مقالات

اليمن واتفاقية مكة ومصر .. كيف تتحول أزمة الحوثيين إلى شرارة لحرب إقليمية؟ ولماذا قد يكون عدم إنضمام القاهرة مكسباً استراتيجياً؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

وأنت بتقرأ هذا المقال، مهم جداً ألا تنظر إلى ما يحدث في اليمن بمعزل عن التطورات الإقليمية المتسارعة، خصوصاً ما تناولناه في المقال السابق حول «اتفاقية مكة» والأسباب التي يمكن أن تفسر عدم انضمام مصر إليها. فالمشهد الحالي لا يتعلق فقط بالحوثيين أو باليمن أو بأمن الملاحة في البحر الأحمر ، وإنما يرتبط بإعادة تشكيل شبكة التحالفات والاصطفافات في الشرق الأوسط، وبالسؤال الأهم : من يمتلك القدرة على الحركة السياسية عندما تبدأ الأطراف العسكرية في التحرك؟

هانس جروندبرغ ، مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن، حذر مجلس الأمن من خطورة التصعيد العسكري المتزايد ، ومن احتمالات عودة اليمن إلى دائرة مواجهة واسعة قد تتجاوز حدود الصراع اليمني نفسه لتأخذ طابعاً إقليمياً. وهذه النقطة تحديداً تستحق التوقف أمامها ؛ لأن خطورة اليمن لم تعد نابعة فقط من الحرب الداخلية، وإنما من موقعه الجغرافي الذي يجعله جزءًا من واحدة من أهم منظومات الملاحة والتجارة والطاقة في العالم.

عندما نتحدث عن هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، فنحن لا نتحدث عن حادث أمني محدود في منطقة بعيدة عن مراكز التأثير الدولي. نحن نتحدث عن منطقة تمس أحد أهم طرق التجارة العالمية ، وترتبط مباشرة بمضيق باب المندب، وبقناة السويس ، وبأمن البحر الأحمر، وبحركة التجارة بين آسيا وأوروبا. وبالتالي ، فإن أي تصعيد طويل الأمد في هذه المنطقة يمكن أن يتحول من أزمة أمنية إلى أزمة اقتصادية وسياسية ودولية واسعة.

وهنا تظهر أهمية التحذير الأممي ؛ لأن المشكلة ليست فقط في الهجوم نفسه، وإنما في سلسلة ردود الفعل التي يمكن أن ينتجها. هجوم من الحوثيين قد يدفع دولة إلى الرد، والرد قد يستدعي رداً آخر ، ثم تدخل طرف إقليمي ، ثم تدخل طرف دولي ، وفجأة نجد أنفسنا أمام مسرح عمليات متعدد الأطراف، بينما كل طرف يعلن أن هدفه الأساسي هو «الدفاع» أو «حماية الملاحة» أو «منع التهديد».

وهنا تحديداً يجب أن نربط المشهد بما تحدثنا عنه في المقال السابق حول اتفاقية مكة.

فإذا افترضنا استمرار التصعيد ضد السعودية، فإن الاتفاقية وما يرتبط بها من التزامات دفاعية بين السعودية وباكستان وتركيا يمكن أن تكتسب أهمية أكبر في حال تحولت المواجهة إلى اعتداءات مباشرة على الأراضي أو المصالح السعودية. وفي هذه الحالة، فإن المشكلة لن تبقى محصورة في السعودية والحوثيين، وإنما قد تتوسع دائرة الأطراف المتداخلة في الصراع.

وفي المقابل ، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها، وبالأخص في ملف حماية الملاحة ، لن ينظروا إلى البحر الأحمر وباب المندب باعتبارهما ملفاً يمنياً داخلياً. الأمر بالنسبة للقوى الكبرى مرتبط بحماية خطوط التجارة الدولية، وتأمين الممرات البحرية، ومنع أي قوة إقليمية من فرض واقع جديد على حركة الملاحة.

وهنا نصل إلى مفهوم بالغ الأهمية في العلاقات الدولية، وهو «نقاط الاختناق الاستراتيجية». مضيق هرمز وباب المندب ليسا مجرد ممرين مائيين على الخريطة، وإنما نقطتان تستطيع أي أزمة عسكرية فيهما أن تؤثر في التجارة والطاقة والأسواق وسلاسل الإمداد على مستوى عالمي.

ولهذا فإن الخطورة الحقيقية لا تكمن في أن هناك حربا في اليمن، وإنما في احتمال اتصال أكثر من مسرح عمليات ببعضه البعض: اليمن والبحر الأحمر وباب المندب من جهة، والخليج ومضيق هرمز من جهة أخرى، ثم انتقال التأثير إلى دول المنطقة والقوى الدولية.

وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً : ماذا يحدث إذا فشلت الوساطات والتفاوض؟

في هذه الحالة قد تتجه الأطراف إلى الخيار العسكري باعتباره الوسيلة الأسرع لفرض معادلة جديدة. لكن التاريخ السياسي والعسكري للمنطقة يقول لنا إن التدخل العسكري نادراً ما يبقى بالحجم الذي بدأ به. فكل تدخل يولد مصالح جديدة، وكل ضربة تنتج رداً ، وكل رد يمكن أن يفتح الباب أمام طرف جديد للدخول إلى الصراع.

والأخطر أن إيران ، حتى في ظل تعرضها لضغوط عسكرية وسياسية كبيرة ، تستطيع من خلال حلفائها وشبكة نفوذها الإقليمية أن تجعل تكلفة أي مواجهة معها مرتفعة. والحوثيون يمثلون في هذه المعادلة أحد أهم عناصر الضغط على خطوط الملاحة في جنوب البحر الأحمر، وهو ما يجعل أي مواجهة واسعة معهم مرتبطة بصورة أو بأخرى بالحسابات الإقليمية الأوسع تجاه إيران.

ومن هنا، فإن الحديث عن تدخل أمريكي أو سعودي محتمل يجب ألا يُقرأ باعتباره عملية عسكرية منفصلة ، وإنما باعتباره جزءًا من معادلة أكبر تتعلق بإعادة فرض السيطرة الأمنية على نقاط الاختناق البحرية.

لكن المشكلة أن تأمين الملاحة شيء ، وتحويل عملية التأمين إلى حرب إقليمية شيء آخر تماماً.

فإذا دخلت السعودية في مواجهة مباشرة، ثم تعرضت لهجمات مضادة، ثم أصبحت باكستان وتركيا أمام التزامات سياسية أو أمنية تجاه السعودية، ثم دخلت الولايات المتحدة بصورة أوسع، وأصبح للناتو دور مباشر أو غير مباشر في تأمين خطوط الملاحة، فإن عدد الأطراف في المشهد سيزداد ، وستصبح احتمالات سوء الحسابات أكبر.

وهنا أعود إلى مصر.

في رأيي، عدم انضمام مصر إلى أي ترتيبات عسكرية إقليمية قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها خسارة لنفوذ أو حضور ، لكنه يمكن أن يتحول في ظروف معينة إلى ورقة قوة سياسية، لأن الدولة التي لا تربط نفسها بالتزامات عسكرية مباشرة تجاه أطراف الصراع تكون لديها مساحة أكبر للتواصل مع الجميع.

ومصر تحديداً تمتلك ما يجعل هذه المساحة مهمة للغاية: موقعها الجغرافي، قناة السويس، علاقتها التاريخية بدول الخليج، علاقاتها مع الولايات المتحدة، علاقاتها مع الدول العربية ، وعلاقاتها مع أطراف دولية وإقليمية مختلفة.

وبالتالي، فإن عدم الدخول في تحالف عسكري جديد لا يعني بالضرورة الابتعاد عن المنطقة، بل قد يعني الاحتفاظ بمسافة سياسية تسمح بالقفز إلى موقع الوسيط عندما تصل الأطراف الأخرى إلى نقطة لا تستطيع فيها التفاوض مع بعضها مباشرة.

وهنا يمكن فهم أهمية التواصل المصري الباكستاني في هذا التوقيت من زاوية سياسية مختلفة. ليس بالضرورة أن يكون كل اتصال بين دولتين مقدمة لتحالف أو اتفاق، بل أحياناً تكون الاتصالات الأكثر أهمية هي تلك التي تفتح قنوات التفاهم بين دول تقف في مواقع مختلفة من شبكة التحالفات.

وهذه هي قيمة الدبلوماسية عندما تقترب المنطقة من حافة الانفجار.

فالدولة التي تنخرط في الصراع قد تكون لديها قدرة عسكرية أكبر، لكنها تخسر جزءًا من قدرتها على الوساطة. أما الدولة التي تحتفظ بعلاقاتها مع مختلف الأطراف، فقد لا تمتلك القوة العسكرية نفسها، لكنها تمتلك ما هو أكثر أهمية في لحظة الأزمة : القدرة على الحديث مع الجميع.

ولهذا فإنني لا أرى أن السؤال الصحيح هو: «من سيحارب من؟».

السؤال الأخطر هو: «من سيستطيع إيقاف الحرب عندما تبدأ؟».

لأن المشكلة في الشرق الأوسط ليست نقص الأطراف القادرة على خوض الحرب ، وإنما نقص الأطراف التي تستطيع إجبار الجميع على العودة إلى طاولة التفاوض.

وإذا نظرنا إلى الصورة من الأعلى، سنجد أن المشهد أصبح شديد التعقيد: إيران وحلفاؤها، الحوثيون، السعودية، الولايات المتحدة، باكستان، تركيا، ودور أوروبي أو أطلسي محتمل في حماية الملاحة، بينما تقف دول أخرى أمام ضرورة حماية مصالحها دون أن تصبح طرفاً مباشراً في الصراع.

ووسط كل ذلك، يصبح الحديث عن «الاستقرار» أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

لأن الاستقرار لا يتحقق بمجرد إيقاف صاروخ أو حماية سفينة. الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى معالجة الأسباب التي تجعل كل طرف يعتقد أن التصعيد هو الطريق الأفضل لتحقيق مصالحه.

وهنا تحديداً تظهر قيمة الوساطة.

فإذا كانت هناك دول قادرة على الحفاظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف ، فإن مسؤوليتها السياسية لا يجب أن تكون الدخول في الصراع ، وإنما منع الآخرين من الانزلاق إليه.

ومصر يمكن أن تكون واحدة من هذه الدول.

ولذلك، فإن عدم انضمامها إلى ترتيبات عسكرية قد يمنحها، في هذه المرحلة تحديداً ، هامش حركة سياسياً أكبر، خصوصاً إذا اتسعت الأزمة وأصبح الجميع في حاجة إلى طرف يستطيع التحدث مع الجميع دون أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من المعسكر المقابل.

وفي النهاية ، إذا تحولت أزمة اليمن والبحر الأحمر إلى مواجهة إقليمية أوسع، فلن يكون هناك منتصر حقيقي بالمعنى التقليدي. ستدفع دول المنطقة ثمناً اقتصادياً وأمنياً و سياسياً ، وستتأثر حركة التجارة والطاقة والملاحة، وسترتفع تكلفة التأمين والشحن، وقد تمتد آثار الصراع إلى دول لا علاقة مباشرة لها بالحرب.

لكن وسط كل هذه الفوضى، سيستفيد طرف واحد من استمرار الانقسام والصراع وإضعاف دول المنطقة واستنزاف مواردها.

والسؤال هنا ليس فقط: من هو هذا الطرف؟

السؤال الأهم: هل ستدرك دول المنطقة ذلك قبل أن تتحول سلسلة التصعيد الحالية إلى حرب لا يستطيع أحد تحديد نقطة نهايتها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى