مصر تحسم معركة الجنوب .. ضربات أمنية تكشف مخطط تهريب الذهب وحرب التضليل ضد الدولة

✍️ يوحنا عزمي
في الوقت الذي تنشغل فيه أنظار كثيرين بما يجري في الإقليم من صراعات وحروب مفتوحة، تخوض مصر على حدودها الجنوبية معركة شديدة التعقيد والخطورة ، معركة لا تتصدر العناوين الكبرى بالشكل الكافي رغم أنها ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري، وتدور رحاها ضد شبكات تهريب منظمة وعصابات مسلحة امتهنت نهب الذهب والمعادن النفيسة داخل الأراضي المصرية، بالتوازي مع حرب إعلامية ممنهجة تقودها أطراف مرتبطة بميليشيات الدعم السريع والجنجويد، في محاولة واضحة لتشويه الحقائق وإثارة التوتر بين الشعبين المصري والسوداني.
على مدار الأيام الماضية، شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة واسعة من التقارير المجهولة ومقاطع الفيديو المتداولة التي زعمت قيام الطيران المصري باختراق الأراضي السودانية وتنفيذ ضربات جوية عنيفة استهدفت مناطق تعدين حدودية ، مع ترويج روايات تحدثت عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وادعاءات بوجود تحركات عسكرية مصرية داخل السودان، في محاولة لتقديم المشهد وكأن القاهرة تنفذ عمليات عدائية ضد مدنيين سودانيين داخل أراضيهم.
لكن مع دخول المتخصصين في تحليل المصادر المفتوحة وصور الأقمار الصناعية على خط التحقيق، بدأت الرواية الحقيقية تتكشف سريعاً. التحليلات الجغرافية والإحداثيات الدقيقة أكدت بشكل قاطع أن العمليات العسكرية لم تستهدف أي نقطة داخل السودان، وأن كافة المواقع التي شهدت الضربات تقع داخل العمق المصري الخاضع للسيادة الكاملة للدولة المصرية.
ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن المتحدث العسكري المصري، فإن ما جرى كان عملية أمنية وعسكرية واسعة النطاق نفذتها قوات إنفاذ القانون بالتنسيق مع وزارة الداخلية وقيادة المنطقة الجنوبية العسكرية، واستهدفت بؤرًا إجرامية وشبكات تهريب مسلحة تنشط في سرقة الذهب والمعادن النفيسة من مناطق جبل إيقات وجبل حريق وعقبة دقينة، وهي مناطق مصرية خالصة تقع بالكامل داخل الحدود المصرية شمال خط عرض 22.
وتشير المعلومات الميدانية إلى أن هذه العصابات ليست مجرد مجموعات تعمل في التنقيب العشوائي، بل شبكات إجرامية منظمة تضم عناصر مسلحة بأسلحة آلية وسيارات دفع رباعي، وينتمي عدد كبير من أفرادها إلى جنسيات متعددة من جنوب السودان وتشاد والنيجر ودول أفريقية أخرى، وقد سبق لتلك المجموعات أن اشتبكت مع قوات حرس الحدود المصرية في وقائع سابقة أسفرت عن سقوط ضباط وجنود مصريين أثناء تأدية واجبهم في حماية الحدود الجنوبية.
في ضوء ذلك ، جاءت العملية العسكرية الأخيرة باعتبارها رداً حاسماً على هذه التهديدات ، حيث نفذت القوات الجوية المصرية ضربات دقيقة باستخدام مقاتلات ميج ومروحيات أباتشي وطائرات مكافحة التمرد، استهدفت معاقل تلك العصابات ودمرت البنية اللوجستية التي كانت تستخدمها في عمليات استخراج وتهريب الذهب بشكل غير قانوني.
الأرقام الرسمية التي أعلنتها القوات المسلحة المصرية كشفت حجم العملية ، إذ تم القبض على 213 عنصرًا من المتسللين العاملين ضمن شبكات الدهابة، والتحفظ على عشرات سيارات الدفع الرباعي وأجهزة الاتصال اللاسلكية، إلى جانب مصادرة كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر، فضلًا عن إحباط محاولات تهريب مخدرات وبضائع غير مشروعة تجاوزت قيمتها المليار جنيه، فيما قام مئات المتسللين بتسليم أنفسهم لاحقًا وتم ترحيل أعداد كبيرة منهم عبر معبر أرقين الحدودي.
ولم تتوقف النجاحات الأمنية عند هذا الحد، إذ أعلنت قوات حرس الحدود المصرية خلال الساعات الأخيرة إحباط ما يقارب مائة محاولة تسلل وهجرة غير شرعية عبر الحدود الجنوبية، موزعة على أكثر من 115 واقعة مختلفة، بالإضافة إلى ضبط عمليات تهريب ضخمة تقدر قيمتها بما يقترب من 40 مليار جنيه.
غير أن التطور الأخطر لم يكن ميدانيًا فقط، بل ظهر في المعركة الإعلامية التي بدأت بالتزامن مع تنفيذ العملية العسكرية. فقد سارعت الجهات المرتبطة بميليشيات الدعم السريع والجنجويد ، مدعومة بأذرعها الإلكترونية وتحالفاتها السياسية، إلى إطلاق حملة تضليل واسعة هدفت إلى قلب الحقائق، عبر الترويج لروايات تزعم أن مصر تنفذ عمليات عسكرية داخل السودان وتمارس اعتداءات على المدنيين ، بل وصل الأمر إلى إعادة تدوير فيديوهات قديمة لا علاقة لها بالأحداث الأخيرة ومحاولة تقديمها باعتبارها آثارًا للقصف المصري.
المفارقة الصادمة أن الجهات نفسها التي تتهم مصر اليوم بانتهاك السيادة هي ذاتها المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة داخل السودان خلال السنوات الأخيرة، والمسؤولة عن مجازر دامية بحق المدنيين السودانيين، كما أنها ترتبط بشكل مباشر بشبكات تهريب الذهب التي تمثل أحد مصادر التمويل الرئيسية لشراء السلاح وتمويل الصراع الداخلي هناك.
ويبدو واضحاً أن الهدف الحقيقي من هذه الحملة الإعلامية يتجاوز مجرد تشويه صورة مصر ، إذ تسعى تلك الأطراف إلى ضرب العلاقة التاريخية والاستراتيجية بين القاهرة والخرطوم، عبر خلق حالة من الاحتقان الشعبي بين الشعبين، وفي الوقت نفسه إظهار الجيش السوداني بمظهر العاجز عن حماية حدوده ، بما يخدم أجندات سياسية وعسكرية مرتبطة بالصراع الدائر داخل السودان.
لكن هذه المحاولات سرعان ما فقدت مصداقيتها بعد صدور التأكيدات الرسمية بأن العملية المصرية جرت في إطار التنسيق الكامل مع الحكومة السودانية والمؤسسة العسكرية السودانية، باعتبار أن تلك العصابات المسلحة تمثل تهديدًا مباشرًا لأمن البلدين، كما خرج مستشار رئيس مجلس السيادة السوداني مؤكدًا أن ما قامت به مصر يمثل إجراءً طبيعيًا ومشروعًا لحماية حدودها والتصدي لاعتداءات المهربين المسلحين.
الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن مصر لم تكن يوماً دولة معتدية، ولم تعرف تاريخياً بسياسات التوسع أو الاعتداء على جيرانها ، لكنها في المقابل لا تتهاون أبدًا حين يتعلق الأمر بأمنها القومي أو حماية حدودها أو الدفاع عن مقدرات شعبها. ومن يقترب من تلك الحدود بنوايا عدائية أو يحاول المساس بثروات الدولة وحقوق مواطنيها، عليه أن يدرك جيدًا أن الرد سيكون حاسماً، وأن أمن مصر سيظل دائمًا خطًا لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف.هذه الصياغة أقرب لأسلوب المقالات والتحليلات الصحفية الاحترافية الجاهزة للنشر.



