي أمام عدسات الإعلام والمصورين ، بعدما اشترط الإيرانيون مسبقاً إبعاد وسائل الإعلام تماماً حتى لا يظهروا أمام الداخل الإيراني وكأنهم يضعون أيديهم في يد من يصفونه منذ عقود بـ”الشيطان الأكبر”.

هذا المشهد وحده كان كافياً ليؤكد أن المفاوضات ماتت قبل أن تبدأ ، وأن كل الرهانات التي بُنيت خلال الأيام الماضية على إمكانية تحقيق اختراق سياسي كانت أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع. فالجلسة التقنية التي كان مقرراً أن تناقش الملف النووي الإيراني ومستقبل تخزين المواد النووية لم تُعقد أساساً، ولم يجر أي نقاش فعلي ، بل غادر الوفد الإيراني سريعاً ، وعاد عدد من أعضائه بالفعل إلى مطار زيورخ تمهيداً للعودة إلى طهران ، في رسالة واضحة مفادها أن إيران لم تأت أصلاً وهي تحمل نية حقيقية لإتمام أي تفاهم.

المفارقة اللافتة أن الإدارة الأمريكية كانت تتعامل مع هذا اللقاء باعتباره لحظة فارقة. نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قطع ارتباطاته الشخصية وترك زوجته التي تنتظر مولوداً في أي لحظة ، كما غادر احتفالات عيد الأب ، وسافر إلى سويسرا خصيصاً للمشاركة في هذا اللقاء الذي كانت واشنطن ترى أنه قد يفتح باباً جديداً نحو تهدئة إقليمية. لكن كل ذلك بدا بلا قيمة بعد الانهيار السريع للمحادثات.

صحيح أن فانس خرج أمام الإعلام متحدثاً بلغة دبلوماسية حاولت إنقاذ المشهد ، وأعلن أن هناك تقدماً كبيراً نحو مستقبل يستطيع فيه الجميع العمل معاً لتعزيز السلام والازدهار ، إلا أن هذه الكلمات لم تصمد سوى دقائق قليلة قبل أن يأتي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليقلب المشهد بالكامل بتصريحات بدت وكأنها إعلان وفاة رسمي لأي مسار تفاوضي.

ترامب ، المعروف بعدم التزامه بالقواعد التقليدية للدبلوماسية، خرج بتصعيد غير مسبوق، معلناً أن الولايات المتحدة مستعدة لضرب إيران مرة أخرى بقوة أكبر من الضربات السابقة إذا لم توقف دعمها لما وصفه بوكلائها في لبنان، في إشارة مباشرة إلى حزب الله. ولم يتوقف الأمر عند التهديد العسكري، بل امتد إلى تحذيرات شديدة اللهجة بشأن مضيق هرمز ، حين قال بوضوح إن إغلاق المضيق سيعني نهاية إيران نفسها، مضيفاً عبارات حملت قدراً كبيراً من الإهانة السياسية لطهران.

ومع انهيار هذه الجولة ، عاد شبح الحرب ليخيم من جديد فوق المنطقة بأسرها. التحركات العسكرية الأمريكية في محيط مضيق هرمز ازدادت بصورة لافتة، والمقاتلات الأمريكية أصبحت تحلق بكثافة غير مسبوقة، ترافقها طائرات الإنذار المبكر والتحكم الجوي المعروفة بطائرات الأواكس ، في مؤشر يعكس أن واشنطن تستعد لكل السيناريوهات المحتملة إذا استمر التصعيد.

الأمر اللافت أيضاً أن الوسطاء الذين حاولوا هندسة هذا اللقاء، وعلى رأسهم قطر وباكستان ، خرجوا عملياً بخسارة سياسية وإعلامية كبيرة. فكل ما كان مخططاً له بدا وكأنه محاولة لصناعة مشهد سياسي تاريخي شبيه بالمشاهد الدبلوماسية الكبرى التي تصنعها القوى العظمى ، لكن النتيجة النهائية كانت فشلاً حتى في التقاط صورة تذكارية تجمع الأطراف المختلفة.

وتشير المعطيات إلى أن قطر حاولت إغراء طهران عبر وعود مالية ضخمة قيل إنها تصل إلى ستة مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة، مقابل تقديم مرونة في ملف مضيق هرمز والانخراط بجدية في التفاوض. لكن الإيرانيين ، الذين يدركون جيداً تعقيدات هذه الملفات ، لم يحصلوا على أي ضمانات حقيقية، لتسقط الصفقة قبل أن ترى النور ويعود الوفد الإيراني خالي الوفاض.

الحقيقة التي تكشفها كل هذه التطورات أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالخلاف الأمريكي الإيراني التقليدي ، بل أصبحت أزمة ثقة شاملة. إيران لا تثق في الوسطاء ، ولا تثق في قطر، ولا ترى في باكستان طرفاً محايداً ، بينما الأمريكيون أنفسهم يحملون تصوراً مختلفاً تماماً عن التصورات التي حاول الوسطاء تسويقها. انعدام الثقة هذا كان كافياً لإفشال كل شيء.

الأخطر أن بعض القوى الإقليمية الكبرى ، وفي مقدمتها مصر والإمارات والسعودية، جرى إبعادها عن هذا المسار التفاوضي، وهو ما دفع هذه الأطراف إلى تحركات موازية في محاولة لإثبات حضورها الإقليمي وعدم ترك المشهد بالكامل لوساطة باكستانية قطرية بدت في النهاية عاجزة عن تحقيق أي اختراق.

ما حدث في سويسرا اليوم لم يكن مجرد فشل جولة تفاوضية عادية ، بل كان إعلاناً صريحاً بأن الأزمة عادت إلى نقطة الصفر، وربما إلى ما هو أخطر من نقطة الصفر نفسها. فحين تفشل الأطراف حتى في الجلوس داخل قاعة واحدة، وحين تتحول لغة التفاوض إلى تهديدات مباشرة بالضرب والاحتلال ، يصبح السؤال الحقيقي ليس متى ستنجح المفاوضات المقبلة، بل هل ما زالت هناك مفاوضات ممكنة من الأساس، أم أن المنطقة تتجه بالفعل نحو مواجهة كبرى قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالكامل خلال الأسابيع القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى