ابداعات

اعترافات حقيبة سفر

بقلم – جلال الدين محمد 

 

مرحبًا أنا “رحالة” حقيبة سفر، كنت أظن أن لكل واحد منا نصيب من اسمه، لكن على ما يبدو أن هذه القاعدة لم تعد تنطبق علي منذ خمس سنوات على الأقل.

 

أصبحت أشبه ذلك الموظف الحكومي الذي كنا نراه في الأفلام القديمة، يذهب إلى دوامه ليتناول الفطور ويقرأ الجريدة، ثم يشتري بطيخة ويعود لمنزله يأكل مرة أخرى وينام، ولا يؤدي الوظيفة التي عُين لأجلها. المضحك المبكي أني حتى لا احصل على جريدة أو بطيخ.

 

منذ عشر سنوات اشتراني صاحبي، كان شابًا في بداية عشريناته مفعم بالنشاط والحيوية. أحلامه لامست عنان السماء، حتى أني يومها ظننت أن من اشتراني هو طائر حر يُحلق بين السحاب.

 

رحلت معه إلى “بورسعيد” حيث حضر معسكرًا تدريبيًا أراد فيه النجاح حالًا، ونتيجة لذلك تشاجر مع الجميع حيث رآهم عوائق في طريقه، ولولا استعادته لرباطة جأشه في نهاية المطاف لخرب الأمر كله.

 

وفي القاهرة انطلق بي من شرقها لغربها. يوم في عمل ارتحل لأجله ومكث ضيفًا على أقرباء، ويوم استأجر مكانه الخاص، ويوم ثالث أصر على الشراء من فرع معين لنفس المطعم ليتأكد أنه قد أصيب بالتسمم بسبب وجبته، والحق يقال أنه تأكد يومها بالطريقة الصعبة.

 

حتى حين سافر إلى الصعيد للمرة الأولى أخذني معه. من ينسى العم “عصام” ذلك الرجل الكبير في السن الذي اقتحم بلا دعوة المساحة الشخصية لكل من في عربة القطار، فعرف أسمائهم وعائلاتهم ولماذا يسافرون وماذا يعملون، حتى أنه أوصلني مع صاحبي إلى وجهتنا بعد النزول من القطار.

 

صاحبي ذلك المندفع الذي يرفض ركوب المواصلات إلا حين تتحطم قدماه أو يصرخ عموده الفقري مستغيثًا من الألم. جرني على عجلاتي في طرق لا تخطر لك على بال. طريق ممهد أو لا، مليء بالحفر أو الرمال أو حتى القمامة، طالما قرر المشي فسينطلق وأنا معه.

 

رحلتي المفضلة معه كانت بلا ريب إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، والمضحك المبكي هنا أن عجلاتي لم تنكسر في كل الطرق التي صحبني فيها وانكسرت هناك. كانت مرته الأولى التي يركب فيها الطائرة وشعرت بسعادته وقتها، وكأن قلبه سيقفز من صدره ليحتفل من الغبطة التي شعر بها.

 

ولكنها كانت رحلتي الأخيرة، ظل يؤجل إصلاحي يومًا ثم شهرًا ثم عامًا، والآن أنا في خزانة والدته منذ خمس سنوات. لم يتوقف عن السفر لكنه اشترى غيري من الحقائب، أخذها معه إلى أنحاء مختلفة في أوروبا والخليج وحتى أفريقيا، ونسى أنه امتلكتي يومًا.

 

عزائي أني لم أكن الوحيدة التي فعل معها هذا، فهو لا يصلح ما يفسد من الحقائب بل يشتري غيرها مباشرة، وينسى أنا كنا هنا، ولكني على أمل أن أخرج من تلك الخزانة، وانطلق معه أو مع يحب في جولة من الجنون على الطريق ولو لمرة واحدة أخيرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى