الصين تكسر الهيمنة الأمريكية وتعيد رسم موازين القوة العالمية

✍️ يوحنا عزمي
في عالم السياسة الدولية ، نادراً ما نشهد دولة تقف وجها لوجه امام الولايات المتحدة الأمريكية، القوة التي ظلت لعقود تفرض إرادتها الاقتصادية والعسكرية على العالم ، لكن يبدو ان الصين قررت ان تعيد كتابة قواعد اللعبة الدولية بطريقة مختلفة، لتبعث برسالة واضحة مفادها ان زمن الهيمنة المنفردة لم يعد كما كان.
المشهد بدأ يتبلور بوضوح منذ الزيارة الاخيرة التي أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى بكين، وهي الزيارة التي كشفت لاول مرة عن لهجة صينية شديدة الحزم تجاه واشنطن ، بعدما وضعت القيادة الصينية أمام الإدارة الامريكية مجموعة من الخطوط الحمراء غير القابلة للنقاش، وفي مقدمتها ملف تايوان ، الى جانب تأكيد صريح بأن التعاون هو الخيار المفضل ، لكن الصدام سيقابل برد حاسم.
وخلال تلك الزيارة ، فاجأت الصين الجميع حين أبدت اعتراضها المباشر على صفقة صواريخ توماهوك التي كانت اليابان تسعى للحصول عليها من الولايات المتحدة، في رسالة غير مسبوقة تؤكد ان بكين اصبحت طرفاً قادراً على التأثير حتى في القرارات العسكرية الأمريكية المتعلقة بحلفائها التقليديين.
لكن ما حدث بعد ذلك حمل تصعيدا اكبر، بعدما قررت الولايات المتحدة توسيع القيود المفروضة على شركات صينية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية ، واضافت نحو عشرين شركة جديدة الى قوائم العقوبات ، من بينها عملاقا التكنولوجيا الصينيان علي بابا وبايدو ، في محاولة واضحة لتقليص نفوذ بكين الإقتصادي والتكنولوجي داخل السوق الأمريكية.
الصين لم تتأخر كثيراً في الرد ، وجاء الرد هذه المرة اكثر قسوة ودقة. صحيفة وول ستريت جورنال كشفت ان بكين وضعت عشر شركات امريكية كبرى على قوائم الرقابة والتقييد ، لكن الامر لم يتوقف عند هذا الحد ، بل تعمدت الصين اختيار شركات ترتبط بشكل مباشر بقطاع الصناعات الدفاعية الامريكية، واصدرت قرارا بحظر تصدير اي منتجات صينية مزدوجة الاستخدام اليها، في خطوة تحمل أبعاداً إستراتيجية تتجاوز مجرد الرد الإقتصادي التقليدي.
الأكثر أثارة ان بكين حددت قطاعات بعينها لاستهدافها ، شملت الصناعات المرتبطة بالطائرات المسيرة، وتكنولوجيا الروبوتات، وصناعات الفضاء الجوي، اضافة الى المعادن الإستراتيجية التي تمثل العمود الفقري للصناعات العسكرية والتكنولوجية الحديثة.
وفي تصعيد جديد يعكس حجم الثقة الصينية المتزايدة، ادرجت بكين شركتين امريكيتين من الاهم عالميا في مجال المعادن الارضية النادرة ، وهما MP Materials وUSA Rare Earth، وهو ما اعتبره مراقبون ضربة مباشرة لقطاع بالغ الحساسية داخل الاقتصاد والصناعة الامريكية.
ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، اذ اعلنت وزارة المالية الصينية رسمياً استبعاد 46 شركة امريكية من المشتريات الحكومية الصينية ، في قائمة ضمت اسماء ثقيلة للغاية مثل شركة Lockheed Martin وRaytheon Technologies، اضافة الى القسم الدفاعي التابع لشركة Boeing، وهو قرار يعني ببساطة خسائر بمليارات الدولارات للشركات الامريكية التي كانت تعتمد بشكل كبير على السوق الصينية.
ما يحدث الان ليس مجرد خلاف تجاري عابر بين قوتين اقتصاديتين، بل هو تحول إستراتيجي يعكس بداية مرحلة جديدة في العلاقات الدولية ، مرحلة عنوانها الحقيقي هو توازن القوى، بعدما بدأت ملامح النظام العالمي الاحادي الذي تقوده واشنطن تتراجع تدريجياً أمام صعود قوى دولية قادرة على المواجهة وفرض الارادة.
المشهد الحالي يقدم درسا بالغ الاهمية لكل الدول النامية ، فالقوة الحقيقية لا تصنعها الشعارات ولا التحالفات المؤقتة، بل يصنعها العلم والتكنولوجيا والقدرة على الانتاج المحلي والاستقلال الاقتصادي ، لان الدولة التي تمتلك ادوات المعرفة والصناعة هي وحدها القادرة على حماية قرارها السياسي وفرض مصالحها على الاخرين.
العالم اليوم يشهد تحولاً تاريخياً قد يقود خلال السنوات المقبلة الى نظام دولي متعدد الاقطاب، تكون فيه الكلمة موزعة بين عدة قوى كبرى، وليس قوة واحدة كما اعتدنا طوال العقود الماضية، وربما يكون ما يحدث بين بكين وواشنطن الآن هو احد ابرز المؤشرات على ان الخريطة السياسية العالمية بدأت تتغير بالفعل.



