مقالات

العقوبات البريطانية على إسرائيل .. إنقلاب سياسي أم لعبة المصالح الخفية؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

للوهلة الأولى ، قد يبدو المشهد وكأن بريطانيا وإسرائيل دخلتا في مواجهة سياسية غير مسبوقة ، خصوصاً بعد إعلان لندن فرض حزمة من الإجراءات العقابية المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما أعقب ذلك من رد إسرائيلي حاد شمل إجراءات ضد الوجود البريطاني في القدس الشرقية، وإنهاء بعض برامج التعاون مع السلطة الفلسطينية، وفرض قيود على دخول عدد من المسؤولين البريطانيين.

وهنا سارعت بعض التغطيات العربية إلى تقديم المشهد باعتباره بداية انقلاب أوروبي على إسرائيل، أو تمهيداً لمواجهة واسعة بين لندن وتل أبيب. لكن المشكلة أن العلاقات الدولية لا تُقرأ بهذه الطريقة المباشرة، ولا يمكن اختزالها في معادلة بسيطة تقول: “بريطانيا عاقبت إسرائيل إذن بريطانيا انقلبت على إسرائيل”.

السياسة الدولية أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، لأن الدولة عندما تتخذ قراراً خارجياً لا تتحرك عادة وفق موقف واحد ، وإنما وفق شبكة من المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية والداخلية، وقد تستطيع في الوقت نفسه أن تعارض سياسة معينة لحليف، بينما تحافظ على جوهر التحالف معه.

وهذا تحديداً هو ما يجب أن نفهمه عند قراءة القرار البريطاني الأخير.

فالعقوبات البريطانية، وفق الطرح الوارد في هذا الملف، لا تستهدف إسرائيل كدولة، وإنما تركز على المستوطنات والتوسع الاستيطاني والجهات التي تدعم هذا النشاط. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن هناك فرقاً سياسياً وقانونياً واستراتيجياً بين أن تفرض بريطانيا عقوبات على دولة إسرائيل ، وبين أن تتخذ إجراءات ضد الاستيطان باعتباره سياسة تراها مخالفة للقانون الدولي أو مهددة لإمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلًا.

والأهم من ذلك أن العلاقات التجارية والأمنية بين بريطانيا وإسرائيل لم تتوقف بمجرد إعلان هذه الإجراءات. فلا توجد هنا قطيعة شاملة، ولا إعلان عن إنهاء العلاقات الثنائية، ولا انتقال بريطاني إلى سياسة مواجهة مفتوحة مع إسرائيل.

وبالتالي فإن القراءة الأكثر واقعية للمشهد ليست أن بريطانيا قررت التخلي عن إسرائيل ، وإنما أن لندن تحاول رسم حدود معينة لسياستها تجاه الحكومة الإسرائيلية، من دون أن تهدم الإطار الاستراتيجي الأوسع للعلاقة بين البلدين.

وهذه نقطة يجب أن نتوقف أمامها طويلًا.

فبريطانيا ليست دولة عابرة في تاريخ القضية الفلسطينية، ولا يمكن قراءة سياستها الحالية بمعزل عن الدور التاريخي الذي لعبته في صياغة كثير من الوقائع التي شكلت المنطقة خلال القرن العشرين. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس: هل بريطانيا انقلبت على إسرائيل؟ وإنما: لماذا اختارت بريطانيا الآن أن ترفع مستوى اعتراضها على الاستيطان، مع إبقاء العلاقة مع إسرائيل قائمة؟

الإجابة الأقرب إلى المنطق السياسي أن لندن تحاول الفصل بين إسرائيل كحليف ودولة ذات علاقات استراتيجية معها، وبين بعض سياسات الحكومة الإسرائيلية التي أصبحت تمثل عبئًا سياسيًا وأمنيًا ودبلوماسياً على حلفائها الغربيين.

وهنا يظهر البعد الأوروبي.

فالتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية ليس مجرد ملف عقاري أو نزاع على أراضٍ ، وإنما يرتبط مباشرة بمستقبل ما يسمى “حل الدولتين”. وكلما توسعت المستوطنات وتغيرت الخريطة الديموغرافية والجغرافية للضفة، أصبح قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة من الناحية العملية.

وبالتالي فإن اعتراض بريطانيا على الاستيطان لا يعني بالضرورة أنها أصبحت في مواجهة مع إسرائيل، بقدر ما يعني أنها تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من البيئة السياسية التي تسمح للغرب بالاستمرار في الحديث عن حل الدولتين.

وهنا تحديداً تصبح العقوبات ذات دلالة سياسية أكبر من قيمتها الاقتصادية المباشرة.

فمن غير الواقعي الاعتقاد أن حظر بعض منتجات المستوطنات، أو فرض قيود على جهات مرتبطة بالاستيطان ، سيجعل إسرائيل تتراجع فجأة عن مشروعها الاستيطاني. إسرائيل دولة تملك قوة عسكرية وسياسية واقتصادية كبيرة ، والاستيطان بالنسبة إلى قطاعات مؤثرة داخل السياسة الإسرائيلية ليس مشروعاً هامشياً يمكن إسقاطه بمجرد عقوبات محدودة.

لكن الرسالة السياسية أهم من العقوبة نفسها.

الرسالة تقول إن بريطانيا لا تريد أن تتحمل سياسياً مسؤولية مسار قد يؤدي في النهاية إلى دفن حل الدولتين بالكامل.

وهنا نصل إلى نقطة أكثر حساسية تتعلق بالولايات المتحدة والرئيس دونالد ترامب.

فغياب اعتراض أمريكي واضح على الخطوة البريطانية لا يعني تلقائيًا أن واشنطن قررت الوقوف ضد إسرائيل، كما أن الصمت الأمريكي لا ينبغي تفسيره باعتباره إعلاناً عن تحول جذري في السياسة الأمريكية تجاه تل أبيب.

السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل أكثر تعقيداً من مجرد بيانات التأييد أو الاعتراض.

وقد يكون الصمت في بعض اللحظات جزءًا من إدارة سياسية للمشهد؛ بحيث تستطيع واشنطن أن تقول إنها تدعم أمن إسرائيل وعلاقاتها الاستراتيجية معها ، وفي الوقت نفسه تترك مساحة لحلفائها الأوروبيين لاتخاذ إجراءات تعبر عن رفضهم لبعض السياسات الإسرائيلية.

وهذا يسمح للولايات المتحدة بالحفاظ على صورتها كطرف قادر على الحديث عن السلام، بينما تستمر علاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل.

وهنا تظهر إحدى أكثر قواعد السياسة الدولية قسوة: أحياناً لا تحتاج الدولة إلى اختيار أحد طرفي الصراع بالكامل، بل تحتاج فقط إلى إدارة المسافة بين الطرفين بما يحافظ على مصالحها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الموقف البريطاني والأمريكي بصورة مختلفة تماماً.

فلا بريطانيا تبدو مستعدة للتخلي عن علاقتها الاستراتيجية بإسرائيل، ولا الولايات المتحدة تبدو مستعدة للانقلاب على حليفها الأهم في الشرق الأوسط، لكن في الوقت نفسه هناك إدراك متزايد بأن استمرار بعض السياسات الإسرائيلية ، وعلى رأسها التوسع الاستيطاني ، قد يخلق أزمة استراتيجية أكبر للحلفاء الغربيين أنفسهم.

لأن المشكلة هنا ليست فقط في الأراضي التي يتم الاستيلاء عليها، وإنما في النتائج السياسية المترتبة على ذلك.

إذا أصبحت إقامة دولة فلسطينية مستقلة أمراً شبه مستحيل بحكم الأمر الواقع ، فإن الخطاب الغربي التقليدي بشأن حل الدولتين سيفقد معناه تدريجياً. وعندها لن تكون المشكلة الفلسطينية مجرد نزاع مفتوح بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإنما أزمة دولية ممتدة تمس شرعية النظام الإقليمي كله، وتضع الدول الغربية أمام مسؤوليات سياسية وقانونية وأخلاقية أكبر.

وهذا يفسر جانباً من الغضب العربي تجاه التوسع الاستيطاني، كما يفسر ترحيب عدد من الدول العربية بأي ضغط غربي على إسرائيل في هذا الملف.

لكن الخطأ هو الاعتقاد بأن هذا الضغط وحده قادر على تغيير الواقع.

إسرائيل بدورها تدرك أن العقوبات الأوروبية أو البريطانية ، حتى لو اتسعت ، ليست بالضرورة تهديداً وجودياً لها. ولذلك فإن الرد الإسرائيلي القوي على بريطانيا يمكن قراءته باعتباره رسالة موجهة إلى لندن ، وإلى بقية العواصم الأوروبية في الوقت نفسه.

الرسالة ببساطة : لا تحولوا الضغط السياسي إلى مسار جماعي أوروبي.

لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه إسرائيل ليس عقوبة منفردة من دولة أوروبية ، وإنما انتقال مجموعة من الدول الأوروبية إلى سياسة موحدة تستخدم أدوات اقتصادية ودبلوماسية وقانونية بصورة متزامنة.

وهنا يصبح الرد الإسرائيلي جزءًا من معركة ردع سياسي، وليس مجرد رد فعل غاضب على بريطانيا.

إسرائيل تريد أن تمنع تحول الخلافات الأوروبية معها إلى قاعدة جديدة في العلاقات الدولية ، ولذلك فإن الضغط على بريطانيا يمكن أن يحمل رسالة لبقية الدول : تكلفة اتخاذ خطوات مشابهة قد تكون مرتفعة.

لكن هناك بعداً آخر أكثر أهمية في السياسة الإسرائيلية الحالية، وهو محاولة تكريس واقع إقليمي جديد تكون فيه إسرائيل صاحبة اليد العليا في محيطها.

فما يحدث في الضفة الغربية، وما يرتبط بالجولان، وما يجري في جنوب لبنان ، وما يرتبط بالملف السوري والإيراني ، لا يمكن دائماً النظر إليه باعتباره ملفات منفصلة.

هناك تصور استراتيجي إسرائيلي أوسع يقوم على إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل ، بحيث تصبح الدولة العبرية صاحبة قدرة أكبر على فرض الوقائع الميدانية، ثم تحويل هذه الوقائع بمرور الوقت إلى حقائق سياسية يصعب التراجع عنها.

وهنا تأتي تصريحات بنيامين نتنياهو بشأن الجولان والمناطق الاستراتيجية في سوريا ، وكذلك إصراره على استمرار المواجهة مع إيران ، في سياق أوسع من مجرد التصعيد العسكري.

فالحروب ، في حسابات الدول ، لا تُقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال ، وإنما بما يمكن تحقيقه من تغييرات سياسية وجغرافية وأمنية خلالها.

ولهذا فإن الحرب بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية قد تكون أيضاً فرصة لإعادة ترتيب أوراق الإقليم ، وفرض ترتيبات جديدة على لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية ، بما يخلق واقعاً مختلفاً عن الواقع الذي كان قائمًا قبل اندلاع هذه المواجهات.

أما على المستوى الداخلي الإسرائيلي، فإن تبني خطاب أمني متشدد ومواجهة الخصوم الإقليميين يمكن أن يتحول كذلك إلى ورقة سياسية داخلية ، خصوصاً عندما تصبح القضايا الأمنية في مقدمة اهتمامات الناخب الإسرائيلي.

ومن هنا يجب ألا نقرأ كل خطوة إسرائيلية باعتبارها رد فعل على حدث واحد، وإنما باعتبارها جزءًا من عملية سياسية واستراتيجية أكبر.

وفي النهاية ، فإن العقوبات البريطانية على المستوطنات ليست بالضرورة علامة على انهيار العلاقة البريطانية الإسرائيلية، كما أنها ليست دليلًا قاطعاً على انقلاب أوروبا على إسرائيل.

وفي المقابل ، فإن الرد الإسرائيلي على بريطانيا لا يعني أن تحالفات الغرب مع إسرائيل انهارت.

الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك.

نحن أمام مرحلة تحاول فيها الدول الغربية الحفاظ على تحالفاتها مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه منع بعض السياسات الإسرائيلية من الوصول إلى نقطة يصبح معها من المستحيل سياسياً إعادة إنتاج صيغة “حل الدولتين”.

وبالنسبة إلى بريطانيا ، هناك أيضاً اعتبارات داخلية لا يمكن تجاهلها؛ فالحكومة البريطانية تتحرك داخل مجتمع شديد التنوع، وفي ظل ضغوط سياسية وشعبية متزايدة بشأن الحرب في غزة والقضية الفلسطينية. وبالتالي فإن اتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه الاستيطان قد يخدم أهدافاً داخلية وخارجية في الوقت نفسه، من دون أن يعني ذلك تغييراً جذرياً في طبيعة العلاقة مع إسرائيل.

وهذا هو جوهر المسألة.

لا تنظر إلى العقوبة وحدها ، وانظر إلى ما لم يحدث أيضاً.

لم تحدث قطيعة دبلوماسية شاملة، ولم تتوقف العلاقات التجارية، ولم تتحول بريطانيا إلى خصم استراتيجي لإسرائيل ، ولم تدخل الولايات المتحدة في مواجهة معها بسبب القرار البريطاني.

إذن نحن لسنا أمام انقلاب كامل، وإنما أمام عملية “إدارة خلاف” داخل المعسكر الغربي.

والخطر الحقيقي لا يكمن في العقوبات البريطانية نفسها، وإنما في التطورات الميدانية التي قد تجعل حل الدولتين غير قابل للتطبيق عمليًا إذا استمر التوسع الاستيطاني وتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية.

وهنا تصبح المسألة أخطر بكثير من مجرد عقوبات أو بيانات إدانة.

لأن التاريخ يعلمنا أن أخطر التحولات الدولية ليست تلك التي تعلنها الدول في المؤتمرات الصحفية ، وإنما تلك التي تتحول تدريجياً إلى حقائق على الأرض، ثم يأتي المجتمع الدولي بعد سنوات ليتعامل معها باعتبارها “أمراً واقعاً”.

ولهذا، فإن قراءة المشهد من زاوية “بريطانيا عاقبت إسرائيل إذن أوروبا انقلبت عليها” قراءة سطحية جداً.

أما القراءة السياسية الأعمق فتقول إن الغرب يحاول حتى الآن الإمساك بالعصا من المنتصف : الحفاظ على إسرائيل كحليف استراتيجي ، مع محاولة وضع حدود لبعض سياساتها التي تهدد المصالح الغربية نفسها، وفي مقدمتها الحفاظ على إمكانية التسوية السياسية ومنع انهيار فكرة الدولة الفلسطينية بصورة نهائية.

وهنا تحديداً يجب أن يكون القلق الحقيقي.

فربما لا تكون العقوبات هي الخبر الأخطر في هذا المشهد ، وإنما السؤال الذي يقف خلفها: ماذا سيحدث إذا استمر تغيير الواقع على الأرض إلى الحد الذي يصبح معه الحديث عن حل الدولتين مجرد شعار سياسي بلا إمكانية تنفيذ؟

عندها لن تكون المشكلة في العقوبات التي فرضتها بريطانيا اليوم، وإنما في واقع جديد قد يصبح أكثر صعوبة على الجميع تغييره غداً.

وفي السياسة الدولية، عندما يتحول الأمر الواقع إلى حقيقة مستقرة، يصبح تغييره أصعب بكثير من منعه في البداية.

وهذه هي النقطة التي يجب أن نراقبها جيداً في المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى