الإتفاق الأمريكي الإيراني .. هل انتصرت طهران فعلًا أم وقعت في أخطر كمين استراتيجي في تاريخها الحديث؟

بقلم : يوحنا عزمي
منذ اللحظة الأولى التي خرجت فيها تفاصيل الاتفاق الكامل بين إيران والولايات المتحدة إلى العلن ، امتلأت منصات التحليل السياسي بسيل من التفسيرات السريعة التي ذهبت في معظمها إلى نتيجة واحدة : إيران انتصرت ، وواشنطن اضطرت أخيراً إلى التراجع أمام صمود طهران.
لكن الحقيقة أن قراءة السياسة لا تُبنى على الانطباع الأول ، ولا على العناوين البراقة التي تُصاغ بعناية لتوجيه الرأي العام، بل تُبنى على فهم أعمق لما يجري خلف النصوص الرسمية ، وعلى إدراك الفارق الكبير بين ما يبدو انتصاراً في ظاهره ، وبين ما قد يكون في جوهره فخاً استراتيجياً بالغ التعقيد.
بعد قراءة البنود كاملة ، والمقارنة بينها وبين وضع إيران في السنوات الأخيرة من إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، يصبح من الصعب تجاهل حقيقة واضحة: ما حدث لا يبدو انتصاراً إيرانياً بقدر ما يبدو إعادة ترتيب أمريكية ذكية للمشهد بالكامل ، بطريقة تمنح طهران بعض ما سُلب منها أصلًا ، لكن مقابل ثمن استراتيجي قد يكون هو الأغلى منذ بداية المشروع الإيراني الحديث.
صحيح أن الاتفاق يتضمن رفعًا للحصار البحري المفروض على إيران، وإنهاءً للعقوبات الاقتصادية الأمريكية والدولية ، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة ، وإعادة دمج الاقتصاد الإيراني تدريجيًا في النظام المالي العالمي، فضلًا عن التزام متبادل بعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة الوطنية للطرفين. للوهلة الأولى، تبدو هذه البنود وكأنها انتصار كامل لطهران، لأن إيران خاضت سنوات طويلة من المواجهة السياسية والاقتصادية والعسكرية للوصول إلى هذه النقطة تحديدًا.
لكن السؤال الحقيقي هنا : هل يمكن اعتبار استعادة دولة لحقوق كانت قد سُلبت منها بالقوة انتصاراً سياسياً؟ أم أن المسألة أشبه بمن يقتحم منزلك، يسرق ممتلكاتك، يجمد أموالك، يحاصرك اقتصادياً لسنوات، ثم يجلس معك على طاولة تفاوض ليخبرك أنه مستعد لإعادة ما أخذه منك بشرط أن تتخلى نهائيًا عن أحد أهم طموحاتك الاستراتيجية؟ هنا لا نتحدث عن انتصار، بل عن عملية ابتزاز سياسي جرى تغليفها باتفاق دبلوماسي.
النقطة الأخطر في الاتفاق تتعلق بالشق النووي. إيران جددت التزامها بعدم إنتاج سلاح نووي، وهو بند قد يبدو للبعض مجرد إعادة تأكيد لمواقف سابقة، لكنه في الحقيقة يمثل جوهر الاتفاق كله. الولايات المتحدة لم تدخل كل هذه المواجهة الطويلة من أجل إعادة الأموال المجمدة أو تخفيف العقوبات ، بل كان هدفها الأساسي منذ البداية وقف الطموح النووي الإيراني وإغلاق هذا الملف بصورة نهائية أو شبه نهائية. وإذا تحقق هذا الهدف ، فإن واشنطن تكون قد حصلت على ما أرادته فعلياً.
أما البند المتعلق بفتح الممرات البحرية وعودة حركة الملاحة وعدم إعاقة السفن ، فهو أيضاً يحتاج قراءة مختلفة تماماً. إيران خلال مرحلة التصعيد كانت قد صنعت معادلة الردع الخاصة بها عبر التهديد بمضيق هرمز، وزراعة ألغام بحرية وتحويل المضيق إلى ورقة ضغط عالمية شديدة الخطورة. الآن، ومع الالتزام بحرية الملاحة ، فإن إيران ستكون مضطرة فعلياً إلى إزالة هذه الألغام بنفسها، أي أنها ستقوم بتفكيك إحدى أهم أدوات الردع التي صنعتها خلال الأزمة ، وهي مهمة كانت ستكلف الولايات المتحدة وحلفاءها مليارات الدولارات لو اضطرت واشنطن لتنفيذها بنفسها.
هناك أيضاً مسألة أخرى أثارت جدلًا واسعاً ، وهي الحديث المتداول عن تخصيص صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار لإيران ، وهي الرواية التي جرى تداولها بكثافة قبل أن يتم نفيها رسمياً. لكن مجرد انتشار هذه الرواية يكشف حجم الدمار الحقيقي الذي تعرضت له البنية التحتية الإيرانية خلال المواجهة. لأن الحديث عن إعادة إعمار بمئات المليارات يعني ضمنياً أن حجم الخسائر كان كارثياً. والأهم أن بعض التقديرات الغربية تحدثت عن أن الحرب استنزفت مخزونات أسلحة بمليارات الدولارات ، وهو ما يكشف أن المعركة لم تكن مجرد تبادل ضربات عابرة ، بل عملية استنزاف هائلة لجميع الأطراف.
ورغم ذلك ، لا يمكن إنكار أن إيران خرجت بمكسب حقيقي واحد لا يجوز التقليل من أهميته : النظام الإيراني نفسه لم يسقط. هذا ربما يكون الانتصار الوحيد الذي يمكن الحديث عنه بوضوح. الدولة تعرضت لتدمير واسع، الاقتصاد تعرض لضغوط غير مسبوقة ، لكن النظام السياسي بقي قائماً ، ولم يتحقق السيناريو الذي كانت تراهن عليه أطراف عديدة بإسقاط السلطة من الداخل أو انهيار مؤسسات الدولة.
لكن حتى هذا لا يعني أن الخطر انتهى. فالأموال الإيرانية المجمدة التي ستعود إلى طهران ستُستخدم أولًا لإصلاح ما تم تدميره ، وإعادة بناء البنية التحتية، وإنقاذ الاقتصاد المتدهور ، أي أن إيران لن تبدأ من نقطة تقدم ، بل ستبدأ فقط في محاولة العودة إلى النقطة التي كانت تقف عندها قبل الحرب. ببساطة ، تم دفعها إلى الخلف سنوات ، ثم أعطيت أموالها الخاصة لكي تعود إلى وضعها القديم لا أكثر.
الأخطر من كل ذلك أن التاريخ السياسي الأمريكي يقول إن المواجهة العسكرية المباشرة ليست دائماً الخيار المفضل لواشنطن. المرحلة القادمة قد تشهد استراتيجية أكثر هدوءًا وأقل تكلفة ، تعتمد على دعم قوى معارضة داخلية، وتمويل تيارات سياسية معادية للنظام، وخلق انقسامات داخلية عميقة، خصوصاً بعد تخلي النظام عن المشروع النووي الذي ظل لعقود يقدم للشعب الإيراني باعتباره مشروعاً سيادياً وقومياً لا يمكن التراجع عنه. وهنا يصبح اتهام النظام بالخيانة مادة جاهزة لأي حراك داخلي مستقبلي.
الولايات المتحدة تدرك أن إسقاط الأنظمة من الداخل أقل تكلفة بكثير من الحروب المباشرة. لا صواريخ، لا إغلاق لمضيق هرمز، لا تهديد للاقتصاد العالمي، ولا معارك مفتوحة قد تشعل المنطقة بالكامل. إنها سياسة تقوم على إنهاك الخصم، ثم دفعه إلى تفكيك نفسه بنفسه.
ولا يبدو المشهد الإقليمي بعيداً عن هذا التصور. فالتصريحات الأخيرة المتعلقة بمحاولات إعادة توجيه الصراعات في المنطقة ، وفتح جبهات جديدة مرتبطة بحسابات مذهبية وطائفية ، تعطي انطباعاً واضحاً بأن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة إنتاج الفوضى، ولكن هذه المرة بطريقة مختلفة، عبر إدارة الصراعات الداخلية بدلًا من المواجهة العسكرية التقليدية.
الخلاصة أن من يقرأ الاتفاق بعين العاطفة سيعتقد أن إيران خرجت منتصرة، لكن من يقرأه بعين السياسة سيدرك أن واشنطن ربما حققت الهدف الأهم الذي سعت إليه منذ سنوات طويلة. إيران لم تُهزم عسكرياً بصورة كاملة، لكنها دفعت أثماناً باهظة ، ثم قُدمت لها تسوية تعيد إليها بعض ما فقدته ، مقابل التنازل عن أحد أهم عناصر قوتها المستقبلية.
في السياسة ، ليست كل الاتفاقات سلاماً .. بعض الاتفاقات تُكتب بعناية شديدة لتكون بداية مرحلة جديدة من الصراع ، لا نهايته. وما جرى اليوم قد لا يكون نهاية المواجهة الأمريكية الإيرانية ، بل مجرد انتقالها من ساحة الحرب المباشرة إلى ساحة أكثر خطورة وتعقيداً … ساحة تفكيك الخصم من الداخل.



