ابداعات

سيدار

 

شريف جلال القصاص

 

هناك مدن تبني أسوارها خوفًا من أعدائها… وأخرى بنت سورها خوفًا من نفسها، لم تكن تخشى الشر فقط، بل كانت تخشى الخير حين يختار، وحين أُعيد بناؤها بعد سنوات الخراب، لم يكن أول ما ارتفع فيها البيوت، بل جدار رمادي هائل امتد بينها وبين نصفها الآخر، لا كأنه يفصل بين مدينتين فقط، بل بين فكرتين عن الإنسان.

ولم يعرف أحد قط… أي المدينتين أنقذت الإنسان، وأيهما حرمته شيئًا لا يُعوّض، كان اسم إحداهما… سيدار.

 

 

“متأكد أنك ستنزل هنا؟”

رفع آدم رأسه. كان سائق الشاحنة ينظر إليه عبر المرآة، وكأنه ينتظر أن يتراجع، قال آدم: “نعم.”

نفخ السائق من أنفه وهز رأسه، “عجيب… الناس تدفع لتبتعد عن سيدار، وأنت تنزل فيها بإرادتك.”

لم يرد آدم، أضاف السائق وهو يعيد نظره إلى الطريق:

“على كل حال… أتمنى ألا تكتشف متأخرًا لماذا يهرب منها الآخرون.”

 

 

حمل آدم حقيبته، ونزل أمام البوابة، لم تكن هناك أبراج مراقبة ولا حراس مسلحون، فقط رجل مسن يجلس خلف نافذة ضيقة، يفحص أوراق الداخلين، ناول آدم هويته، تأملها الرجل لحظات، ثم ختمها وأعادها إليه، قال بصوت خافت، كأنه يكرر جملة قالها آلاف المرات:

“لا يرحبون بأحد هنا عادة… فقط احرص ألا تضطرهم لتذكيرك بالقانون.” ثم ازيز متقطع، انفتح الباب، ودخل آدم.

 

 

أول ما لاحظه أن البيوت لا تنظر إلى الشارع، واجهات مصمتة، جدران مرتفعة، أبواب تفتح إلى الداخل نحو أفنية مغلقة، لا شرفات ولا نوافذ، كأن المدينة قررت أن ترى نفسها فقط، في الساحة الرئيسية كانت ألواح حجرية متناثرة بين المارة، اقترب آدم وقرأ:

“العدل لا يعرف الوجوه، والرحمة المنتقاة ظلم.”

وعلى أخرى: “لا تتدخل فيما لم يُطلب منك.”

ثم توقف أمام لوحة أصغر. “لا تصدق دعاية إيكان.”

مر طفل ممسكًا بيد أمه، قرأ العبارة، ثم سأل:

“أمي… هل إيكان مكان سيئ؟”

توقفت المرأة لحظة، وألقت نظرة سريعة حولها، ثم انحنت قليلًا نحوه، “اخفض صوتك.”

نظر إليها الطفل بحيرة، “لكن لماذا؟”

شدت على يده برفق، ” كُن ولد مؤدب ولا تجادلني”

ثم قالت وهي تهمس لنفسها دون أن تدري ارتفاع صوتها قليلا، بعض الأسئلة تفتح ابوبًا… ولا أحد يعرف ما وراءها.”

 

 

ابتعدا وظل آدم يتابعهما بعينيه، لم يكن في صوت المرأة خوف، بل يقين، وذلك كان أكثر غرابة، في اليوم التالي خرج يبحث عن عمل، لم يرد أن يحكم على مدينة من أول ساعات، كان يريد أن يفهمها، دخل أكثر من متجر، وكانت الإجابة واحدة، “لا يوجد احتياج حالي.”

لم يقلها أحد بقسوة، ولم يحاول أحد مساعدته، كانت الأبواب تغلق بهدوء فقط.

 

 

عند الظهر صعد إلى حافلة مزدحمة، كانت امرأة مسنة تقف ممسكة بعصاها، بينما المقاعد ممتلئة، نظر آدم حوله منتظرًا، لم يتحرك أحد، لم ير قسوة في الوجوه، لكنه لم يرى تعاطفًا، فقط هدوءًا باردًا، كأن الجميع اتخذ القرار نفسه منذ زمن طويل، بعد محطتين نزل بعض الركاب، جلست المرأة، ظل آدم يفكر:

هل هذا عدل لا يعرف الرحمة، أم قسوة اختبأت خلف النظام؟

 

 

نزل عند السوق، كان مختلفًا عن كل الأسواق التي عرفها،

لا صياح، لا مساومات، لا أحد ينادي على بضاعته، كل شيء يحمل سعره ووصفه، سأل أحد الباعة عن سلعة لم يعرفها،

لم يرفع الرجل رأسه إلا قليلًا، ثم أشار بإصبعه إلى لوحة صغيرة، “كل شيء مكتوب هناك.”

 

انتظر آدم كلمة أخرى، لكن البائع عاد إلى ترتيب بضاعته، كأن الحديث انتهى، قبل أن يغادر السوق، دخل مخبزًا صغيرًا واشترى شطيرة، وبينما كان يستعد للمغادرة، دخل طفل ووضع بعض العملات على الطاولة، جمع الخباز النقود بيده، عدها مرة، ثم أعادها إلى الطفل، “ناقصة.”

نظر الطفل إلى النقود، وقال بصوت يكاد لا يسمع:

“ينقصها قليل فقط.”

هز الخباز رأسه. “ما زالت ناقصة.”

 

 

خفض الطفل رأسه، وجمع نقوده في صمت، نظر آدم إلى العملات، لم يكن ينقصها سوى مبلغ زهيد، أخرج قطعة نقدية، وهمّ أن يضعها على الطاولة، لكن يدًا أمسكت بمعصمه، التفت، كان شابًا يحمل حقيبة جلدية، قال دون أن ينظر إليه: “لا تفعل .”

عقد آدم حاجبيه: “إنه ينقصه مبلغ بسيط.”

أجابه الشاب بهدوء: “أعرف.”

“إذن لماذا تمنعني؟ ثم ماشأنك انت؟”

رفع الشاب عينيه إليه لأول مرة، “لأنني لا أريد أن تبدأ يومك الأول هنا بالطريقة الخطأ.”

وفي اللحظة نفسها، توقفت سيارة رمادية أمام المخبز…

 

وفي اللحظة نفسها، توقفت سيارة رمادية أمام المخبز، نزل منها رجلان بملابس رسمية، تقدم أحدهما بخطوات هادئة، ثم قال وهو ينظر إلى قطعة النقود التي ما زالت في يد آدم: “أشكرك… لأنك توقفت قبل أن تضعها.”

نظر آدم إلى الشاب، ثم إلى الرجل: “أي مخالفة؟ لم أفعل شيئًا.”

قال الرجل:”كدت أن تفعل.”

عقد آدم حاجبيه. “كل ما أردته أن أكمل له ثمن الشطيرة.”

أجاب الرجل بنبرة هادئة، خالية من التوبيخ:

“ولو فعلت، لكنت قد اتخذت قرارًا لا يحق لك اتخاذه.”

“أي قرار؟”

“أن تقرر من يستحق مساعدتك.”

قال آدم مستنكرًا:

“وهل أصبح دفع فرق بسيط لطفل جائع جريمة؟”

هز الرجل رأسه:

“القانون لا ينظر إلى قيمة المبلغ… بل إلى حق الاختيار.”

ظل آدم صامتًا.

فتابع الرجل:

“تخيل أن أمامك عشرة أطفال، ولا تملك إلا ما يكفي لواحد.”

قال آدم بعد تردد: “لا أعرف.”

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة:

“أي اختيار ستتخذه… سيعني أن التسعة الآخرين كانوا أقل استحقاقًا في نظرك.”

قال آدم: “لكنني لم أقل ذلك.”

“ولست بحاجة إلى قوله… يكفي أن تتصرف على أساسه.”

ساد صمت قصير، ثم أضاف الرجل:

“حين لا يكفي الخير للجميع، يصبح توزيعه مسؤولية نظام، لا مزاج أفراد.”

 

 

وتابع بعد لحظة:

“ثم… هل فكرت يومًا أن الاعتماد الدائم على عطف الآخرين قد يجعل بعض الناس يتوقفون عن الاعتماد على أنفسهم؟”

كانت كلماته تقال بهدوء شديد، حتى بدت منطقية، وهذا ما جعلها أكثر إرباكًا، أومأ الرجل لزميله، ثم غادرا كما جاءا،

أما الطفل، فأعاد نقوده إلى جيبه، واستدار نحو الباب، لم يلتفت إلى أحد، خرج بخطوات صغيرة، وكأنه اعتاد أن يغادر قبل أن يكتمل أمله، ظل آدم واقفًا مكانه، ثم التفت إلى الشاب: “لا أدري… هل أشكرك أم ألومك؟”

ابتسم الشاب ابتسامة بالكاد ظهرت:

“افعل ما تشاء… لكنني وفرت عليك تقريرًا ومحاكمة لن تغير شيئًا.”

“ومن أنت؟”

تأمله لحظة.

ثم قال:

“إذا أخبرتك الآن… ستسأل أكثر.”

ابتسم آدم لأول مرة: “وربما هذا ما أريده.”

هز الشاب رأسه. “أما أنا فلا”

استدار ليغادر، ثم توقف خطوة أو أقل، 

“اسمي… ثامر.”

“وهل تعيش هنا؟”

لم يلتفت، قال وهو يواصل سيره:

“أحاول فقط أن أفهمها… منذ فترة”

 

 

ظل آدم يتابعه بعينيه، لأول مرة منذ دخوله سيدار، شعر أن هناك شخصًا يعرف عن المدينة أكثر مما يقوله، في المساء عاد إلى غرفته، جلس أمام الجدار الصامت، أدرك أنه لم يأتِ إلى سيدار بحثًا عن مدينة تجيب عن أسئلته، بل عن مدينة تعرف كيف تجعل الأسئلة تتكاثر، وفي الصباح، قرر الرحيل، حمل حقيبته واتجه إلى البوابة.

 

 

كان ثامر واقفًا هناك، كأنه لم يغادر المكان، قال آدم:

“كنت تعلم أنني سأغادر.”

أجاب دون أن ينظر إليه:”نعم.”

“كيف؟ ابتسم ابتسامة خفيفة: 

“الذين يأتون إلى سيدار ليفهموها… يغادرون سريعًا.”

“وأنت؟”

رفع بصره نحو الجدار البعيد: “أنا لم أجد بعد المكان الذي أغادر إليه.”

 

 

ظل آدم ينظر إليه، ثم سأله: “ما الذي تبحث عنه؟”

أجاب بعد صمت: “الشيء نفسه الذي جاء بك إلى هنا، وإن اختلف اسمه.”

وقبل أن يسأله المزيد، دوّى صوت محرك مسرع، التفتا معًا.

 

 

في الجهة الأخرى من الطريق كانت فتاة تعبر، اندفع آدم دون تفكير، لكن يد ثامر أمسكت بذراعه بقوة، صرخ آدم:

“اتركني!”

لم يتركه.

“ستموت!”

ظل ثامر ممسكًا به، وفي اللحظة التالية…

 

 

دوّى الاصطدام، سقطت الفتاة، وتوقفت السيارة، خلال ثوانٍ وصلت دورية الأمن، ثم سيارة الإسعاف، وكأن المدينة كانت تعرف مسبقًا ماذا ستفعل، حاول آدم الإفلات من يد ثامر: “كان يمكنني الوصول إليها!”

تركه أخيرًا، وقف آدم يراقب سيارة الإسعاف وهي تبتعد،

ثم استدار إليه غاضبًا: “لماذا منعتني؟”

ظل ثامر ينظر إلى الطريق، ثم قال بهدوء:

“هل لاحظت شيئًا؟” قطب آدم حاجبيه.

“ماذا؟”

“الإسعاف وصل قبل أن تتمكن من قطع نصف الطريق.”

لم يفهم آدم.

 

ثم قال ثامر:

“لو وصلت إليها…”

توقف.

“…لماتت.”

يتبع

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى