مقالات

مشروع E1.. المخطط الذي قد يدفن حل الدولتين إلى الأبد

✍️ يوحنا عزمي

ما جرى اليوم من موقف عربي وإسلامي شديد اللهجة تجاه مشروع «E1» الإسرائيلي ليس مجرد بيان سياسي جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من بيانات الإدانة والاستنكار، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد رد فعل دبلوماسي عابر على خطوة استيطانية أخرى. فالمسألة ، في جوهرها، ترتبط بإحدى أكثر النقاط حساسية في الصراع الفلسطيني _ الإسرائيلي ، لأنها تمس بصورة مباشرة الجغرافيا التي يقوم عليها أي تصور قابل للحياة لحل الدولتين.

ولفهم سبب كل هذه الضجة ، علينا أولًا أن نفهم ما هو مشروع «E1» ولماذا يحظى بكل هذه الأهمية.

المشروع يتعلق بمنطقة تبلغ مساحتها نحو 12 كيلومتراً مربعاً بين القدس الشرقية ومستوطنة «معاليه أدوميم»، في موقع جغرافي شديد الحساسية، لأن المنطقة تقع على محور يربط القدس بالضفة الغربية ويمتد باتجاه أريحا وغور الأردن. وبالتالي، فإن القضية لا تتعلق بمجرد إنشاء مجموعة جديدة من الوحدات الاستيطانية، وإنما بمحاولة إعادة تشكيل الخريطة نفسها بطريقة تجعل الواقع الجغرافي والسياسي على الأرض مختلفاً جذرياً عن أي تصور تقليدي لدولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

وهنا تحديداً تكمن خطورة المشروع.

فإذا جرى تنفيذ مخطط E1 بالصورة التي تدفع بها إسرائيل ، فإن الكتلة الاستيطانية الممتدة من القدس باتجاه «معاليه أدوميم» يمكن أن تتحول إلى حلقة جغرافية إستراتيجية تربط القدس الكبرى بالمستوطنات الواقعة شرقها ، وصولًا إلى منطقة غور الأردن. وهذا يعني أن المسألة لا تتوقف عند حدود التوسع الاستيطاني، وإنما تمتد إلى إعادة ترتيب المجال الجغرافي للضفة الغربية بصورة تؤثر في حركة الفلسطينيين وفي إمكانية قيام تواصل إقليمي متماسك بين أجزاء الدولة الفلسطينية المفترضة.

وهنا يجب أن نتوقف قليلًا أمام طبيعة التفكير الإسرائيلي في هذه المسألة.

في الصراعات الممتدة ، لا تكون السيطرة على الأرض مرتبطة فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية ، وإنما كثيراً ما تكون مرتبطة بإعادة هندسة الجغرافيا. ومن يملك القدرة على تغيير الجغرافيا يستطيع ، بمرور الوقت ، أن يغير السياسة والديموغرافيا والاقتصاد والأمن في الوقت نفسه.

ولهذا فإن أهمية E1 لا تكمن فقط في المساحة التي يشغلها، وإنما في موقعه.

المشروع يقع على أحد أكثر المحاور الاستراتيجية حساسية في الضفة الغربية، وبالتالي فإن أي تغيير في هذه المنطقة يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدودها المباشرة. فربط القدس بالمستوطنات الشرقية ، وتوسيع الكتل الاستيطانية في هذا الاتجاه ، يمكن أن يضعف بصورة كبيرة فرص الحفاظ على تواصل جغرافي فلسطيني متصل ، خصوصاً في المنطقة الواقعة بين شمال الضفة وجنوبها.

ومن هنا يمكن فهم لماذا ينظر الفلسطينيون والعرب إلى المشروع باعتباره أخطر بكثير من مجرد «توسع استيطاني».

فالمعادلة ببساطة تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة : تثبيت مفهوم «القدس الكبرى» باعتبارها جزءًا مركزياً من الرؤية الإسرائيلية ، إضعاف التواصل الجغرافي الفلسطيني، ثم الدفع باتجاه تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي المحيط بالقدس.

وعندما تجتمع هذه العناصر معا، ، فإن النتيجة السياسية المحتملة لا تكون مجرد إضافة مستوطنة جديدة إلى الخريطة، وإنما تضييق المساحة الجغرافية والسياسية المتاحة أمام إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وهنا نصل إلى جوهر القضية.

الحديث عن مشروع E1 لا ينبغي أن يُختزل في سؤال: «هل ستبني إسرائيل مستوطنات جديدة أم لا؟». السؤال الأكثر أهمية هو: «أي خريطة تريد إسرائيل أن تكون قائمة عندما يأتي وقت الحديث عن التسوية النهائية؟».

لأن السياسة في الصراع الإسرائيلي _ الفلسطيني لم تعد تُحسم فقط حول طاولة المفاوضات. جزء كبير من المعركة يُحسم على الأرض قبل أن تبدأ المفاوضات أصلًا، من خلال ما يمكن تسميته بسياسة «خلق الحقائق». كل طريق جديد، وكل كتلة استيطانية، وكل تغيير في توزيع السكان، وكل منطقة يتم التحكم فيها أمنياً أو جغرافياً ، قد تتحول لاحقاً إلى ورقة تفاوضية يصعب تجاوزها.

ولهذا فإن مشروع E1 يمثل ، في أحد أبعاده ، معركة على مستقبل «حل الدولتين» نفسه.

أما الحديث عن أن البيانات العربية والأوروبية والإدانات الدولية تمثل في حد ذاتها «هزيمة» لإسرائيل، فهو في رأيي قراءة عاطفية أكثر منها قراءة سياسية.

الدبلوماسية مهمة بالتأكيد، والضغط الدولي له قيمة، والعزلة السياسية قد تكون مؤثرة على المدى الطويل ، كما أن تآكل الشرعية الدولية لأي سياسة توسعية ليس أمرًا يمكن تجاهله. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول كل بيان إدانة إلى «انتصار تاريخي»، وكل تحذير دبلوماسي إلى «هزيمة لإسرائيل»، بينما تستمر الوقائع المادية على الأرض في الاتجاه نفسه.

العلاقات الدولية لا تُقاس فقط بما تقوله الحكومات ، وإنما أيضاً بما تستطيع هذه الحكومات فعله.

وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة للغاية.

إذا كانت دولة ما تستخدم أدوات القوة لفرض واقع جديد، فإن البيانات وحدها لا تغير هذا الواقع. وإذا كان المجتمع الدولي يريد منع تحول مشروع معين إلى أمر واقع ، فلابد أن ينتقل من مرحلة التعبير عن الرفض إلى مرحلة امتلاك أدوات التأثير القادرة على تغيير حسابات الطرف الآخر.

وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين «الموقف السياسي» و«القدرة على التأثير».

يمكن أن يكون الموقف العربي موحداً، ويمكن أن يكون الموقف الأوروبي شديد اللهجة، ويمكن أن تصدر عشرات البيانات التي تؤكد رفض الاستيطان والتمسك بحل الدولتين، لكن السؤال الذي يهم صانع القرار الإسرائيلي في النهاية هو : ماذا سيحدث إذا مضى المشروع قدمًا؟

هل ستكون هناك تكلفة سياسية حقيقية؟
هل ستكون هناك إجراءات اقتصادية؟
هل سيكون هناك تحرك دبلوماسي منظم قادر على إنتاج ضغط فعلي؟

هل توجد أدوات قانونية أو دولية يمكن تحويلها من مجرد نصوص إلى آليات تأثير؟

وهل تستطيع القوى الدولية المؤثرة أن تجعل الاستمرار في فرض الوقائع على الأرض أكثر تكلفة من التراجع عنها؟

هنا فقط تبدأ السياسة الحقيقية.

أما الاكتفاء بالبيانات ، ثم تقديمها للجمهور باعتبارها انتصاراً استراتيجياً ، فهو في أحسن الأحوال تضخيم للنتائج، وفي أسوأ الأحوال محاولة لصناعة شعور زائف بأن المعركة حُسمت بينما الوقائع على الأرض تقول شيئاً آخر.

ولذلك فإن التعامل الجاد مع مشروع E1 يحتاج إلى تجاوز لغة الشعارات إلى قراءة أكثر واقعية : إسرائيل لا تتحرك فقط بمنطق اللحظة العسكرية أو السياسية، وإنما بمنطق طويل الأمد يسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الجغرافية والديموغرافية والأمنية بما يخدم رؤيتها المستقبلية.

وفي المقابل ، فإن الرد العربي والدولي الحقيقي لا ينبغي أن يقاس بحدة اللغة، وإنما بقدرته على التأثير في مسار الأحداث.

فالقاعدة الأساسية في العلاقات الدولية بسيطة وقاسية في الوقت نفسه : عندما تتحول القوة إلى أداة لفرض واقع جديد ، فإن القانون الدولي وحده لا يوقف الواقع، والبيانات وحدها لا تعيد رسم الخرائط، والمبادرات وحدها لا تمنع الحقائق من الترسخ على الأرض.

القوة السياسية تحتاج إلى أدوات ، والقانون يحتاج إلى آليات تنفيذ، والدبلوماسية تحتاج إلى نفوذ، والتحالفات تحتاج إلى قدرة على تحويل المواقف إلى تكلفة حقيقية.

ومن هنا تأتي أهمية متابعة ملف E1 خلال الفترة المقبلة، ليس فقط باعتباره مشروعاً استيطانياً ، وإنما باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف العربية والإسلامية والأوروبية والمجتمع الدولي على الانتقال من مرحلة التحذير إلى مرحلة التأثير.

لأن السؤال الذي سيحسم مستقبل هذه القضية في النهاية ليس : ماذا قالت الدول؟

بل : ماذا استطاعت أن تفعل؟

وهذه هي النقطة التي يجب أن نراقب عندها التطورات القادمة، بعيداً عن الضجيج الإعلامي ، وبالتركيز على ما يحدث فعلًا على الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى