زيارة مدير الـCIA لموسكو.. هل بدأت واشنطن وموسكو إعادة رسم خريطة الصراع؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
جملة “تاريخ المخابرات بيتكتب قدامكم” التي قالها دانيال، الشخصية التي جسدها الفنان شريف منير في فيلم «ولاد العم»، قد تبدو للمشاهد العادي مجرد جملة درامية قوية صاغها السيناريو لإضفاء حالة من التشويق على الأحداث ، لكن بالنسبة لمن ينظر إلى العلاقات الدولية من زاوية مختلفة ، وخصوصاً من خلال تداخل السياسة مع الدراسات الأمنية والاستخباراتية، فالجملة تحمل معنى أعمق بكثير.
لأن جزءًا كبيراً من الصراع بين الدول لا يحدث أمام الكاميرات، ولا يُعلن في البيانات الرسمية ، ولا يظهر بالضرورة في نشرات الأخبار. هناك دائماً مساحة رمادية تتحرك فيها أجهزة الاستخبارات، وقنوات الاتصال غير المعلنة ، والرسائل السرية ، والمفاوضات التي لا يعرف الرأي العام عنها شيئاً إلا بعد سنوات ، وربما لا يعرف عنها شيئاً على الإطلاق. وفي هذه المساحة تحديدًا تُصنع أحياناً قرارات تستطيع فيما بعد أن تغير شكل الإقليم أو تعيد رسم موازين القوى.
ومن هنا تأتي أهمية الزيارة التي قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى روسيا.
دعونا نتوقف لحظة عند المشهد نفسه: مسؤول بهذا المستوى من الولايات المتحدة يتوجه إلى روسيا في ظل واحدة من أكثر مراحل التوتر تعقيداً بين موسكو وواشنطن منذ عقود. مجرد حدوث اتصال من هذا المستوى لا يعني تلقائياً وجود صفقة سرية، ولا يعني أن الطرفين أصبحا حليفين ، ولا يعني أن الخلافات الاستراتيجية بينهما انتهت. لكن في علم السياسة، مجرد فتح قناة اتصال بهذا المستوى يحمل في حد ذاته دلالة سياسية وأمنية لا يمكن تجاهلها.
وهنا يجب أن نفصل بين «العداء» و«انعدام المصالح المشتركة». الدول الكبرى قد تتصارع في ملفات، وتفرض عقوبات على بعضها، وتتنافس عسكرياً وسياسياً ، وفي الوقت نفسه تجد نفسها مضطرة إلى التواصل عندما تصل تكلفة الصراع إلى مرحلة يصبح فيها ضبطه ضرورة استراتيجية.
هذه واحدة من أهم قواعد العلاقات الدولية: الدول لا تتحرك دائماً وفقًا لمبدأ الصداقة والعداء ، وإنما وفقًا لمعادلة المصالح وتقدير المخاطر وتكلفة البدائل.
وبالتالي ، فإن السؤال الأهم بالنسبة لي ليس: لماذا ذهب مدير المخابرات الأمريكية إلى روسيا؟
السؤال الأكثر أهمية هو : ما الذي أصبح يستدعي أن يتحدث الطرفان مباشرة، وعلى هذا المستوى، في هذه اللحظة تحديداً ؟
وهنا تبدأ القراءة الحقيقية للمشهد.
إذا وضعنا الحرب الروسية الأوكرانية في جانب ، والتطورات المرتبطة بإيران والشرق الأوسط في جانب آخر، سنجد أن هناك ملفين شديدي الحساسية يمكن أن يشكلا مساحة للتفاهم أو على الأقل لإعادة ترتيب الأولويات بين موسكو وواشنطن.
في أوكرانيا، نحن أمام حرب تجاوزت بكثير فكرة الصراع العسكري المباشر بين طرفين. الحرب أصبحت جزءًا من صراع أوسع على الأمن الأوروبي ، وعلى مستقبل حلف الناتو ، وعلى طبيعة النظام الأمني في القارة ، وعلى حدود النفوذ الروسي والأمريكي.
وفي المقابل ، فإن ملف إيران والشرق الأوسط يحمل هو الآخر مجموعة من الحسابات شديدة التعقيد بالنسبة إلى الولايات المتحدة وروسيا. فواشنطن تريد منع تهديدات معينة لمصالحها وحلفائها، بينما موسكو تنظر إلى المنطقة باعتبارها جزءًا من معادلة نفوذها العالمي وموقعها في النظام الدولي.
وهنا تظهر المفارقة.
قد تختلف الولايات المتحدة وروسيا جذريًا حول مستقبل أوكرانيا، وقد تتواجهان سياسيًا وعسكريًا بصورة غير مباشرة، لكن هذا لا يمنع أن تكون لديهما مصلحة مشتركة في منع بعض السيناريوهات الأكثر خطورة من الانفلات.
وهذا هو الفارق بين «التفاهم» و«التحالف».
التفاهم لا يعني أن الطرفين أصبحا صديقين، وإنما يعني أن كليهما أدرك أن هناك نقطة معينة يصبح عندها استمرار الصراع بالشكل نفسه أكثر تكلفة من محاولة إدارته.
وهذه النقطة تحديداً هي التي تجعل قنوات الاستخبارات بالغة الأهمية.
الدبلوماسية الرسمية غالباً ما تتحرك أمام الرأي العام وتخضع لقيود سياسية وإعلامية كبيرة ، بينما تستطيع الأجهزة الاستخباراتية في بعض الحالات أن توفر مساحة أكثر مرونة لاختبار الأفكار ، وتبادل الرسائل، وقياس ردود الأفعال، وطرح السيناريوهات التي قد يكون من الصعب طرحها علناً.
ولهذا فإن زيارة من هذا النوع لا ينبغي قراءتها باعتبارها حدثاً منفصلًا، وإنما باعتبارها «إشارة» داخل منظومة أكبر من الإشارات.
قد تكون الرسالة مرتبطة بأوكرانيا، وقد تكون مرتبطة بإيران، وقد تكون مرتبطة بالاثنين معاً ، وقد تتجاوزهما إلى قضايا أخرى مثل ضبط التصعيد ، أو منع سوء التقدير ، أو إدارة المخاطر الاستراتيجية بين قوتين نوويتين.
والأهم أن هناك حقيقة يجب ألا نغفل عنها : الحروب الكبرى لا تنتهي دائمًا لأن طرفًا قرر أنه انتصر بالكامل، وإنما قد تنتهي عندما يصل الطرفان إلى قناعة بأن تحقيق «النصر الكامل» أصبح أكثر تكلفة من قبول صيغة أقل من أهدافهما الأصلية.
وهنا أصل إلى نقطة أعتقد أنها شديدة الأهمية.
روسيا والولايات المتحدة، كل منهما ينظر إلى نفسه باعتباره قوة عظمى ، وبالتالي فإن التراجع غير المحسوب أمام الخصم ليس مجرد قرار عسكري ؛ بل يمكن أن يتحول إلى مشكلة سياسية واستراتيجية وداخلية أيضاً.
ولهذا فإن أصعب سؤال في أي حرب كبرى ليس فقط: كيف نحقق النصر؟
بل: كيف نعلن انتهاء الحرب دون أن يبدو الأمر وكأننا خسرنا؟
وهذه النقطة قد تكون مفتاحًا لفهم ما يمكن أن يحدث في المرحلة المقبلة.
إذا كانت هناك بالفعل محاولات لإعادة ترتيب العلاقة بين موسكو وواشنطن في بعض الملفات، فإننا قد نكون أمام تغيير تدريجي في مفهوم «النصر» نفسه. بمعنى أن النصر ربما لن يعني تحقيق جميع الأهداف التي أُعلنت في بداية الحرب ، وإنما الوصول إلى وضع تستطيع فيه كل دولة أن تقول لجمهورها إنها حققت جزءًا أساسياً من مصالحها، وفي الوقت نفسه تستطيع التعايش مع النتائج الجديدة دون الانزلاق إلى مواجهة أكبر.
وهنا تدخل العلاقات الدولية في واحدة من أكثر مناطقها تعقيداً : «إدارة الخسارة باعتبارها مكسباً نسبياً».
الدولة لا تحتاج دائماً إلى الحصول على كل ما تريد حتى تعتبر نفسها حققت نجاحاً استراتيجياً. أحياناً يكفي أن تمنع خصمك من تحقيق هدفه بالكامل، أو أن تخرج من الأزمة مع الحفاظ على جزء جوهري من مصالحك ، أو أن تمنع سيناريو كان يمكن أن يكون أكثر خطورة.
وهذا هو جوهر مفهوم الردع.
الردع ليس معناه أن تمنع الحرب فقط، وإنما أن تجعل الطرف الآخر يعيد حساباته قبل أن يتخذ خطوة جديدة. ولذلك فإن أي تغيير في قواعد الاشتباك أو في قنوات الاتصال أو في طبيعة التفاهمات بين القوى الكبرى يمكن أن يؤدي إلى إعادة تشكيل «معادلة الردع» بأكملها.
ومن هنا أعتقد أن علينا أن نراقب المرحلة المقبلة بعين مختلفة.
لا ينبغي أن ننتظر بالضرورة إعلاناً صريحاً عن «صفقة كبرى» بين موسكو وواشنطن ، لأن التحولات الاستراتيجية الحقيقية لا تبدأ دائماً بإعلان كبير. أحياناً تبدأ باتصال، ثم زيارة، ثم رسالة، ثم تغيير محدود في موقف ، ثم تنازل محسوب هنا ، وإعادة تموضع هناك، وبعد عدة أشهر نكتشف أن قواعد اللعبة نفسها قد تغيرت.
وهذا تحديداً ما يجعل العمل الاستخباراتي مختلفاً عن السياسة التي نراها على شاشات التلفزيون.
في السياسة العلنية نرى التصريحات.
في السياسة السرية نحاول فهم ما وراء التصريحات.
وفي الدراسات الأمنية لا يكفي أن تسأل: ماذا قال المسؤول؟
الأهم أن تسأل: لماذا قاله الآن؟ ولماذا بهذه الصياغة؟ وما الذي لم يقله؟ وما الذي تغير في سلوك الدولة قبل التصريح وبعده؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل تحليل العلاقات الدولية أكثر من مجرد متابعة للأخبار.
ومن وجهة نظري ، فإن المشهد الحالي قد يكون مقدمة لمرحلة يجري فيها إعادة تعريف بعض قواعد الصراع بين القوى الكبرى، خصوصاً إذا تزامنت التحركات المرتبطة بروسيا وأوكرانيا مع التطورات المتعلقة بإيران والشرق الأوسط.
لكن يجب أن نكون حذرين جداً هنا: لا يمكن القفز من وجود اتصال أو زيارة استخباراتية إلى استنتاج وجود اتفاق سري محدد. هذا سيكون تحليلًا متسرعًا. ما نستطيع قوله هو أن مستوى الاتصال نفسه يستحق المتابعة ، لأن توقيته في بيئة دولية شديدة التعقيد قد يكون مؤشراً على أن هناك ملفات أصبحت تحتاج إلى إدارة مباشرة بين الطرفين.
وهنا تعود جملة «تاريخ المخابرات بيتكتب قدامكم» إلى الواجهة من جديد.
فالتاريخ لا يُكتب فقط في ساحات المعارك، ولا فقط في غرف اجتماعات الرؤساء، وإنما أحياناً يبدأ في غرفة مغلقة، حول طاولة صغيرة ، بين أشخاص لا تظهر أسماؤهم في عناوين الصحف ، ثم تظهر نتائجه بعد ذلك بسنوات في شكل اتفاق سياسي أو تغيير في التحالفات أو إعادة رسم لمعادلة الردع.
وهنا تحديداً تكمن متعة العلاقات الدولية عندما تتقاطع مع الدراسات الأمنية ؛ لأنك لا تكتفي بأن تعرف «ماذا حدث»، وإنما تحاول أن تفهم «لماذا حدث الآن» ، وما هي المصالح التي تقف خلفه ، وما السيناريوهات التي يمكن أن تنتج عنه.
وقد يكون ما نراه اليوم مجرد زيارة واتصال ، وقد يكون بداية مسار أكبر.
لكن المؤكد أن المرحلة المقبلة تستحق مراقبة دقيقة، لأن أي إعادة ترتيب حقيقية في العلاقة بين موسكو وواشنطن لن تتوقف آثارها عند حدود روسيا أو أوكرانيا أو الولايات المتحدة ، وإنما يمكن أن تمتد إلى الشرق الأوسط وإيران وأوروبا ، وربما إلى شكل النظام الدولي نفسه.
وفي النهاية ، السياسة الدولية لا تمنحك الإجابات كاملة أمام عينيك.
هي تعطيك إشارات.
ومهمتك أن تجمع الإشارات ، وتفككها ، وتقارنها بالسلوك ، ثم تحاول أن تستشرف ما يمكن أن يأتي بعدها.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.



