مقالات

هل تستعد أمريكا لمواجهة روسيا والصين أم تمنع حرباً عالمية ثالثة؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

من أخطر التطورات التي تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا، ليس لأنها تعني بالضرورة أن العالم ذاهب غدًا إلى حرب نووية، وإنما لأنها تكشف عن تغير عميق في طريقة تفكير الولايات المتحدة تجاه السلاح النووي ومستقبل الصراع مع القوى الكبرى ، هو الحديث المتزايد داخل دوائر الأمن والدفاع الأمريكية عن إعادة صياغة استراتيجية الردع النووي لمواجهة واقع جديد أصبحت فيه واشنطن مضطرة إلى التفكير في خصمين نوويين من الوزن الثقيل في الوقت نفسه : روسيا والصين.

وهنا يجب أن نكون دقيقين جداً في قراءة المشهد، لأن مجرد إعداد استراتيجية نووية جديدة أو تطوير قدرات نووية أكثر مرونة لا يعني أن الولايات المتحدة تستعد لإطلاق حرب نووية، وإنما يعني أن البنتاجون يتعامل مع احتمال أن تصبح البيئة الاستراتيجية خلال السنوات المقبلة أكثر تعقيدًا وخطورة، وأن قواعد اللعبة التي حكمت الردع النووي طوال عقود لم تعد كافية بالضرورة لضمان أن الرسائل الأمريكية ستظل مفهومة ومقنعة لدى الخصوم.

المشكلة الحقيقية ليست في عدد الصواريخ أو الرؤوس النووية فقط، وإنما في سؤال أكثر خطورة: هل يصدق الخصم أن الولايات المتحدة مستعدة فعلًا للرد إذا استخدم سلاحاً نووياً محدوداً أو لجأ إلى تصعيد محسوب داخل أزمة إقليمية؟

وهنا نصل إلى جوهر المسألة كلها ، وهو مفهوم الردع.

الردع في العلاقات الدولية لا يعني ببساطة أن تمتلك سلاحاً أقوى من خصمك ، وإنما يعني أن تقنعه بأن تكلفة القيام بفعل معين ستكون أكبر بكثير من المكاسب التي يمكن أن يحصل عليها منه. ولذلك فإن امتلاك السلاح النووي وحده لا يكفي. يجب أن تكون هناك قدرة حقيقية، وإرادة سياسية مفهومة، وخيارات متعددة للرد، ورسالة تصل إلى الخصم بطريقة تجعله يعيد حساباته قبل أن يقرر التصعيد.

وهذا تحديداً هو سبب أهمية الحديث عن جعل الردع الأمريكي أكثر مرونة وواقعية وقابلية للاستخدام في مستويات مختلفة من الصراع.

فلو افترضنا أن دولة نووية استخدمت سلاحاً تكتيكياً منخفض القوة في نزاع إقليمي ، فهل سترد واشنطن بقصف نووي استراتيجي شامل؟

هنا تظهر المشكلة.

إذا كانت الإجابة الواقعية هي لا، فقد يستنتج الخصم أن السلاح النووي المحدود يمكن استخدامه دون الخوف من رد نووي أمريكي مماثل ، وبالتالي تتحول الفجوة بين القدرة النووية والإرادة السياسية إلى نقطة ضعف في منظومة الردع نفسها.

أما إذا امتلكت الولايات المتحدة خيارات أكثر تنوعاً ، تبدأ من الرد التقليدي شديد القوة ، وتمتد إلى خيارات نووية محدودة ومدروسة، فإن الرسالة التي تريد واشنطن إيصالها تصبح مختلفة تماماً : لا تراهن على أنني سأكون أمام خيارين فقط، إما عدم الرد أو إشعال حرب نووية شاملة.

وهذه النقطة هي الأكثر خطورة في الموضوع كله، لأن زيادة مرونة الردع قد تمنع الحرب من جهة ، لكنها في الوقت نفسه قد تجعل استخدام القوة النووية يبدو أكثر قابلية للتصور من ذي قبل.

وهنا المفارقة الكبرى.

الردع النووي نجح تاريخياً إلى حد كبير لأنه جعل تكلفة الحرب بين القوى النووية مرعبة إلى درجة دفعت الجميع إلى ضبط النفس. لكن كلما بدأت الدول في تطوير أسلحة أصغر وأكثر دقة وخيارات تصعيد متعددة، تظهر معضلة جديدة : هل نحن نجعل الحرب أكثر قابلية للسيطرة ، أم أننا نجعل الانتقال إليها أسهل؟

هذه ليست مسألة تقنية ، وإنما مسألة سياسية بالدرجة الأولى.

لأن أخطر شيء في الأزمات النووية ليس بالضرورة أن يكون هناك زعيم يريد تدمير العالم، وإنما أن يعتقد أحد الأطراف أن الطرف الآخر لن يرد، أو أن بإمكانه تنفيذ ضربة محدودة ثم إجبار خصمه على التراجع خوفًا من التصعيد.

وهنا تحديداً يصبح مفهوم “المنطقة الرمادية” بالغ الأهمية.

روسيا والصين والولايات المتحدة لا تتحرك فقط في عالم الحرب الشاملة والسلام الكامل. هناك مساحة ضخمة بين الاثنين، تشمل الحروب بالوكالة، والهجمات السيبرانية، والعمليات المحدودة، والضغط الاقتصادي، والحروب الإقليمية، والدعم العسكري لحلفاء وشركاء، واختبار خطوط الخصم الحمراء دون تجاوزها بصورة مباشرة.

وفي هذه المنطقة تحديداً تتشكل أخطر الحسابات.

لأن الأزمة قد تبدأ في أوكرانيا أو تايوان أو الشرق الأوسط، لكنها لا تظل بالضرورة محصورة في المكان الذي بدأت فيه.

قد تبدأ الأزمة تقليدية، ثم تنتقل إلى مواجهة غير مباشرة، ثم إلى ضربات محدودة ، ثم إلى تهديدات نووية ، وبعدها يصبح السؤال ليس : من يريد الحرب؟

بل: من يستطيع التراجع أولًا؟

وهذه هي المشكلة التي يجب ألا نستهين بها.

روسيا ليست دولة يمكن التعامل معها باعتبارها قوة إقليمية عادية، والصين ليست قوة صاعدة يمكن احتواؤها بسهولة ، والولايات المتحدة ليست مستعدة ببساطة للتنازل عن موقعها في النظام الدولي. نحن أمام ثلاث قوى كبرى، لكل منها قدرات عسكرية واقتصادية ونووية ضخمة، ولكل منها مصالح تعتبرها جزءًا من أمنها القومي.

ولهذا فإن أي استراتيجية أمريكية جديدة للردع النووي يجب أن تُقرأ باعتبارها جزءًا من إعادة ترتيب أوسع لمعادلة القوة العالمية.

فالصين توسع قدراتها النووية، وروسيا تحتفظ بترسانة ضخمة وتطور أنظمة استراتيجية جديدة، بينما تحاول الولايات المتحدة تحديث أرجل الثالوث النووي الأمريكي في بيئة أصبحت فيها المنافسة بين القوى الكبرى أكثر حدة. وقد حذر مسؤولون أمريكيون بالفعل من أن واشنطن تواجه للمرة الأولى تقريباً تحدياً يتمثل في ردع قوتين نوويتين كبيرتين في آن واحد.

وفي المقابل، فإن بكين تقول إن سياستها النووية دفاعية وإنها تلتزم بمبدأ عدم البدء باستخدام السلاح النووي، وهو ما يعكس اختلافاً جوهرياً بين الرسالة الصينية الرسمية وبين القراءة الأمريكية لتوسع القدرات النووية الصينية.

وهنا يصبح علينا أن نفهم أن المشكلة ليست فقط في نوايا الدول، وإنما في كيفية تفسير كل دولة لنوايا الأخرى.

وهذا هو جوهر معضلة الأمن الدولي.

قد تعتبر واشنطن أن تطوير قدراتها النووية هدفه منع موسكو وبكين من المغامرة، بينما قد تنظر موسكو وبكين إلى الخطوة نفسها باعتبارها استعدادًا أمريكيًا لصراع مستقبلي، فتردان بمزيد من التسليح، ثم تنظر واشنطن إلى هذا الرد باعتباره دليلًا جديداً على صحة مخاوفها.

وهكذا ندخل في دائرة كلاسيكية في العلاقات الدولية تسمى معضلة الأمن: كل طرف يزيد قدرته العسكرية لأنه يشعر بعدم الأمان، لكن زيادة قدرته تجعل الطرف الآخر يشعر بعدم الأمان أكثر، فيزيد تسليحه بدوره.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

فالولايات المتحدة قد تكون مقتنعة بأنها تطور الردع لمنع الحرب، وروسيا قد تكون مقتنعة بأنها تطور قدراتها لمنع الولايات المتحدة وحلفائها من تهديد أمنها، والصين قد ترى أن بناء قوة نووية أكثر قدرة هو الضمان الحقيقي لمنع واشنطن من ممارسة ضغط استراتيجي عليها.

الجميع يقول إنه يستعد للسلام، لكن الجميع يستعد في الوقت نفسه لأسوأ سيناريو محتمل.

والتاريخ يعلمنا أن المشكلة لا تبدأ عندما يريد الجميع الحرب، وإنما عندما يفشل الجميع في إدارة الخوف.

لذلك لا أعتقد أن الحديث عن هذه الاستراتيجية يعني أننا أمام حرب عالمية ثالثة وشيكة، ولا أرى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن تستيقظ شعوب العالم يومًا لتجد الصواريخ النووية الأمريكية والروسية والصينية في طريقها إلى بعضها البعض.

هذا السيناريو ما زال شديد الخطورة وغير مرجح ، لأن القيادات في الدول الثلاث تعرف جيداً أن الحرب النووية ليست حربًا يمكن فيها تحقيق نصر تقليدي، وأن تكلفة الخروج عن السيطرة ستكون كارثية على الجميع.

لكن الخطورة الحقيقية تكمن في شيء آخر : تراكم الأزمات.

أوكرانيا، والشرق الأوسط، وإيران، وتايوان، وبحر الصين، والصراع على النفوذ العالمي ، كلها ملفات يمكن أن تصبح ساحات لاختبار إرادة القوى الكبرى لبعضها البعض.

وفي مثل هذه الأزمات ، لن يكون السؤال فقط : ماذا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل؟

السؤال الأهم سيكون: ماذا تعتقد روسيا أو الصين أن الولايات المتحدة ستفعله؟

وبالمثل ، ماذا تعتقد واشنطن أن موسكو وبكين ستفعلان؟

هنا تحديداً يبدأ اللعب بالنار.

إذا كان هناك قدر كافٍ من المرونة السياسية، ومساحات للتفاوض، وقنوات اتصال مفتوحة، وقواعد غير معلنة لضبط التصعيد، فإن امتلاك قوة ردع ضخمة قد يكون عاملًا للاستقرار.

أما إذا غابت المرونة، وتحولت الأزمات إلى اختبار للكرامة الوطنية، واعتبر كل تراجع هزيمة استراتيجية ، فالأمر يصبح مختلفاً تماماً.

لأن القوى الكبرى لا تستسلم بسهولة، ولا تستطيع ببساطة أن تظهر أمام شعوبها وكأنها تراجعت تحت الضغط.

وهنا يمكن أن تلعب الدول الأصغر أو القوى الإقليمية دوراً بالغ الخطورة، ليس لأنها تمتلك قوة الدول الثلاث، وإنما لأنها قد تتحرك داخل المساحات التي تتركها المنافسة بين الكبار، وتدفع أحدهم إلى اختبار الآخر، أو تراهن على أن حليفها لن يسمح بسقوطها.

وهذا ما يجعل ملفات مثل أوكرانيا وإيران وتايوان وغيرها أكثر أهمية مما تبدو عليه في ظاهرها.

فالمسألة في النهاية ليست مجرد صواريخ نووية.

المسألة هي شكل النظام الدولي الذي يتكون أمام أعيننا.

نحن نعيش مرحلة تتراجع فيها منظومة قديمة للحد من الأسلحة، وفي الوقت نفسه تتصاعد فيها المنافسة بين القوى النووية. وانتهاء معاهدة New START في فبراير 2026 ترك الولايات المتحدة وروسيا، لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، من دون إطار متفق عليه يضع حدوداً استراتيجية مشتركة على الأسلحة النووية.

وهذا وحده كافٍ لفهم لماذا أصبح موضوع الردع النووي حاضراً بقوة في الحسابات الأمريكية.

لذلك، لا يجب أن نقرأ هذه التطورات باعتبارها إعلاناً عن حرب نووية قادمة، وإنما باعتبارها إنذاراً بأن العالم يدخل مرحلة أكثر تعقيداً من مرحلة الحرب الباردة نفسها.

في الحرب الباردة كان هناك خصمان رئيسيان وقواعد اشتباك مفهومة نسبياً، أما اليوم فنحن أمام نظام أكثر تشابكاً، وثلاث قوى كبرى نووية، وأزمات إقليمية متعددة، وحروب سيبرانية، وفضاء أصبح ساحة للصراع ، وأساليب جديدة للحرب يمكن أن تبدأ دون إعلان رسمي.

ولهذا فإن أخطر شيء يمكن أن يحدث ليس أن تقرر واشنطن أو موسكو أو بكين إشعال حرب عالمية، وإنما أن يخطئ أحدهم في تقدير حدود الآخر.

وفي عالم تمتلك فيه ثلاث قوى كبرى ترسانات نووية هائلة، فإن سوء التقدير قد يكون أخطر من سوء النية.

لهذا، فإن الرسالة الأهم من كل ما يحدث ليست أن “الحرب النووية قادمة”، فهذا استنتاج متسرع وغير دقيق، وإنما أن قواعد الردع نفسها تحول عميق، وأن مستقبل الأمن العالمي سيتوقف على قدرة هذه القوى الثلاث على تحقيق توازن بالغ الحساسية بين القوة والمرونة، وبين الردع وضبط النفس.

فالردع القوي قد يمنع الحرب، لكن الردع الذي لا تصاحبه قنوات اتصال وحسابات سياسية دقيقة قد يتحول من أداة لمنع الكارثة إلى جزء من الطريق إليها.

وهنا بالضبط يجب أن نراقب المرحلة القادمة، لأن السؤال الحقيقي لم يعد : من يمتلك السلاح النووي الأقوى؟

بل أصبح : من يستطيع أن يمتلك القوة الهائلة، وفي اللحظة نفسها يمتلك الحكمة الكافية حتى لا يستخدمها؟

وهذا، في رأيي ، هو الاختبار الأخطر الذي ينتظر الولايات المتحدة وروسيا والصين خلال السنوات القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى