” تركة الدخان “

إسماعيل السيد
كانتْ أُمّي تُروِّضُ وحوشَ الضَّغينةِ
في الموقدِ.
تضعُ السَّمكَ والوشاةَ معًا
على الصَّاجِ
تخيطُ البطونَ
على خواتمِ سليمانَ
كي يخرسَ اللَّغطُ
المعلَّقُ في حلوقِ العقاربِ.
تدسُّ الأرزَّ باللَّحمِ
في عتمةِ الطَّواجنِ
وتتلو على الغرباءِ
دينًا من أرغفةِ المحبَّةِ.
كانتْ تُطعِمُ العالمَ…
تملأُ أفواهَ العابرينَ
ماءً لا يصلُ إلى أرضِها
وتتركُ في زاويةِ روحِها
مائدةً خاويةً.
فوقَ الحلوى
تفرشُ ابتساماتٍ عاجيَّةً
برائحةِ جوزِ الهندِ
فتنهضُ الكسراتُ
كفراشاتٍ صغيرةٍ
ترتقُ شروخَ البيوتِ.
أمّا مائدتُنا..
فكانتْ تفقدُ خيمياءَها
تترنَّحُ بين ملحِ الغيابِ
ومرقٍ ناقصٍ.
ظنَّتْ أنَّها تُربّي لنا الأيّامَ
تهندمُها على قياسِ العمرِ
تخيطُ لها جيوبًا
تخبِّئُ فيها أحلامَنا البسيطةَ.
لم تكنْ تعرفُ
أنَّها تنفخُ روحَها
“في قربة مخرومة”.
كنتُ أقفُ عندَ حافَّةِ الدُّخانِ
طفلٌ يتقلَّصُ..
ويتقلَّصُ
كلَّما اتَّسعتْ هالتُها حولي.
تركتْ رمادَنا يبردُ في الصُّحونِ
وغابتْ…
خَفَتَتْ رائحتُها في الجهاتِ
نسيَ العالمُ نكهاتِها
وفقدنا نحنُ…
حاسَّةَ التَّذوُّقِ.
لم يرثْ أحدٌ أُمّي.
فقطُ انقسمتِ اللَّعنةُ
وتوزَّعَ بينَنا الخواءُ.
ورثتْ أُختي يديها
فانسحبتْ إلى قاعِ القدورِ
تُطعِمُ الحرمانَ
عالقةً..
في رائحةِ الأمسِ.
إخوتي…
حملوا البريقَ
ليسدّوا به هلعَهم
اكتنزوا غنائمَ السيرةِ في صمتٍ
دونَ أن يسألوا:
كم يدًا احترقتْ؟
وكم صباحًا تلاشى كي تلمعَ؟
وأنا…
ورثتُ متاهاتِ رأسِها
ولسانًا…
يعرفُ كيفَ يفتحُ الأبوابَ
ولا يعرفُ كيفَ يُطفئُ شهوةَ اللهبِ.
بدأتُ أحشو مساماتي
بخيباتٍ صغيرةٍ
لقيماتٍ شاحبةٍ
تُربّي في لحمي ثِقَلَ الضَّياعِ.
أُجاري سحرَها بالبدانةِ
أغرسُ عجزي في الأرضِ
كي لا أتناثرَ.
أقفُ أمامَ العالمِ..
أحجب جزءًا من الأفقِ
شاهداً يحفظُ لونَ النارِ
وذاكرةَ الخبزِ.



