ابداعات

مدينة الظلام

لجين سامح

في مدينتي التي ولدت فيها، كان الناس يتحدثون عن أسطورة تدعى الشمس، ” الغضب الإلهي”، الذي يأتي مرة كل عام.
يصطف الناس ويصلون، يتلون الأدعية، ويبتهلون .. في الليلة التي تسبق الشمس.

لا يعلمون من هذه الحياة غير أنهم يعيشون في الظل، أسفل الأرض، مع القوارض، الحشرات..
ولا نتغذى على غيرهم. حتى أصابتنا مجاعة بعد عقد من الزمن، وصارت كل أم تأكل ولدها، تخزنه في التراب، وتقتات عليه العائلة يومًا بعد الآخر. ليضطروا إلى الولادة من جديد.

قوم لا يعرفون الأيام، ولا يدركون أن هناك بشر ما على هذه الأرض، يمشون فوق رؤوسنا، يتحدثون بلغات عديدة، يرقصون ويحزنون، يبكون ويدعون، يغنين ويكتبون ويقرأن، وينشأن المنازل والبنيان
.
همست لي أمي ذات يوم، بأن هناك مخطوطة مخبأة أسفل فراشي، لم أعلم ما هي المخطوطة، لكنها شرحت لي بأنني سأعلمها حين أراها.
كان ورقًا أصفرًا باهتًا، عليه رسوم، رجال أمثال أبي يقفون في وجه الشمس، وتمتد من حولهم مساحات شاسعة، تتراكم فوق بعضها البعض، وبعض الأشياء الغريبة التي علمت لاحقًا أنها زهور.

لم أفهم شيئًا لكن عيناي اتسعتان على آخرهما، وبدأ التخطيط بداخلي، في اليوم الذي تشرق فيه الشمس، سأخرج للخارج.
لم تحاول أمي منعي، بل ارتأت ذلك، رأت في عيني تلك الحماسة، وذلك الاستنكار الغريب لكل أفعال ما يسمون بالبشر في هذه المدينة. شجعتني، حملت لي بعض القوارض التي كانت تخبئها أسفل فراشها، أعطتني الماء من الينبوع المقدس – الذي علمت لاحقًا أنه بئر-، أخبرتني ألا أخبر أحدًا إطلاقًا، ألا أستخدم أي لغة، ألا أرفع صوتي أو أخفضه، أو أشير بيدي.

أن أتظاهر بأنني أبتهل، وأذهب نحو الينبوع، وأحفر للخارج. في عمق صلاتهم، دون أن يلحظ أحد.
وكان الغد هو يوم اللعنة، والشمس تلقي بالضوء على سقف مدينتنا، وأنا أتجه نحو السطع، أحفر بيدي، أحفر وأحفر، حتى شعرت بيد تشد قدماي. رجل من القرية، رجل أشبه بالوحش، أخذ يصرخ وإذا بالمدينة أكملها تلتف حولي، وتشد قدماي، سيأكلونني حيًا إن لم أستطع الخروج، فكرت في حيلة، ألقيت لهم كل القوارض التي معي، حتى اجتمعوا حولها مثل الوحوش، وانطلقت أنا، وما هو إلا وقت قليل حتى لاحظو الأمر وبدأو يصعدون لاجتراري. لكن الشمس كانت حلمي. ولم أكن لأترك حلمي ليذهب أدراج الرياح، خطوة تلو الأخرى، واقترب، تتعرق يدي، أشعر بالحماس والخوف في آن واحد، أجتر قدمي..
أصعد، وأصعد.

ووصلت إلى السطح، وحين حفرت الحفرة الأخيرة امتدت الشمس بين الزوايا، امتدت، وسقطت على رؤوسهم. وحينها تراجعوا،صرخوا، وابتهلوا، وبين لحظة وأخرى كنت أنا بالخارج، عاريًا أمام الشمس، فوق السطح، والألوان تتماوج من حولي، لم أكن أعرف أن هناك في هذا العالم ألوانًا غير ألوان التراب والقوارض.
كنت واقفًا مثل الرجل في المخطوطة، ولأول مرة شعرت بشفتي تنفرجان، وأسناني تظهر، كنت أبتسم. وصرخت عاليًا..

عدة مرات، وجريت نحو الشمس، جريت طويلًا، حتى أدركت مياهًا لا تنفذ، أمواجًا لا تهدأ، وتوقفت سفينة – ما علمت تلك المسميات إلا بعد ذلك-، كان هناك من هم مثلي بملابس تسترهم، يتحدثون، يضحكون ويبتسمون، اختبأت خلف شجرة.

لكن رجلًا لاحظني، ” طرزان؟ أهذا حقيقي؟” لم أفهم كلمة مما يقول، لكنه خلع ردائه ومده نحوي، وضعه على جسدي وأحكم غلقه، سرت في قشعريرة باردة.
أخفاني خلف شجرة أخرى وعاد إلى السفينة، حمل طعامًا ومياه وعاد إلي، كنت جائعًا، كنت أخشى من كل شيء، لكن الشمس كانت تبتسم لي من بعيد. ذقت طعامًا لم أذق مثله قط، كان حلوًا، كان رائعًا، كان لديه طعم.. شعرت بدغدة على لساني.

جاء الرجل بقدر يحمل الماء، وألقاه على جسدي، فتساقط الطين من عليه، وظهر جلدي، ظهر.. ملمس آخر، غير الذي كنت ألمسه طوال عمري.

في ذلك اليوم خبأني الرجل في غرفته في السفينة، ودعني أختصر لك كل التجارب التي عشتها لأول مرة في هذه السفينة، كل العجب الذي نالني، إلا أن ذلك الرجل.. علمني كيف أكتب، وكيف أقرأ، وكيف أرتدي الثياب، وكيف أطبخ، الآن أنا كاتب.

أكتب تلك القصة التي لن يصدقها أحد، أعيش في الطابق الثاني في منزل في مدينة كبيرة، وأحتسي القهوة.
وعلمت متأخرًا بعد خمسة أعوام على السطح، أن هناك في هذه المدينة من هم مثل مدينتي تمامًا، يخشون أن يذهبوا نحو الغد، يبتهلون مخافة كل تغيير، ويأخذون بتلابيب من يحاول أن يبحث عن الحياة، اختلفت اللغة، والمدينة، والطعام، والملابس، لكن البشر لا يتغيرون.
البشر لا يتغيرون..

طويت الأوراق وذهبت للمشي في الخارج، قرب النهر، وجال بخاطري والدتي، التي لا بد أنها أكلت، سقطت مني دمعة، وشعرت ثانية .. بأنني كنت بطلًا، بطلًا ذهب مثل الأساطير نحو الشمس ولم يعد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى