مقالات

هل تستغل الصين إنشغال أمريكا بحرب إيران لكسر الطوق الاستراتيجي والسيطرة على تايوان وبحر الصين الجنوبي؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

إذا قررت الصين، في هذه المرحلة تحديداً، الانتقال من سياسة الضغط والمناورة إلى محاولة فرض سيطرتها على تايوان وبحر الصين الجنوبي، فإن الولايات المتحدة ستكون أمام واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في حساباتها الاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فالمسألة بالنسبة إلى بكين لا تتعلق بتايوان وحدها، بل ترتبط برؤية أوسع لنفوذها البحري ومجالها الحيوي في بحر الصين الجنوبي ، بما يحمله هذا البحر من أهمية عسكرية وتجارية واستراتيجية هائلة.

الصين، رغم قوتها الاقتصادية والعسكرية ومساحتها الجغرافية الهائلة، ليست قوة بحرية تتحرك في بيئة مفتوحة بالكامل أمامها. على العكس، فإن خريطة شرق آسيا تكشف عن طوق استراتيجي معقد يمتد حولها ، تشارك فيه دول ترتبط بدرجات مختلفة بالولايات المتحدة، من اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وصولًا إلى أستراليا، فضلًا عن شبكة من القواعد والتحالفات والاتفاقيات العسكرية التي تمنح واشنطن قدرة على مراقبة حركة الصين وتقييد هامش المناورة أمامها. ولذلك فإن أي محاولة صينية لكسر هذا الطوق لن تكون مجرد عملية عسكرية محدودة، وإنما ستكون في جوهرها محاولة لإعادة رسم ميزان القوى في آسيا.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية التوقيت. فالولايات المتحدة تخوض في الشرق الأوسط حربًا استنزفت قدرًا مهمًا من اهتمامها ومواردها العسكرية، وأدت إلى إعادة توزيع جزء من أصولها العسكرية من منطقة المحيط الهادئ نحو منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية. وحاملات الطائرات، ومنظومات الدفاع الجوي، والأسلحة الهجومية، ووسائل الدعم والاستطلاع ليست مجرد معدات منفصلة؛ وإنما هي عناصر في منظومة الردع الأمريكية التي تعتمد عليها واشنطن لإرسال رسالة واضحة إلى أي خصم محتمل بأن لديها القدرة على التدخل السريع في أكثر من مسرح عمليات في الوقت نفسه.

لكن الحروب الكبرى لا تُقاس فقط بما تملكه الدولة من قدرات، وإنما أيضًا بمكان وجود هذه القدرات في اللحظة التي تبدأ فيها الأزمة. وهذه نقطة شديدة الأهمية في الحسابات الصينية. فإذا أدى انخراط الولايات المتحدة العميق في الشرق الأوسط إلى تخفيض مؤقت لكثافة حضورها العسكري في غرب المحيط الهادئ، فإن بكين قد ترى في ذلك نافذة استراتيجية نادرة. ليست بالضرورة نافذة تعني أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة، فهذا استنتاج مبالغ فيه، ولكنها نافذة قد تجعل تكلفة الرد الأمريكي أعلى، وسرعة الاستجابة أصعب، وحسابات المخاطر أكثر تعقيداً.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس : هل تستطيع الصين مهاجمة تايوان؟ وإنما : هل تستطيع الصين استغلال لحظة انشغال أمريكي نسبي لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها قبل أن تستعيد واشنطن كامل قدرتها على التركيز في المحيط الهادئ؟

هذه نقطة مختلفة تماماً.

فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى أن تكون أضعف من الصين عسكرياً حتى تواجه مشكلة؛ يكفي أن تكون قواتها موزعة على أكثر من جبهة في اللحظة التي تقرر فيها بكين تغيير قواعد اللعبة. وفي المقابل ، فإن الصين لا تحتاج بالضرورة إلى تحقيق نصر عسكري شامل منذ اليوم الأول؛ يكفيها، من منظور استراتيجي، أن تفرض واقعاً جديداً يجعل استعادة الوضع السابق أكثر صعوبة وتكلفة.

لكن الخطأ الأكبر سيكون في تصور أن الصين أمام فرصة بلا مخاطر. فتايوان ليست جزيرة معزولة يمكن التعامل معها بمعزل عن اليابان والفلبين والولايات المتحدة وأستراليا، وبحر الصين الجنوبي ليس مساحة بحرية بلا أطراف أخرى. أي تحرك صيني واسع يمكن أن يؤدي إلى تدخل أمريكي مباشر أو غير مباشر، وإلى تحرك حلفاء واشنطن، وإلى اضطراب هائل في التجارة وسلاسل الإمداد والأسواق العالمية. كما أن الصين نفسها تعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار التجاري والبحري ، وبالتالي فإن الحرب التي قد تمنحها مكسباً جيوسياسياً يمكن أن تتحول في الوقت نفسه إلى صدمة اقتصادية ضخمة عليها.

ولهذا فإن قرار بكين، إن كان مطروحاً بهذا الشكل، لن يكون قراراً عسكرياً فقط، وإنما سيكون قرارًا يتعلق بمستقبل المشروع الصيني كله. هل تريد الصين أن تبقى قوة اقتصادية وتجارية كبرى تنافس الولايات المتحدة داخل النظام الدولي، أم أنها تريد الانتقال إلى مرحلة تصبح فيها قوة مهيمنة إقليمياً وقادرة على فرض قواعد جديدة في محيطها المباشر؟

الفرق بين الخيارين هائل.

الصين تستطيع الانتظار، وتستطيع مواصلة بناء قوتها البحرية والجوية والصاروخية، وتوسيع نفوذها الاقتصادي، وتعزيز شراكاتها، وانتظار لحظة تصبح فيها موازين القوى أكثر ملاءمة لها. لكن الانتظار يحمل مخاطرة أيضاً ؛ لأن الولايات المتحدة وحلفاءها لن ينتظروا بالضرورة من دون تعديل استراتيجيتهم. كل عام يمر يمكن أن يعني مزيداً من التحصينات حول تايوان، ومزيداً من التعاون العسكري بين واشنطن وحلفائها ، ومزيداً من القواعد والقدرات الصاروخية والاستطلاعية التي تجعل أي عملية صينية مستقبلية أكثر تعقيداً.

ومن هنا تأتي الفكرة الأكثر خطورة في الحساب الصيني: الفرص الاستراتيجية الكبرى لا تتكرر بالضرورة بالشكل نفسه. قد توجد لحظة يكون فيها خصمك منشغلًا في مسرح آخر، لكن لا يمكنك أن تفترض أن هذا الانشغال سيستمر، ولا يمكنك أن تضمن أن الظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تراها اليوم ستظل موجودة غدًا.

ومع ذلك، فإن القول إن الصين إذا لم تتحرك الآن فهي “دولة تهديد بالكلام فقط” سيكون تبسيطاً شديداً للمشهد. القوة الصينية لا تُقاس فقط بما إذا كانت ستشن حربًا أم لا. فبكين استطاعت خلال عقود بناء قوة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية جعلت الولايات المتحدة وحلفاءها يعيدون حساباتهم في آسيا بالكامل. كما أن عدم الدخول في حرب قد يكون في حد ذاته قراراً استراتيجياً محسوباً ، إذا رأت القيادة الصينية أن تكلفة الحرب في اللحظة الحالية أكبر من المكاسب المتوقعة.

القوة الحقيقية لا تظهر فقط في القدرة على خوض الحرب، وإنما في القدرة على تحديد متى تخوضها ومتى تمتنع عنها.

ولهذا فإن المعادلة الصينية اليوم تبدو أكثر تعقيداً من مجرد سؤال عن تايوان. بكين أمام مفترق استراتيجي بين اغتنام فرصة قد تكون نادرة، وبين تجنب حرب يمكن أن تتحول إلى صراع طويل يضرب الاقتصاد الصيني ويستنزف قدراته ويضعه في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها. وفي المقابل، واشنطن أمام اختبار لا يقل خطورة : هل تستطيع الحفاظ على الردع في آسيا وهي منشغلة بحرب كبيرة في الشرق الأوسط، أم أن تعدد الجبهات سيجبرها على توزيع قوتها بطريقة تمنح خصومها فرصًا لم تكن متاحة من قبل؟

وهنا تكمن خطورة اللحظة الحالية. القضية ليست فقط فيما إذا كانت الصين ستتحرك أم لا، وإنما في أن أي حساب خاطئ من أحد الطرفين قد يغير شكل النظام الدولي لعقود. فإذا قررت بكين التحرك، فقد تدخل آسيا مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ. وإذا قررت عدم التحرك، فقد تستغل السنوات المقبلة لإعادة بناء قوتها وتغيير البيئة الاستراتيجية تدريجياً. أما الولايات المتحدة، فستكون مضطرة إلى الإجابة عن السؤال الأصعب: هل تستطيع أن تظل القوة التي تفرض قواعد اللعبة في أكثر من مسرح في الوقت نفسه ، أم أن اتساع نطاق التزاماتها بدأ يخلق فجوات يمكن لخصومها استغلالها؟

في النهاية ، لا توجد في الجغرافيا السياسية لحظة مثالية، ولا توجد فرصة بلا ثمن. لكن بعض اللحظات تكون أكثر حساسية من غيرها، لأن توزيع القوة والاهتمام العسكري والظروف السياسية قد يتقاطع فيها بطريقة نادرة. وما يحدث في تايوان وبحر الصين الجنوبي لن يكون مجرد صراع على جزيرة أو مياه متنازع عليها؛ بل قد يكون اختباراً حقيقياً لما إذا كان القرن الحادي والعشرون سيظل أمريكي القيادة في آسيا، أم أن الصين بدأت بالفعل الانتقال من مرحلة تحدي النظام القائم إلى مرحلة محاولة إعادة تشكيله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى