مواجهة أمريكية إيرانية في مضيق هرمز تعيد شبح الحرب إلى الشرق الأوسط

✍️ يوحنا عزمي
يبدو أن منطقة الشرق الأوسط عادت مجدداً إلى حافة اشتعال جديد ، بعدما نفذت الولايات المتحدة خلال الساعات الماضية ضربات جوية استهدفت مواقع في الجنوب الإيراني ، في خطوة أعادت التوتر العسكري إلى الواجهة ، بينما جاء الرد الإيراني سريعاً وحاسماً عبر إعلان الحرس الثوري التصدي للهجوم وبدء تجهيز بنك أهداف يتضمن القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة ، في مؤشر واضح على أن التصعيد مرشح للاتساع خلال الساعات المقبلة.
قبل نحو ساعتين ، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ عمليات جوية استهدفت مواقع رادارات ومستودعات طائرات مسيرة داخل إيران، مبررة تلك الضربات باتهام طهران بالوقوف خلف استهداف سفينة الشحن “إيفر لافلي” التي ترفع علم سنغافورة أثناء عبورها مضيق هرمز. وبالتزامن مع التصريحات الأخيرة لدونالد ترامب، بدا واضحاً أن واشنطن تسعى لتأكيد حضورها العسكري داخل المضيق وإظهار قدرتها على فرض معادلات جديدة بالقوة إذا اقتضى الأمر.
في المقابل ، خرج الحرس الثوري الإيراني ليؤكد أن قواته الجوية والبحرية تصدت للهجوم الأمريكي وأجبرت القوات المهاجمة على التراجع ، مشيراً إلى أن الأضرار اقتصرت على إصابة برج اتصالات بمدينة سيريك وبعض المواقع في جزيرة قشم، لكن الرسالة الأخطر لم تكن في البيان العسكري نفسه ، بل في الإعلان المباشر عن التحضير لعملية نوعية تستهدف القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة ، بينما بدأت بالفعل مؤشرات الرد الإيراني بالتشكل على الأرض.
اللافت أن المشهد سبقته بساعات تصريحات لمصدر عسكري إيراني أكد فيها أن قوات الحرس الثوري أطلقت طلقات تحذيرية تجاه سفن وصفها بالمخالفة داخل مضيق هرمز ، انطلاقاً من مدينة سيريك، وهو ما يكشف أن طهران أرادت مسبقاً إرسال رسالة واضحة بأنها لا تزال صاحبة اليد العليا في المضيق الأستراتيجي الأكثر حساسية في العالم.
ما يحدث الآن يتجاوز كثيراً فكرة الرد على استهداف سفينة أو مجرد اشتباك محدود بين طرفين ، لأننا أمام صراع إرادات حقيقي يحمل خلفه عدة سيناريوهات معقدة. الاحتمال الأول يشير إلى أن واشنطن ربما تحاول اختبار حدود الصبر الإيراني عقب التفاهمات الأخيرة ، وتبحث ما إذا كانت الحوافز الاقتصادية الضخمة التي قيل إنها تجاوزت 300 مليار دولار قادرة على دفع طهران للتخلي تدريجياً عن نفوذها الاستراتيجي داخل مضيق هرمز، إلا أن الرد الإيراني السريع يوحي بأن المؤسسة الإيرانية لا تعتبر أمنها القومي ورقة قابلة للمساومة مهما كانت المكاسب الاقتصادية.
الاحتمال الأقرب للواقع أن الحرس الثوري نفسه أراد توجيه رسالة عملية مفادها أن الدبلوماسية التي تدور خلف الأبواب المغلقة لا تعني أبداً تراجع الاستعداد العسكري ، وأن أي محاولة أمريكية لاستغلال أجواء التهدئة السياسية لفرض واقع ميداني جديد ستقابل برد مباشر، لأن الميدان بالنسبة لطهران يظل الضامن الحقيقي لأي مفاوضات وليس العكس.
هناك أيضًا فرضية أخرى ، وإن بدت أقل ترجيحاً ، تتحدث عن وجود تيار متشدد داخل الحرس الثوري يعارض بشكل كامل أي تفاهمات جرى توقيعها مع واشنطن ، وربما تعمد خلق أزمة جديدة عبر استهداف السفينة بهدف استفزاز الولايات المتحدة ودفعها للرد العسكري، بما يؤدي في النهاية إلى نسف الاتفاقات قبل دخولها مرحلة التنفيذ ، خاصة مع غياب موقف إيراني رسمي واضح فور وقوع حادث السفينة.
في المقابل لا يمكن استبعاد احتمال أن تكون واشنطن نفسها تسعى لصناعة أزمة متعمدة بعد التطورات السياسية الأخيرة في لبنان ، عبر افتعال مواجهة في مضيق هرمز تسمح لها بالتهرب من الالتزامات الاقتصادية المتعلقة بتخفيف العقوبات أو تنفيذ بنود التفاهمات الأخيرة مع طهران.
في المجمل، التصعيد الحالي لا يبدو حدثاً عابراً أو رد فعل محدوداً ، بل يكشف بوضوح أن الاتفاقات السياسية التي تُكتب على الورق تظل شيئاً ، بينما موازين القوة الحقيقية على الأرض تبقى شيئاً آخر تماماً ، وأن المنطقة ما زالت تعيش فوق برميل بارود يمكن أن ينفجر في أي لحظة إذا قرر أحد اللاعبين كسر قواعد الاشتباك الحالية.



