ابداعات

لا بالحبر بل بالرحمة…

 

الشيماء أحمد عبد اللاه 

 

 

ليست كل الجراح تنزف دمًا؛ بعضها ينزف أعمارًا كاملة، هناك وجع يشبه شجرةً اقتُلعت جذورها وهي ما تزال خضراء، تقف أمام أعين الناس، بينما تموت ببطء من الداخل، وما أقسى أن يُصفق العالم لصمودك، وهو لا يسمع صوت التشققات التي تحدث في قلبك كل ليلة.

 

نحن لا نبكي لأن الأشياء رحلت، بل لأن جزءًا منا رحل معها، فالأمنيات حين تُدفن قبل أن تولد، تترك في الروح مقابر لا يراها أحد، نصير كبيوتٍ أُطفئت مصابيحها، يدخلها النهار فلا تجد طريقًا إلى الضوء، لأن العتمة لم تكن في المكان فقط، بل في القلب.

 

إنّ أشدّ ما يؤلم أن يقف الإنسان على حافة الدعاء، يرفع كفيه حتى تتعب السماء من رؤيته، ثم يعود إليهما فارغتين إلا من الدموع، فيظن أن الصمت جواب، بينما الحقيقة أن الله يؤخر الإجابة كما يؤخر الفجر، لا بخلًا بالنور، ولكن لأن الشمس لا تشرق قبل أوانها.

 

كم مرةٍ حسبنا أن الباب الأخير قد أُغلق، بينما كانت أقدار الله تبني لنا بابًا لم يخطر على قلوبنا؟ نحن نطرق الأبواب بأيدينا، والله يفتح الأرزاق بمفاتيح الغيب، وما بين الطَّرْق والفتح، تتعلم الأرواح كيف تنضج، وكيف تميز بين ما كانت تريده، وما كانت تحتاجه.

 

لكن الغريب أن القلب، رغم كثرة انكساراته، يشبه الزجاج الذي يعكس الضوء أكثر كلما تكسرت زواياه، كأن الله يجعل من كل شرخ نافذةً يدخل منها نور رحمته، حتى إذا ظن صاحبه أنه انتهى، اكتشف أن الكسور نفسها كانت سببًا في أن يرى ما لم يكن يراه وهو صحيح.

 

لسنا نقرأ إلا سطرًا واحدًا من كتاب القدر، ثم نتعجل الحكم على الرواية كلها.، نصرخ لأن الصفحة موجعة، بينما المؤلف الرحيم وحده يعلم كيف ستنتهي الحكاية، وما أكثر النهايات التي بدأت من قلب الهزيمة، ثم ختمها الله بما لم تستطع الأحلام أن تتخيله.

 

لهذا، إذا أثقلتك الأيام عزيزي المتعب، فلا تحسب أن الله ينساك، فالبذرة تبقى زمنًا طويلًا مدفونة تحت التراب، يظنها كل من يراها أنها ميتة، بينما هي في الحقيقة تُعد جذورها للحياة، وكذلك المؤمن؛ قد يراه الناس غارقًا في البلاء، وهو عند الله يُهيَّأ لربيعٍ لا يشبه شيئًا مضى.

 

فامضِ مطمئنًا، ولو كانت الطرق موحشة، فإن الذي يكتب الأقدار لا يكتبها بالحبر، بل بالرحمة، وما تأخر عنك إلا ليأتي في اللحظة التي تصبح فيها قادرًا على احتضانه، وما انكسر في يدك إلا لأن الله يدخر لك ما لا ينكسر أبدًا، فثق به، فاليقين بالله هو الضوء الوحيد الذي لا تستطيع العواصف أن تطفئه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى