مقالات

لحظة فاصلة تعيد رسم قواعد الصراع بين موسكو وكييف

✍️ يوحنا عزمي

يبدو أننا أمام مشهد لا يمكن قراءته كحادث عسكري منفصل بقدر ما هو حلقة جديدة في سلسلة استنزاف طويلة تتداخل فيها السياسة بالميدان ، وتتشابك فيها رسائل الردع مع حسابات الداخل والخارج. ما جرى من تصعيد واسع باستخدام مئات المسيرات والصواريخ نحو العمق الروسي، وبالأخص محيط موسكو، لا يمكن فصله عن حالة الانسداد الاستراتيجي التي وصلت إليها الحرب، حيث لم يعد أي طرف قادرًا على فرض حسم سريع، بينما تتآكل القدرة البشرية والاقتصادية لأوكرانيا بشكل متسارع تحت ضغط حرب استنزاف مفتوحة.

الرهان هنا لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح رهاناً على الإرهاق وإعادة تشكيل الوعي السياسي لدى الشعوب. استهداف البنية اليومية داخل العاصمة الروسية يحمل بوضوح محاولة نقل الحرب من جبهات بعيدة إلى قلب الحياة المدنية، وهو تكتيك خطير لأنه يرفع مستوى التوتر الشعبي ويختبر قدرة الدولة على حماية مركزها الحيوي. لكن في المقابل، هذا النوع من التصعيد غالباً ما ينتج أثراً عكسياً ، إذ يدفع المجتمعات المتضررة إلى الالتفاف حول السلطة بدلًا من الضغط عليها، ويمنح صناع القرار مساحة أوسع لتبرير خطوات أشد قسوة في الرد.

داخل موسكو، لا يمكن تجاهل أن مثل هذا الاختراق الجوي—even لو كان جزئياً _ يفتح أسئلة صعبة حول فعالية منظومات الدفاع والإنذار، ويضع القيادة العسكرية أمام مراجعة جادة لسلاسل الرصد والاستجابة. غير أن التاريخ القريب للحروب المماثلة يشير إلى أن لحظات الإحراج الأمني عادة ما تتحول سريعاً إلى مبرر لتشديد القبضة وليس لتراجعها ، خصوصاً عندما يكون الخطاب الداخلي قائماً على فكرة الحصار والتهديد الوجودي.

في المقابل، الوضع الأوكراني أكثر تعقيدًا مما يظهر في مشهد الهجوم نفسه. فكل عملية كبيرة من هذا النوع تعني استنزافاً إضافياً في الموارد، سواء على مستوى الذخائر أو القدرات التقنية أو حتى الدعم الخارجي الذي بات يخضع لحسابات سياسية واقتصادية متغيرة داخل الغرب. ومع استمرار الحرب، تتحول الأرقام الاقتصادية والديموغرافية إلى عامل حاسم لا يقل خطورة عن نتائج المعارك المباشرة، حيث يفرض النزيف البشري وتآكل البنية التحتية واقعاً يضيق تدريجيًا على أي خيار سياسي لاحق.

الأخطر في هذه المرحلة أن الحرب لم تعد تُدار بمنطق الردع التقليدي فقط، بل بمنطق اختبار الحدود : إلى أي مدى يمكن لكل طرف أن يذهب دون أن ينفجر النظام الإقليمي أو الدولي المحيط به. هذا النوع من التصعيد يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، من بينها مزيد من التصعيد المتبادل، أو الدخول في مرحلة ضغط سياسي دولي لإعادة فرض مسار تفاوضي ، أو استمرار الاستنزاف حتى يصل أحد الأطراف إلى نقطة إنهاك داخلي حاسمة.

وفي كل الأحوال ، يبقى السؤال الحقيقي ليس في حجم الضربة أو طبيعتها، بل في قدرتها على تغيير معادلة الحرب نفسها. فالحروب الطويلة لا تحسمها الضربات الكبيرة بقدر ما تحسمها قدرة الأطراف على الاستمرار ، اقتصادياً وبشرياً وسياسياً ، تحت ضغط الزمن.

وفي ظل هذا المشهد المفتوح على كل الاحتمالات ، يظل السيناريو النهائي مرتبطاً ليس فقط بما يحدث في سماء موسكو أو كييف ، بل بما يحدث في خلفية القرار الدولي الذي يدير هذه الحرب من بعيد، ويعيد ضبط إيقاعها كلما اقتربت من حافة الانفلات الكامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى