مقالات

ترامب يقرع طبول الحرب .. هل تدخل المنطقة أخطر مواجهة مع إيران منذ عقود؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

إذا صحت المؤشرات التي برزت خلال الساعات الأخيرة ، فإن المنطقة تبدو وكأنها تقف على أعتاب مرحلة جديدة من التصعيد، قد تكون أكثر خطورة من كل ما شهدته منذ اندلاع الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران. فالتصريحات المنسوبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، والتي حملت لهجة شديدة تجاه طهران ، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد رسائل سياسية أو أدوات ضغط تفاوضي ، وإنما تعكس – إذا ما اقترنت بخطوات عملية – تحولًا جوهرياً في طريقة إدارة واشنطن للملف الإيراني، وانتقالًا من سياسة الاحتواء المشروط إلي سياسة فرض الوقائع بالقوة.

فإذا كان ترامب قد أنهى بالفعل العمل بأي تفاهمات أو ترتيبات سابقة، وأعاد الحديث عن تشديد العقوبات النفطية، ووجه انتقادات غير مسبوقة للقيادة الإيرانية ، متهماً إياها بعدم المصداقية واستحالة الوثوق بها، فإن ذلك يعني أن الجسور التي كانت تسمح بعودة المفاوضات أصبحت أضعف من أي وقت مضى، وأن المنطقة قد تكون أمام انهيار كامل لمسار كان يُنظر إليه باعتباره الفرصة الأخيرة لتجنب مواجهة عسكرية واسعة.

واللافت أن خطاب ترامب لم يقتصر على انتقاد السلوك الإيراني الحالي ، بل امتد إلى جذور الأزمة نفسها، حين اعتبر أن ما كان ينبغي على الولايات المتحدة القيام به تجاه إيران كان يجب أن يبدأ منذ قيام الثورة الإسلامية قبل ما يقرب من خمسة عقود. وهذه ليست مجرد عبارة عابرة ، وإنما تحمل دلالة سياسية عميقة، لأنها توحي بأن المشكلة – من وجهة نظره – ليست مرتبطة بملف نووي أو أزمة ملاحة أو برنامج صاروخي فحسب ، وإنما بطبيعة النظام الإيراني ذاته. وعندما يصل الخطاب السياسي إلى هذه المرحلة ، فإن فرص التسوية تصبح أكثر تعقيداً ، لأن الخلاف يتحول من خلاف حول السياسات إلى خلاف حول هوية الطرف الآخر ومستقبله.

وإذا أخذنا هذه المعطيات مجتمعة، فإننا أمام مشهد يختلف تمامًا عما كان قائماً قبل أسابيع قليلة. فالمفاوضات التي كان يُعوَّل عليها للوصول إلى اتفاق شامل بشأن البرنامج النووي الإيراني، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإعادة ترتيب العلاقة بين البلدين، تبدو مهددة بالانهيار، ليحل محلها منطق الردع العسكري والاستعداد لمواجهة قد تمتد آثارها إلى كامل الإقليم.

وفي تقديري، فإن أخطر ما في المشهد ليس التصريحات نفسها، وإنما ما يجري بالتوازي معها من تحركات عسكرية وسياسية متسارعة. فإلغاء مسؤول أمريكي رفيع زيارة كانت مقررة إلى إسرائيل بسبب تطورات الملف الإيراني، إلى جانب الحديث عن رفع درجة جاهزية القوات الأمريكية، يبعث برسائل تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية، ويشير إلى أن المؤسسات العسكرية بدأت بالفعل التعامل مع احتمال المواجهة باعتباره سيناريو قائمًا، وليس مجرد احتمال نظري.

ومن هنا، يصبح دخول إسرائيل على خط أي مواجهة جديدة احتمالًا يصعب استبعاده، سواء من خلال عمليات مشتركة مع الولايات المتحدة، أو عبر تحرك عسكري إسرائيلي يحظى بدعم أمريكي كامل سياسياً واستخباراتياً وعسكرياً. فالتحالف بين واشنطن وتل أبيب في الملف الإيراني لم يعد محل نقاش، وإنما يبقى الخلاف فقط حول توقيت التحرك، وحجمه، وأهدافه العسكرية، وطريقة إدارته.

كما أن التطورات الأمنية الأخيرة في الخليج، وما صاحبها من توترات واتهامات متبادلة ، أوجدت بيئة إقليمية تمنح واشنطن مساحة أكبر لتبرير أي تصعيد محتمل باعتباره دفاعاً عن أمن الممرات البحرية واستقرار المنطقة وحماية الحلفاء. وعندما تتلاقى المخاوف الخليجية مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، فإن احتمالات اللجوء إلى القوة تصبح أكثر حضوراً ، خصوصاً إذا تعثر المسار السياسي بالكامل.

ومن زاوية أخرى، فإن الموقف الأوروبي يبدو أكثر تشددًا مقارنة بمراحل سابقة، وهو تحول يستحق التوقف أمامه. فالدعوات التي كانت تركز على خفض التصعيد وإحياء المفاوضات لم تعد بنفس الزخم الذي عرفته السنوات الماضية، بينما تتزايد الأصوات التي ترى أن الضغط الأقصى على إيران قد يكون الطريق الوحيد لإجبارها على تقديم تنازلات استراتيجية. وإذا استمر هذا التحول داخل العواصم الغربية، فإنه سيمنح أي تحرك أمريكي غطاءً سياسيًا أوسع مما كان متاحاً في أزمات سابقة.

أما روسيا والصين ، فرغم أنهما ترفضان مبدئيًا أي تصعيد عسكري في المنطقة، فإن تجربتهما خلال السنوات الأخيرة توحي بأنهما تفضلان إدارة الأزمة من بعيد، عبر المواقف الدبلوماسية والدعوات إلى الحوار ، دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعاً عن إيران. وهذا يعني أن طهران قد تجد نفسها، إذا اندلعت المواجهة ، مضطرة للاعتماد بدرجة كبيرة على قدراتها الذاتية، مع دعم سياسي واقتصادي من حلفائها، لكنه قد لا يرتقي إلى مستوى التدخل العسكري المباشر.

في النهاية، لا يمكن الجزم بأن الحرب أصبحت حتمية، لكن المؤشرات الحالية تستدعي قدرًا كبيرًا من الحذر. فاللغة السياسية التي تُستخدم اليوم، وحجم التحركات العسكرية، وطبيعة الاصطفافات الإقليمية والدولية، كلها توحي بأن المنطقة تدخل مرحلة تختلف عن كل ما سبقها. وإذا أخطأ أي طرف في تقدير نوايا الطرف الآخر ، أو تعامل مع التهديدات باعتبارها مجرد أوراق ضغط إعلامية ، فقد يجد نفسه أمام واقع جديد تُفرض فيه الوقائع بالقوة ، وليس عبر طاولة المفاوضات.

ويبقى أخطر ما في المشهد أن أي مواجهة جديدة، إذا اندلعت ، لن تتوقف عند حدود إيران أو الولايات المتحدة أو إسرائيل ، بل ستمتد آثارها إلى أسواق الطاقة العالمية ، وحركة التجارة الدولية ، وأمن الخليج ، وربما إلى النظام الدولي بأسره. ولذلك فإن الأيام المقبلة قد تكون من أكثر الفترات حساسية في تاريخ المنطقة ، وهي فترة تستوجب قراءة دقيقة لكل تصريح ، ومراقبة كل تحرك، لأن الفارق بين الحرب والسلام قد يصبح قراراً يُتخذ في لحظات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى