إنقلاب سياسي يطيح برجال إيران ويعيد رسم خريطة السلطة في بغداد

بقلم : يوحنا عزمي
ما جرى في العراق خلال الساعات الماضية لا يمكن اعتباره مجرد حملة أمنية عادية أو واقعة فساد تقليدية تنتهي بإلقاء القبض على عدد من المسؤولين، بل نحن أمام زلزال سياسي حقيقي ضرب قلب السلطة العراقية، وهز واحدة من أكثر المنظومات السياسية نفوذا وتعقيدا في المنطقة، في مشهد يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول ما إذا كانت بغداد قد بدأت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها كسر النفوذ الإيراني وإعادة رسم موازين القوى الداخلية بالكامل.
القصة بدأت قبل نحو أسبوعين تقريبا، وتحديدا مع قيام القوات الأمنية العراقية بإلقاء القبض على عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط العراقية لشؤون التصفية ومدير عام مصافي الشمال، في واقعة بدت للوهلة الأولى مجرد قضية فساد مالي جديدة داخل مؤسسات الدولة، لكن ما تم اكتشافه بعد عملية القبض عليه كشف عن واحدة من أخطر شبكات الفساد وغسيل الأموال التي عرفها العراق خلال السنوات الأخيرة. السلطات العراقية عثرت داخل مزرعة خاصة يمتلكها الرجل شرق الفلوجة على مخبأ سري يحتوي على أكثر من مائة مليار دينار عراقي نقدا، أي ما يعادل قرابة خمسة وسبعين مليون دولار أمريكي، وهو ما حول القضية من مجرد فساد إداري إلى ملف سياسي وأمني بالغ التعقيد.
الجميلي، وبعد سقوطه، لم يقرر السقوط منفردا، بل فتح أبوابا ظلت مغلقة لسنوات طويلة، وكشف خلال التحقيقات عن شبكة ضخمة تضم شخصيات سياسية نافذة، ونوابا حاليين وسابقين، ورجال أعمال، بالإضافة إلى اتهامات بتمويل حملات انتخابية، ودفع رشاوى لمسؤولين كبار، وإدارة منظومة غسيل أموال ضخمة كانت تستخدم في تمويل فصائل مسلحة وشخصيات سياسية مرتبطة بمراكز نفوذ شديدة الحساسية داخل العراق.
هذه الاعترافات كانت كافية لتحريك المشهد بالكامل، حيث أعطى رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي الضوء الأخضر للتحرك، ليشهد العراق بعدها واحدة من أكثر العمليات الأمنية حساسية في تاريخه الحديث. قوات جهاز مكافحة الإرهاب العراقية مدعومة بوحدات العمليات الخاصة ومركبات عسكرية ثقيلة اقتحمت المنطقة الخضراء شديدة التحصين في بغداد ، أغلقت المداخل والمخارج بالكامل، وبدأت عمليات مداهمة واسعة استهدفت قصورا ومجمعات سكنية ومقار لشخصيات سياسية بارزة، في حملة طالت ما يقرب من خمسين شخصية بين نواب ومسؤولين ورجال أعمال كانوا يمثلون جزءاً أساسياً من بنية السلطة العراقية.
لكن القراءة الحقيقية لا تكمن في الخبر نفسه، بل فيما يحدث خلف الستار، لأن هذه العملية لا تبدو مجرد حملة ضد الفساد، بل تبدو كعملية سياسية محسوبة بعناية شديدة لضرب العمود الفقري للمحور الإيراني داخل العراق في توقيت إقليمي بالغ الحساسية يتزامن مع التصعيد العسكري المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران.
الأسماء التي ظهرت في حملة الاعتقالات لم تكن أسماء عادية، بل شخصيات تعتبر من أهم الركائز السياسية والمالية التي اعتمد عليها النفوذ الإيراني داخل بغداد لسنوات طويلة. على رأس هذه الأسماء يبرز مثنى السامرائي ، رئيس تحالف العزم، والذي رغم ظهوره كزعيم سياسي سني، إلا أن كواليس السياسة العراقية كانت تعتبره الحليف السني الأقرب لما يعرف بالإطار التنسيقي، وهو التحالف السياسي الذي يضم غالبية القوى والفصائل الشيعية الموالية لطهران. إيران كانت ترى في السامرائي ورقة استراتيجية تضمن لها إمتداد نفوذها داخل المعادلة السنية العراقية، وبالتالي فإن الإطاحة به تعني فعليا قطع أحد أهم الأذرع السياسية الإيرانية داخل البرلمان العراقي.
الأمر ذاته ينطبق على شخصيات أخرى مثل عالية نصيف وبهاء الدين النوري، وهما من أبرز الوجوه المرتبطة بائتلاف دولة القانون الذي يقوده نوري المالكي، وهو الائتلاف الذي يمثل العمود السياسي الأهم للإطار التنسيقي ، ويعتبر أحد أكبر الداعمين للفصائل المسلحة الموالية لإيران. عالية نصيف تحديدا كانت تلعب دورا بالغ الحساسية من خلال تحريك ملفات قضائية واستخدام أدوات قانونية لصالح هذا المحور في مواجهة خصومه السياسيين. كذلك جاء اسم محمد الصيهود، المعروف بانتمائه الكامل للخط السياسي المرتبط بالمحور الإيراني، ليؤكد أن ما يحدث ليس مجرد ملاحقات قانونية، بل استهداف مباشر للبنية السياسية التي صنعتها طهران داخل العراق.
لكن الشخصية الأكثر إثارة للاهتمام في هذه المعادلة تبقى رئيس الوزراء علي الزيدي، الرجل الذي يبدو أنه قرر تنفيذ أخطر مناورة سياسية في العراق منذ سنوات طويلة. الزيدي من خلال هذه العملية حقق في لحظة واحدة ثلاث مكاسب استراتيجية ضخمة جعلته فجأة اللاعب الأقوى داخل المشهد العراقي.
أولاً، نجح في تأمين موقعه السياسي، لأن الشخصيات التي تمت الإطاحة بها ليست مجرد نواب أو مسؤولين عاديين ، بل مراكز قوة حقيقية كانت تملك القدرة على إسقاط الحكومات وصناعة التحالفات والتحكم في مستقبل أي رئيس وزراء. يبدو أن الزيدي أدرك مبكرا أن هذه القوى بدأت تزداد نفوذاً بشكل قد يهدد استمراره، فاختار توجيه ضربة استباقية تمنعهم من الانقلاب عليه مستقبلا.
ثانياً، تمكن من ضرب البنية المالية للفصائل المسلحة. القبض على عدنان الجميلي وتجفيف قنوات غسيل الأموال المرتبطة بوزارة النفط يعني ببساطة قطع التمويل الذي كانت تعتمد عليه جماعات مسلحة نافذة داخل العراق. المال بالنسبة لهذه الفصائل ليس مجرد مصدر دخل ، بل هو العمود الذي يقوم عليه النفوذ العسكري والسياسي، وبالتالي فإن السيطرة على هذا الملف تمنح الزيدي سلطة مالية غير مسبوقة داخل الدولة.
ثالثاً، وربما الأهم، أنه كسب الشارع العراقي الغاضب منذ سنوات من الفساد وسيطرة المليشيات. العراقيون الذين عاشوا طويلا تحت سطوة شبكات النفوذ يرون الآن رئيس وزراء يظهر بمظهر الرجل الذي قرر أخيراً إستعادة هيبة الدولة، وهو ما يمنحه رصيداً شعبياً هائلاً قد يفتح له الطريق للسيطرة على أي استحقاقات انتخابية قادمة.
لكن ما يبدو أكثر أهمية أن الرجل لا يتحرك فقط ضد الفساد ، بل يبدو أنه يخطط لإعادة صياغة الدولة العراقية بالكامل. هناك مؤشرات قوية على أن الزيدي يسعى لإنهاء مرحلة العراق باعتباره ساحة نفوذ إيرانية مفتوحة، ويريد إعادة تقديم بغداد كلاعب مستقل قادر على بناء علاقات جديدة بعيدا عن الهيمنة الإيرانية التي حولت البلاد لسنوات إلى ساحة صراع إقليمي دائم.
وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين ما يحدث داخل العراق وبين الصراع الأمريكي الإيراني. فبينما كانت واشنطن توجه ضربات عسكرية ضد أهداف إيرانية، كانت بغداد تشهد في الوقت نفسه هذه الحملة غير المسبوقة ضد شخصيات محسوبة بالكامل على المحور الإيراني، وهو ما يرسل رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة ودول الخليج بأن هناك قيادة عراقية جديدة مستعدة للقيام بالمهمة التي طالما أرادها الغرب، وهي تقليص نفوذ طهران داخل العراق دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر.
الزيدي، وفقا لهذه القراءة، لا يبدو رجلا منحازاً عقائدياً لأي طرف، بل سياسي براغماتي من الطراز الرفيع ، يدرك جيدا أن البقاء في السلطة داخل العراق يحتاج إلى توازنات دقيقة. لكنه في هذه اللحظة اختار بوضوح الميل نحو المحور الأمريكي العربي، ليس بدافع الولاء، بل لأنه يرى أن هذا الطريق هو الأقرب لبناء دولة قوية وإنهاء حالة الفوضى التي فرضتها المليشيات طوال السنوات الماضية.
ما فعله الرجل يشبه انقلاباً سياسياً أبيض نفذه بدقة شديدة، مستغلاً انشغال إيران بأزماتها العسكرية الخارجية، لينقض على حلفائها في الداخل ويعيد ترتيب المشهد العراقي بالكامل.
علي الزيدي الآن يلعب أخطر أدواره السياسية. هو يتحرك كجراح قرر استئصال أورام الفساد والمليشيات في لحظة إقليمية استثنائية ، ويراهن على أن إيران أصبحت أضعف من الرد، وأن الولايات المتحدة ستمنحه الغطاء الدولي، وأن الشارع العراقي سيمنحه الشرعية الشعبية.
لكن السؤال الذي سيحدد مستقبل العراق في المرحلة المقبلة هو ما إذا كان الزيدي قادراً على الإستمرار في هذه المواجهة حتى النهاية، وهل سيتمكن لاحقاً من التحرر من النفوذ الأمريكي كما يحاول الآن التحرر من النفوذ الإيراني، أم أنه سيكون قد استبدل وصاية بأخرى.
الأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كان العراق يقف بالفعل أمام لحظة تاريخية تؤسس لدولة جديدة ، أم أننا نشاهد فقط فصلاً جديداً من لعبة الأمم التي لم تتوقف يوما فوق أرض الرافدين.



