مقالات

أمريكا تفتح النار مالياً على إيران .. وبنك مصر يدخل دائرة الاستهداف عبر بوابة الإمارات

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

الموضوع هذه المرة يبدو مختلفاً ، لأن الولايات المتحدة لا تتعامل مع الملف باعتباره مجرد مخالفة مصرفية عابرة ، وإنما كجزء من حملة أوسع لإحكام الخناق المالي على إيران ، واستهداف كل القنوات التي تعتقد واشنطن أنها يمكن أن تُستخدم في نقل الأموال أو الالتفاف على العقوبات الأمريكية.

وزارة الخزانة الأمريكية اتخذت إجراءات تستهدف عمليات بنك مصر في الإمارات ، بهدف تقييد وصول الوحدة المصرفية إلى النظام المالي الأمريكي، وذلك على خلفية اتهامات أمريكية بمعالجة معاملات مرتبطة بشبكات مالية إيرانية خاضعة للعقوبات.

ووفق ما أوردته تقارير إعلامية دولية ، من بينها رويترز ، فإن السلطات الأمريكية تقول إن وحدة بنك مصر في الإمارات قامت خلال الفترة من يناير 2024 وحتى يونيو 2026 بمعالجة معاملات تقترب قيمتها من 1.8 مليار دولار لصالح شركات يُشتبه في ارتباطها بشبكات مصرفية ظلية إيرانية.

وهنا تحديداً يجب التوقف ، لأن الرقم وحده كفيل بأن يوضح حجم المسألة من وجهة النظر الأمريكية. نحن لا نتحدث عن تحويل صغير أو معاملة منفردة يمكن اعتبارها خطأ إدارياً، وإنما عن حجم تعاملات كبير ، وفي ملف شديد الحساسية بالنسبة لواشنطن ، وهو ملف العقوبات على إيران.

لكن السؤال الأهم: ماذا يعني عملياً تقييد وصول بنك مصر في الإمارات إلى النظام المالي الأمريكي؟

المسألة ليست مجرد عقوبة معنوية أو تحذير سياسي ، لأن الإجراءات التي تستهدف قدرة مؤسسة مصرفية على التعامل مع النظام المالي الأمريكي يمكن أن تفرض قيوداً كبيرة على طبيعة تعاملاتها الدولية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمراسلة المصرفية والتحويلات التي تمر عبر مؤسسات مالية أمريكية أو ترتبط بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهذا بطبيعة الحال قد يفرض تحديات تشغيلية على البنك وعلى بعض العملاء والشركات التي تعتمد على خدماته في التحويلات والتجارة الدولية، وإن كان حجم التأثير الفعلي سيعتمد على نطاق الإجراء الأمريكي وطريقة تطبيقه والاستثناءات التي قد تتضمنها القرارات.

وهنا تحديداً أعتقد أن من المهم جداً أن يترك المتخصصون في العمل المصرفي والمراسلة البنكية الدوليّة مساحة للتوضيح، لأن هناك فرقاً كبيراً بين القول إن بنكاً “تم استهدافه” وبين القول إن جميع تعاملاته أو جميع عملائه أصبحوا ممنوعين تلقائياً من التعامل مع النظام المالي العالمي. التفاصيل الفنية في مثل هذه القرارات مهمة للغاية ، وأحياناً تكون أهم من العنوان السياسي نفسه.

لكن سياسياً واستراتيجياً ، الصورة أكبر من بنك مصر وحده.

الولايات المتحدة تنظر إلى إيران باعتبارها تمتلك شبكة واسعة من القنوات المالية غير المباشرة التي تساعدها على تجاوز العقوبات والحصول على العملات الأجنبية وتمويل التجارة ونقل الإيرادات. ولذلك فإن واشنطن لا تكتفي باستهداف المؤسسات الإيرانية نفسها ، وإنما تتحرك بصورة متزايدة ضد الوسطاء والشركات والبنوك الموجودة في دول أخرى إذا اعتقدت أنها تلعب دوراً في تسهيل هذه العمليات.

وهذا يفسر لماذا يظهر اسم الإمارات في هذا الملف بصورة متكررة.

الإمارات مركز مالي وتجاري عالمي، وموقعها الجغرافي وعلاقاتها التجارية الواسعة مع مختلف دول المنطقة والعالم جعلتها تاريخياً واحدة من أهم مراكز إعادة التصدير والتجارة والتمويل في الشرق الأوسط. وهذه الميزة نفسها تجعلها ، في الوقت ذاته، هدفاً طبيعياً لرقابة أمريكية شديدة عندما يتعلق الأمر بشبكات الالتفاف على العقوبات الإيرانية.

ولذلك ، فإن توقيت استهداف وحدة بنك مصر في الإمارات بالتزامن مع إجراءات أمريكية أخرى ضد كيانات مرتبطة بإيران  في دبي وهونج كونج يستحق الانتباه.

تقارير دولية تحدثت كذلك عن فرض عقوبات أمريكية على المدير العام لفرع بنك ملي الإيراني في دبي وعلى شركة مقرها هونج كونج، بدعوى المشاركة في أنشطة مالية ساعدت جهات إيرانية خاضعة للعقوبات. وعندما تضع هذه الإجراءات جنباً إلى جنب، يصبح من الصعب التعامل معها باعتبارها وقائع منفصلة تماماً ؛ فالرسالة الأمريكية تبدو واضحة: واشنطن تريد ملاحقة الشبكة، وليس فقط الأسماء الإيرانية الموجودة في نهايتها.

وهنا تظهر نقطة شديدة الحساسية بالنسبة لمصر.

إذا كانت الولايات المتحدة ترى أن بعض المعاملات مرت عبر بنك مصر في الإمارات، فالسؤال الطبيعي الذي يجب أن يُطرح هو: هل كان البنك يعلم طبيعة الأطراف النهائية لهذه المعاملات؟ وهل كانت هناك شركات أو أطراف وسيطة أخفت حقيقة ارتباطها بشبكات إيرانية؟ وهل يتعلق الأمر بثغرات في إجراءات الامتثال ومكافحة غسل الأموال والعقوبات ، أم أن السلطات الأمريكية تعتبر أن هناك علماً أو تسهيلًا متعمداً؟

هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها من خلال منشور على مواقع التواصل الاجتماعي ، ولا يجوز افتراض إجابتها مسبقاً. والأهم ألا يتحول الاتهام الأمريكي إلى إدانة شعبية أو إعلامية للبنك قبل ظهور التفاصيل الرسمية الكاملة.

بل إن وجود الإجراء الأمريكي على وحدة بنك مصر في الإمارات تحديداً يفتح باباً لتحليل آخر : لماذا الوحدة الموجودة في الإمارات؟ وهل العمليات محل التحقيق كانت مرتبطة بطبيعة السوق الإماراتية وشبكات التجارة الموجودة هناك؟ أم أن هناك منظومة من الوسطاء والشركات التي استخدمت بيئة التجارة والتمويل في الإمارات للوصول إلى النظام المصرفي الدولي؟

وهذه النقطة مهمة جداً ، لأن تحميل بنك مصر وحده المسؤولية السياسية عن شبكة مالية عابرة للحدود قد يكون تبسيطاً مخلًا للمشهد.

وفي المقابل ، لا ينبغي أيضاً التعامل مع العقوبات الأمريكية باستخفاف. الولايات المتحدة عندما تستخدم وزارة الخزانة وأدوات العقوبات المالية، فإنها تضرب في نقطة حساسة للغاية بالنسبة لأي مؤسسة مصرفية تعمل في التجارة الدولية، لأن الدولار وشبكات المراسلة المصرفية المرتبطة بالنظام المالي الأمريكي ما زالت تمثل جزءًا أساسياً من البنية المالية العالمية.

والأخطر من العقوبة نفسها هو احتمال توسع دائرة التدقيق.

فإذا قررت واشنطن تشديد إجراءاتها ضد المؤسسات التي تسهّل التعاملات المرتبطة بالجهات الإيرانية المدرجة على قوائم العقوبات، فإن البنوك والشركات الأخرى التي تتعامل مع الأطراف محل الشبهة ستصبح مضطرة إلى إعادة فحص معاملاتها وعلاقاتها المصرفية بصورة أكثر صرامة. وهنا يمكن أن يتحول الأمر من مشكلة تخص مؤسسة واحدة إلى ملف امتثال مصرفي واسع يحتاج إلى مراجعة دقيقة.

لكن يجب الحذر من القفز إلى استنتاجات من نوع أن “بنوك مصر كلها مهددة” أو أن “النظام المصرفي المصري أصبح تحت العقوبات”. هذا استنتاج أكبر بكثير من المعلومات المتاحة حاليا، ولا يوجد ما يبرره لمجرد استهداف وحدة مصرفية بعينها.

المسألة في رأيي تحتاج إلى قراءة هادئة بعيداً عن التهويل، لأن مصر تحديداً ليست في حاجة إلى الدخول في أي صدام مالي دولي لا يخدم مصالحها. القاهرة لديها علاقات واسعة ومعقدة مع الولايات المتحدة والإمارات ودول الخليج، وفي الوقت نفسه لديها علاقات دبلوماسية واقتصادية مع إيران، ولذلك فإن أي ملف يتعلق بتحويلات مالية أو عقوبات أمريكية يمكن أن يصبح شديد الحساسية إذا لم تتم إدارته باحترافية.

واللافت أن واشنطن تبدو وكأنها تحاول تحويل العقوبات على إيران من سياسة تستهدف إيران مباشرة إلى منظومة ضغط على البيئة المحيطة بها. بمعنى آخر : الرسالة لم تعد فقط “إيران ستُعاقب”، وإنما أصبحت أقرب إلى “كل من يساعد إيران على تجاوز العقوبات سيدفع الثمن أيضاً.

وهذه نقطة جوهرية في فهم السياسة الأمريكية الحالية.

فإذا كانت إدارة ترامب تريد بالفعل فرض عزلة اقتصادية ومالية أكثر صرامة على طهران، فإنها تحتاج إلى إغلاق مسارات الالتفاف على العقوبات، وهذه المسارات بطبيعتها لن تكون داخل إيران فقط، وإنما ستمتد إلى مراكز مالية وتجارية مثل دبي وهونج كونج وغيرها.

ومن هنا ، فإن استهداف بنك مصر في الإمارات يجب أن يُقرأ باعتباره جزءاً من معركة أكبر بكثير من مجرد خلاف حول مجموعة معاملات مصرفية.

وفي الوقت نفسه ، فإن مصر لديها مصلحة مباشرة في معرفة الحقيقة كاملة، ليس دفاعًا عن مؤسسة بعينها فقط، وإنما لحماية النظام المصرفي المصري من أي تداعيات محتملة. إذا كان هناك طرف ثالث استغل حسابات أو خدمات مصرفية في الإمارات لإجراء معاملات مرتبطة بشبكات إيرانية، فيجب تحديده بدقة. وإذا كانت هناك ثغرات في إجراءات الفحص والامتثال، فيجب علاجها. وإذا كانت هناك ملابسات أخرى، فيجب أن تظهر للرأي العام من خلال الجهات الرسمية المختصة.

أما الدخول في لعبة الاتهامات والتخمينات فلن يخدم أحداً.

والأهم من كل ذلك أن الأجهزة المصرية المعنية ستحتاج بالتأكيد إلى التعامل مع الملف بمنتهى الجدية، ليس لأن العقوبات الأمريكية تعني بالضرورة وجود خطر مباشر على البنوك المصرية الأخرى، وإنما لأن أي ملف يتعلق بالعقوبات الإيرانية والتحويلات الدولية والدولار والمراسلة المصرفية يمكن أن يتطور بسرعة إذا لم تتم السيطرة عليه وفهمه من جذوره.

وفي المقابل ، فإن الإمارات نفسها أمام اختبار مهم ، لأن تكرار ظهور شركات وكيانات موجودة على أراضيها في ملفات العقوبات الأمريكية المرتبطة بإيران يعني أن واشنطن تراقب البيئة المالية والتجارية الإماراتية عن قرب. وهذا لا يعني بالضرورة أن الإمارات متورطة كدولة في هذه العمليات ، لكنه يعني أن بعض شبكات الالتفاف على العقوبات تحاول استخدام البيئة التجارية والمالية الموجودة فيها ، وهو ما يضع السلطات الإماراتية أمام مسؤولية أكبر في تشديد الرقابة وملاحقة أي كيانات تستغل النظام المالي والتجاري في عمليات مخالفة.

وفي النهاية، الرسالة التي يجب أن تصل إلى الجميع بسيطة: الولايات المتحدة عندما تدخل في حرب عقوبات مالية لا تنظر فقط إلى من يحمل الجنسية الإيرانية أو إلى المؤسسة الموجودة داخل إيران، وإنما تلاحق حركة الأموال نفسها، ومن يمررها، ومن يسهلها، ومن يوفر لها الغطاء المصرفي أو التجاري.

ولذلك فإن الموضوع ليس “بنك مصر ضد أمريكا”، ولا ينبغي تقديمه بهذه الصورة السطحية.

الموضوع في جوهره صراع أمريكي ـ إيراني على المال ومساراته، وتدخل فيه شبكات مالية وشركات ومؤسسات موجودة في دول متعددة، وقد يجد بنك أو شركة نفسها داخل هذا الصراع إذا مرت عبرها معاملات اعتبرتها واشنطن جزءًا من منظومة الالتفاف على العقوبات.

والذي قد يفعله الأمريكيون ضد إيران هو شأنهم، لكن مصر ليست في حاجة إلى أن يدفع نظامها المصرفي أو اقتصادها ثمن أخطاء أو عمليات قام بها آخرون.

القاعدة هنا يجب أن تكون واضحة : من يريد الالتفاف على العقوبات الأمريكية ، فلا ينبغي أن يستخدم المؤسسات المصرية  أو الإماراتية كطريق لذلك ، لأن فاتورة الخطأ في هذه الملفات لا يدفعها فقط من ارتكب العملية ، وإنما قد تدفعها المؤسسة التي مرت عبرها الأموال أيضاً.

وبالتالي، قبل إطلاق الأحكام، نحتاج إلى معرفة التفاصيل كاملة: من هم أصحاب هذه الشركات؟ من هم المستفيدون الحقيقيون؟ كيف مرت التحويلات؟ ما الذي كان البنك يعرفه؟ وما الإجراءات التي اتخذها عندما ظهرت إشارات الخطر؟

لأن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان الأمر مجرد ثغرة امتثال مصرفي يمكن احتواؤها، أم أن هناك ملفًا أكبر بكثير قد يمتد إلى شبكة من المؤسسات والوسطاء.

وفي كل الأحوال، الرسالة الأهم لمصر الآن هي: لا أحد يريد أن يجد نفسه طرفاً بالوكالة في معركة العقوبات الأمريكية على إيران، ولا أن تتحول مؤسساته المالية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران.

إيران لها حساباتها، وأمريكا لها حساباتها، والإمارات لها مسؤولياتها، لكن مصر في النهاية لديها مصالحها الوطنية التي يجب أن تظل فوق أي حساب آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى