مقالات

واشنطن وإثيوبيا .. هل يتحول سد النهضة إلى ورقة ضغط على مصر؟

بقلم: يوحنا عزمي

هناك لحظات في السياسة الدولية لا تكمن خطورتها في الحدث نفسه، وإنما في تزامن الأحداث واتجاهاتها. وما يحدث الآن بين الولايات المتحدة وإثيوبيا من جهة، وبين إثيوبيا ومصر في ملف مياه النيل من جهة أخرى، يستحق أن يُقرأ بعيداً عن التفسيرات السطحية التي ترى كل واقعة منفصلة عن الأخرى.

خلال الأيام الماضية، اتجهت العلاقات الأمريكية الإثيوبية إلى مستوى أكثر تقدماً، مع اتفاق البلدين على رفع التعاون في مجالي الدفاع والأمن إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة ، عقب مشاورات رفيعة المستوى جرت في واشنطن. وفي الوقت نفسه تقريباً ، كانت إثيوبيا ترفع سقف خطابها بشأن مياه النيل، وتعلن بوضوح أنها لا ترى نفسها مطالبة بالحصول على إذن من دول المصب قبل تنفيذ مشروعات مائية جديدة.

وهنا تحديداً تبدأ علامات الاستفهام.

لأن القضية ليست مجرد أن واشنطن قررت تطوير علاقاتها مع أديس أبابا، فهذا أمر طبيعي من منظور المصالح الأمريكية، وليس من المنطقي افتراض أن الولايات المتحدة تتحرك في إفريقيا بدافع واحد أو بهدف واحد. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن هذا التقارب يأتي في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة لمصر، وبعد أسابيع فقط من تصريحات أمريكية بدت، على الأقل ظاهرياً، أكثر تفهمًا للموقف المصري في أزمة سد النهضة.

ففي 17 يونيو الماضي، وخلال لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس عبد الفتاح السيسي على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، قال ترامب إن مصر تعرضت، بحسب تعبيره، لمعاملة غير عادلة من إثيوبيا، وإن واشنطن ستناقش مع القاهرة ملف النيل والسد.

والأهم أن هذا لم يكن الموقف الأمريكي الأول من الأزمة في 2026.

في يناير الماضي، أعلن ترامب استعداده لإعادة إطلاق الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا بشأن تقاسم مياه النيل، مؤكداً في رسالته إلى الرئيس السيسي أن أي دولة في المنطقة لا ينبغي أن تنفرد بالسيطرة على موارد النيل.

إذن نحن أمام مفارقة تستحق التوقف عندها : رئيس أمريكي يقول لمصر إن موقفها تجاه إثيوبيا عادل ، ويعرض الوساطة لحل أزمة النيل ، ثم نرى الإدارة الأمريكية في الوقت نفسه توسع علاقاتها الاستراتيجية والأمنية مع أديس أبابا.

هل يعني هذا أن واشنطن تلعب على الحبلين؟ .. ربما.

لكن الأكثر دقة ، في رأيي ، هو أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع إثيوبيا ومصر بمنطق “من مع من”، وإنما بمنطق من يملك أوراقاً أكثر يمكن استخدامها لخدمة المصالح الأمريكية.

وهذا فارق جوهري.

إثيوبيا ليست بالنسبة لواشنطن مجرد دولة تقع عند منابع النيل. إنها دولة ذات موقع جيوسياسي شديد الأهمية في القرن الإفريقي، وقريبة من البحر الأحمر ، ولها تأثير مباشر في ملفات السودان والصومال وأمن الممرات البحرية والتوازنات الإقليمية. وبالتالي فإن تعزيز التعاون الدفاعي معها يمكن أن يكون جزءًا من إعادة ترتيب أمريكية أوسع لخريطة النفوذ في شرق إفريقيا والبحر الأحمر.

وهناك عامل اقتصادي لا ينبغي تجاهله أيضاً. 

ففي منتصف أغسطس، بحث السفير الإثيوبي في واشنطن مع مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية فرص تعميق التعاون الاقتصادي، وكان قطاع التعدين والمعادن الاستراتيجية الإثيوبية حاضراً بوضوح في النقاش ، باعتباره مجالًا للاستثمار وإضافة القيمة وشراكة طويلة المدى.

وهنا تظهر صورة أكبر من مجرد سد النهضة.

الولايات المتحدة تنظر إلى إفريقيا اليوم باعتبارها ساحة للمنافسة على الموارد والأسواق والممرات الاستراتيجية ، في وقت تتزايد فيه أهمية المعادن الحيوية بالنسبة للصناعات التكنولوجية والدفاعية وسلاسل الإمداد العالمية. ومن الطبيعي، من هذا المنظور، أن تحاول واشنطن بناء علاقات أعمق مع دول تمتلك موارد وموقعاً جغرافياً وأهمية سياسية، وإثيوبيا واحدة من هذه الدول.

لكن بالنسبة إلى مصر ، فإن القضية مختلفة تماماً. 

مصر لا تنظر إلى النيل باعتباره ملفًا اقتصادياً أو تفاوضياً عادياً يمكن إدارته بمنطق المصالح المتبادلة فقط. النيل بالنسبة إلى الدولة المصرية يرتبط مباشرة بالأمن القومي وبالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وبالأمن المائي ، ولذلك فإن أي محاولة لإقامة منظومة جديدة تتحكم بصورة منفردة في تدفقات النهر  إلى دول المصب تتحول تلقائياً إلى قضية سيادية.

وهذا بالضبط ما جعل التصريحات الإثيوبية الأخيرة شديدة الحساسية.

وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا قال إن بلاده لا تحتاج إلى إذن من أي دولة لتطوير مواردها المائية، مستشهداً ببناء سد النهضة ، وأضاف أن إثيوبيا يمكنها أن تفعل الشيء نفسه في أحواض أخرى إذا احتاجت إلى ذلك.

والأكثر إثارة للقلق أن هذه التصريحات جاءت في سياق تقارير عن خطط لبناء سدود إثيوبية جديدة على النيل الأزرق، وهو ما دفع القاهرة إلى إعلان موقف أكثر صراحة. وزير الري المصري هاني سويلم قال في وقت سابق من أغسطس إن مصر تعرف أن لدى إثيوبيا خططاً لبناء سدود جديدة ، لكنه شدد على أن الدولة المصرية لن تسمح بذلك.

وبالتالي ، فإن المسألة لم تعد فقط مرتبطة بكيفية تشغيل سد النهضة.

المسألة تتطور إلى سؤال أكبر : هل يمكن أن تتحول إثيوبيا تدريجياً من دولة تمتلك مشروعاً مائياً ضخمًا إلى دولة تسعى لامتلاك قدرة واسعة على التحكم في جزء مؤثر من تدفقات النيل الأزرق؟

وهنا تصبح المسألة بالنسبة إلى القاهرة أكثر خطورة بكثير.

لأن سداً واحداً ، مهما كان حجمه ، يظل مشروعاً يمكن التفاوض حول قواعد تشغيله وملء خزانه وآليات تبادل البيانات والتعامل مع سنوات الجفاف. أما إذا تحول الأمر إلى منظومة متكاملة من السدود والمنشآت التي تمنح دولة المنبع قدرة متزايدة على التحكم في التدفقات ، فإن طبيعة الأزمة نفسها تتغير.

وهنا تحديداً يجب أن نفهم لماذا تنظر مصر إلى الأمر باعتباره تجاوزاً لحدود التنمية المشروعة إلى محاولة محتملة لفرض أمر واقع جديد على نهر دولي.

لكن هل معنى ذلك أن الولايات المتحدة قررت بالفعل استخدام إثيوبيا ضد مصر؟

لا أعتقد أن هذه الخلاصة يمكن إثباتها بهذه البساطة.

السياسة الدولية أكثر تعقيداً من نظرية المؤامرة المباشرة.

لكن ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن واشنطن تريد الاحتفاظ بعلاقات قوية مع الطرفين، وأنها لا ترى مصلحة في خسارة مصر لصالح إثيوبيا، وفي الوقت نفسه لا تريد التخلي عن إثيوبيا التي تزداد قيمتها الاستراتيجية والاقتصادية في الحسابات الأمريكية.

وهذا يعني أن واشنطن قد تستخدم أزمة النيل باعتبارها ورقة نفوذ وتفاوض، حتى لو لم يكن الهدف النهائي هو الإضرار بمصر.

وهنا أصل إلى النقطة الأكثر حساسية في المشهد كله.

مصر اليوم ليست موجودة في أزمة النيل وحدها.

القاهرة تتحرك في بيئة إقليمية شديدة التعقيد ، من غزة إلى السودان ، ومن البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي ، ومن العلاقات  مع الولايات المتحدة إلى علاقاتها المتزايدة مع دول المنطقة.

ولهذا فإن الضغط على مصر في ملف المياه لا يمكن فصله تماماً عن بقية الملفات التي تتحرك فيها القاهرة.

مصر ، مثل أي دولة ، تدخل في مفاوضات متعددة على أكثر من جبهة في الوقت نفسه، وكل ملف يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قدرة الدولة على المناورة في الملفات الأخرى.

وهذا هو السبب في أنني لا أميل إلى قراءة التقارب الأمريكي الإثيوبي باعتباره مجرد “خيانة أمريكية لمصر”، كما لا أميل في الوقت نفسه إلى قراءته باعتباره دليلًا على أن واشنطن أصبحت حليفًا لإثيوبيا ضد القاهرة.

الأصح هو أن الولايات المتحدة تحاول أن تزيد مساحة نفوذها في القرن الإفريقي ، ومصر وإثيوبيا كلتاهما جزء من هذه المعادلة.

ومع ذلك ، فإن القاهرة ليست بلا أوراق.

مصر خلال السنوات الماضية عملت على بناء شبكة أوسع من العلاقات في القرن الإفريقي وشرق القارة، وعززت تعاونها مع الصومال ، وطورت علاقاتها مع إريتريا ، وحافظت على حضورها في السودان ، كما سعت إلى تقديم نفسها داخل إفريقيا باعتبارها دولة داعمة للتنمية وليست دولة تريد حرمان دول المنبع من استغلال مواردها.

ومن أقوى الأمثلة على ذلك تجربة مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري في تنزانيا، الذي نفذته شركات مصرية، وهي رسالة سياسية قبل أن تكون مشروعاً اقتصادياً : مصر ليست ضد السدود ولا ضد التنمية ، لكنها ضد فرض مشروعات مائية أحادية يمكن أن تمس أمن دول المصب.

هذه نقطة مهمة جداً في معركة الصورة السياسية.

لأن مصر لا تريد أن تسمح لإثيوبيا بتقديم نفسها باعتبارها دولة تريد التنمية بينما تظهر القاهرة وكأنها الدولة التي تريد منع الآخرين من التنمية.

المعركة الحقيقية هنا ليست فقط على المياه ، وإنما أيضاً على الرواية السياسية.

إثيوبيا تريد أن تقول : نحن دولة منبع لها الحق في استغلال مواردها.

ومصر تريد أن تقول: النيل نهر دولي مشترك، والتنمية لا تعني أن تتحول دولة واحدة إلى طرف يفرض إرادته على بقية الأطراف.

وبين الروايتين توجد معركة قانونية ودبلوماسية وإقليمية ودولية طويلة.

لكن ماذا لو فشل الاحتواء السياسي؟

هذا هو السؤال الذي أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ماذا لو تحولت التقارير عن سدود جديدة إلى مشروعات معلنة، ثم إلى أعمال إنشاء فعلية؟ وماذا لو حاولت إثيوبيا تكرار نموذج سد النهضة ، أي بناء مشروع جديد ثم مطالبة الآخرين بالتعامل معه باعتباره أمراً واقعاً ؟

هنا ستجد مصر نفسها أمام اختبار بالغ الصعوبة.

لأن استمرار سياسة الاحتواء الدبلوماسي لا يعني بالضرورة استمرارها بالشكل نفسه إلى ما لا نهاية.

وفي المقابل، فإن الانتقال مباشرة إلى الخيار العسكري ليس قراراً بسيطًا ولا يمكن التعامل معه باعتباره شعاراً على مواقع التواصل الاجتماعي.

الحرب ليست جملة حماسية.

الحرب قرار له تكلفة سياسية واقتصادية وعسكرية وإنسانية هائلة، وقد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدولة كبيرة مثل إثيوبيا ، داخل منطقة تعاني أصلاً من أزمات ممتدة وتوازنات متشابكة.

لذلك فإن القوة الحقيقية ليست في أن تبدأ الحرب، وإنما في أن تمتلك الدولة القدرة على جعل خصمها يحسب ألف مرة قبل أن يختبر حدودها.

وهنا أختلف مع فكرة أن الحل الوحيد هو “القوة ثم القوة ثم القوة” بمعناها العسكري المباشر.

القوة في عالم اليوم ليست طائرات وسفناً وصواريخ فقط.

القوة هي الجيش، نعم، لكنها أيضاً الاقتصاد، والتحالفات، والوجود الإقليمي ، والقدرة على التأثير، والردع، والمعلومات، والدبلوماسية، والقدرة على تحريك المجتمع الدولي ، والأهم القدرة على امتلاك بدائل عندما تفشل المفاوضات.

الدولة التي تمتلك كل هذه الأدوات لا تحتاج بالضرورة إلى استخدامها كلها.

يكفي أحياناً أن يعرف الخصم أنها موجودة.

وهنا تحديداً يجب أن يكون الهدف المصري في المرحلة المقبلة: رفع تكلفة أي محاولة لفرض أمر واقع جديد على النيل، من دون الانجرار إلى مواجهة لا تخدم المصالح المصرية.

فالرسالة الأقوى ليست أن مصر تريد الحرب.

بل أن مصر لا تريد الحرب، لكنها أيضًا لا يمكن أن تقبل أن تتحول رغبة دولة أخرى في التنمية إلى قدرة منفردة على التحكم في شريان حياة المصريين.

أما الولايات المتحدة ، فالمطلوب ألا تنظر إليها القاهرة باعتبارها حليفًا مضموناً أو خصماً مضموناً.

واشنطن دولة تتحرك وفق مصالحها.

وإذا كانت إثيوبيا تزداد أهمية بالنسبة إليها بسبب موقعها الاستراتيجي ومواردها وفرصها الاقتصادية ، فإن مصر مطالبة بأن تجعل موقعها هي الأخرى أكثر أهمية في الحسابات الأمريكية.

ليس بالشكوى .. وليس بالغضب .. بل بالأوراق.

في النهاية، السياسة الدولية لا تكافئ الدولة التي تملك الحق فقط، وإنما تكافئ الدولة التي تستطيع تحويل هذا الحق إلى نفوذ وقدرة وردع ومصالح متبادلة.

وإذا كان هناك درس حقيقي يجب أن تتعلمه مصر من التطورات الأخيرة، فهو أن مرحلة انتظار أن يتدخل الآخرون لحل أزمة النيل نيابة عنها يجب أن تنتهي.

يمكن لمصر أن تفاوض.

يمكنها أن تتوسط.

يمكنها أن تستخدم القانون الدولي.

يمكنها أن تبني تحالفاتها الإفريقية.

يمكنها أن تتحرك مع السودان والصومال وإريتريا ودول حوض النيل.

ويمكنها أن تحافظ على شراكتها مع واشنطن.

لكن في النهاية ، يجب أن تكون الرسالة واضحة للجميع:

مصر تريد التنمية لإثيوبيا ، لكنها لن تقبل الهيمنة على النيل.

وهذه ليست دعوة إلى الحرب.

بل هي دعوة إلى امتلاك القوة التي تجعل الحرب آخر الخيارات، وليس الخيار الوحيد.

لأن أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه أي دولة في عالم مضطرب هو أن تخلط بين السلام والضعف ، أو بين الدبلوماسية والتنازل.

السلام الحقيقي يحتاج إلى قوة تحميه.

والدبلوماسية الفعالة تحتاج إلى أوراق تسندها.

أما إذا فشلت كل أدوات السياسة، وبدأت دولة ما بالفعل في فرض أمر واقع يمس الأمن المائي المصري، فعندها لن يكون السؤال: هل تريد مصر استخدام القوة؟

بل سيكون السؤال الأصعب :

إلى أي مدى يمكن أن تسمح دولة لنفسها بأن تُدفع إلى الزاوية قبل أن تضطر إلى تغيير قواعد اللعبة؟

وهنا ، في تقديري ، تكمن أخطر نقطة في أزمة النيل الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى