مقالات

يوحنا عزمي يكتب : الصين تشن الحرب الأخطر على أمريكا.. ومعركة إسقاط الدولار بدأت بالفعل

✍️ يوحنا عزمي

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بسلسلة متلاحقة من الأزمات ، بداية من التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، مرورا بأزمة مضيق هرمز، والصدام الأمريكي الإيراني، وصولا إلى الضجيج السياسي الذي يصنعه الرئيس دونالد ترامب ، هناك تطور بالغ الخطورة يجري في الخلفية بعيداً عن أعين كثيرين. تطور قد يعيد رسم خريطة الإقتصاد العالمي بالكامل خلال السنوات المقبلة.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن : هل لاحظ العالم ما يحدث للدولار الأمريكي على المستوى الدولي؟ وهل كان تراجع سعره مؤخرا في السوق المصرية مجرد حركة عابرة مرتبطة بالعرض والطلب، أم أن هناك تغيرات دولية أعمق بدأت تلقي بظلالها على النظام المالي العالمي؟ وهل دخل العالم بالفعل مرحلة جديدة يعاد فيها توزيع النفوذ الاقتصادي بعيدا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية؟

الإجابة التي تتردد حالياً داخل دوائر الإقتصاد والسياسة الدولية يمكن اختصارها في كلمة واحدة فقط : الصين.

بكين ، التي عملت لسنوات طويلة على توسيع نفوذها الإقتصادي حول العالم، لم تعد تتحرك باعتبارها مجرد قوة صناعية كبرى، بل بدأت فعلياً تنفيذ مشروع إستراتيجي ضخم هدفه تقليص هيمنة الدولار الأمريكي ، وتحويل عملتها المحلية، اليوان الصيني، إلى أداة مالية دولية قادرة على منافسة النظام النقدي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ عقود.

هذا التحرك لم يبدأ اليوم، لكنه تسارع بصورة لافتة منذ تأسيس بريكس، ثم دخل مرحلة أكثر جرأة مع السياسات الإقتصادية التي انتهجتها إدارة ترامب، خاصة فيما يتعلق بالحروب التجارية وفرض الرسوم الجمركية ، إضافة إلى تصاعد سياسة العقوبات الأمريكية التي أصبحت واشنطن تستخدمها كسلاح استراتيجي لإخضاع خصومها اقتصادياً.

الصين قرأت المشهد مبكراً، وأدركت أن استمرار هيمنة الدولار يمنح الولايات المتحدة قدرة شبه مطلقة على التحكم في الإقتصاد العالمي، لذلك بدأت العمل على خلق نظام مالي مواز يقلل اعتماد الدول على المؤسسات الغربية، ويمنح الحلفاء الاقتصاديين لبكين مساحة أوسع للتحرك خارج المظلة الأمريكية.

واحدة من أبرز المؤشرات التي كشفت حجم هذا التحول كانت التقارير التي نشرتها صحيفة Financial Times، والتي أشارت إلى أن المدفوعات باليوان الصيني سمحت لإيران بالاستمرار في بيع نفطها إلى الصين رغم العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

الأمر لم يتوقف عند بيع النفط فقط ، بل امتد إلى استخدام هذه العائدات في شراء منتجات صينية ، وتسديد مستحقات الشركات الاستثمارية العاملة داخل إيران ، فضلا عن تمويل احتياجات مرتبطة بمواد إستراتيجية ذات استخدام مزدوج ، وهو ما وفر لطهران متنفسا اقتصاديا ساعدها على تجاوز جزء كبير من الضغوط الأمريكية.

هذا الواقع يفسر إلى حد بعيد السر وراء قدرة إيران على استعادة بعض قدراتها اللوجستية والعسكرية سريعا بعد الضربات الأمريكية الأخيرة، لأن العقوبات التي كانت واشنطن تراهن عليها كأداة ضغط بدأت تفقد تدريجيا جزءا من فعاليتها مع ظهور البدائل الصينية.

المعادلة الجديدة تعني ببساطة أن النفوذ الأمريكي لم يعد مطلقا كما كان، وأن واشنطن بدأت تخسر تدريجياً واحدة من أهم أوراقها التاريخية ، وهي القدرة على التحكم المالي العالمي عبر العقوبات وتجميد الأصول والسيطرة على حركة الأموال الدولية.

الأكثر إثارة أن تقارير نشرتها صحيفة The Wall Street Journal تحدثت عن معلومات تشير إلى أن بعض السفن العابرة في مضيق هرمز كانت تسدد رسوم المرور لإيران باستخدام اليوان الصيني مقابل ضمان المرور الآمن وعدم التعرض لها.

هذا يعني أن اليوان لم يعد مجرد عملة محلية صينية ، بل بدأ يتحول تدريجياً إلى أداة تستخدم سياسياً واقتصادياً في مناطق شديدة الحساسية عالميا، بما يفتح الباب أمام تراجع تدريجي للنفوذ الأمريكي التقليدي.

لكن هل يعني ذلك أن اليوان الصيني أصبح على وشك إسقاط الدولار الأمريكي من عرشه العالمي؟ الإجابة ببساطة : لا.. على الأقل ليس في المدى القريب.

صحيح أن اليوان أصبح اليوم من أكثر العملات استخداما في المعاملات التجارية الدولية ، وصحيح أنه صعد بقوة ليصبح ثاني أكثر العملات تداولاً في بعض القطاعات التجارية العالمية ، لكن الأرقام ما زالت تؤكد أن الدولار يحتفظ بتفوق هائل ، إذ لا تزال حصته في تمويل التجارة الدولية تقترب من 80 بالمئة، بينما لم تتجاوز حصة اليوان خلال السنوات الأخيرة حدود 6 بالمئة فقط.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في استبدال الدولار بشكل فوري ، وإنما في المشروع الصيني طويل المدى، والذي يهدف إلى بناء بنية مالية عالمية بديلة تسمح للدول بإجراء تعاملاتها التجارية والاستثمارية بعيداً عن المؤسسات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة.

ولهذا السبب استثمرت الصين بشكل مكثف في تطوير نظام المدفوعات العابرة للحدود بين البنوك ، كبديل مباشر لنظام SWIFT الذي يمثل أحد أهم أدوات النفوذ المالي الأمريكي عالمياً.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فبكين تتحرك أيضا في اتجاه أكثر تطوراً، عبر بناء منصات مالية تعتمد على تقنية Blockchain، وهي منظومات لا مركزية تسمح بتنفيذ المعاملات المالية دون الحاجة إلى وسيط تقليدي مثل البنوك المركزية أو المؤسسات الحكومية، بما يعني إنشاء شبكة اقتصادية كاملة خارج المنظومة الأمريكية التقليدية.

هذه الأدوات الجديدة هي نفسها التي ساعدت روسيا سابقاً على إمتصاص جزء كبير من آثار العقوبات الغربية بعد الحرب الأوكرانية ، وهي ذاتها الآليات التي تحاول إيران الاستفادة منها حاليا في ظل شراكتها المتنامية مع الصين.

ما يحدث الآن ليس مجرد منافسة اقتصادية بين قوتين عظميين ، بل صراع تاريخي على قيادة النظام المالي العالمي. الصين لا تسعى فقط إلى زيادة نفوذها التجاري ، بل تعمل على تفكيك واحدة من أهم ركائز القوة الأمريكية : الهيمنة المطلقة للدولار.

العالم يدخل تدريجياً مرحلة إعادة تشكيل موازين القوة الدولية، حيث لم تعد الجيوش وحدها هي التي تحسم الصراعات ، بل أصبحت الأنظمة المالية، وشبكات المدفوعات، والتكنولوجيا الاقتصادية أدوات أكثر تأثيرا من كثير من الأسلحة التقليدية.

وفي قلب هذه المعركة الكبرى ، تتحرك القوى الكبرى وفقا لقاعدة واحدة لا تتغير في السياسة الدولية : البقاء للأقوى ، والسيادة الحقيقية لا تقاس فقط بالقوة العسكرية ، بل بالقدرة على فرض المصالح ، تحجيم الخصوم ، والتحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي.

ما نراه اليوم ليس سوى فصل واحد من مشهد عالمي أكبر بكثير.. مشهد يعاد فيه توزيع النفوذ بين الكبار، بينما العالم يراقب بداية عصر إقتصادي جديد قد يغير كل القواعد التي عرفناها لعقود طويلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى