مقالات

حين يلتقي هرمز وباب المندب .. من يملك مفاتيح الحرب ومن يدفع الثمن؟

✍️ يوحنا عزمي

لو سألتني ببساطة .. ماذا يمكن أن يحدث بعد تعطل خط أنابيب النفط السعودي «شرق _ غرب»، وماذا يعني في الوقت نفسه أن تصبح السيطرة على مضيق باب المندب جزءًا من معادلة الصراع الإقليمي؟ فالإجابة لن تكون بسيطة على الإطلاق، لأننا أمام مشهد لم تعد فيه الأحداث منفصلة عن بعضها ، بل بدأت خطوط الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي تتقاطع بطريقة تجعل أي خطأ في الحسابات قابلاً للتحول إلى أزمة أكبر بكثير من حدود المنطقة.

المشكلة الحقيقية ليست في حادث منفرد ، ولا في هجوم هنا أو عملية هناك ، وإنما في اجتماع أكثر من عامل استراتيجي في توقيت واحد. فعندما يتعرض أحد المسارات الرئيسية لنقل النفط السعودي من مناطق الإنتاج في الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر للاضطراب ، فإن التأثير لا يتوقف عند حدود السعودية، لأن أي تهديد لمسارات الطاقة الكبرى ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأسواق العالمية ، وعلى تكلفة النقل والتأمين، وعلى حسابات الدول المستوردة للطاقة.

وهنا تأتي أهمية مضيق باب المندب. فهذا المضيق ليس مجرد   ممر مائي يقع في جنوب البحر الأحمر، وإنما يمثل أحد أهم نقاط الاختناق في حركة التجارة والطاقة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر ثم قناة السويس والبحر المتوسط. ولذلك فإن أي تحول جوهري في مستوى السيطرة أو التهديد داخل هذه المنطقة لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنًا يمنيًا أو سعودياً فقط، بل باعتباره تطوراً يمس أمن الملاحة الدولية.

والأخطر من ذلك أن اجتماع الضغط على مسارات النفط السعودية مع تصاعد التهديدات في باب المندب يخلق معادلة شديدة الحساسية: إذا أصبح أحد المسارات الرئيسية للطاقة تحت الضغط، وأصبح مسار آخر للتجارة العالمية عرضة للتهديد ، فإن هامش المناورة أمام جميع الأطراف يبدأ في الانكماش ، بينما ترتفع في المقابل قيمة الأوراق الاستراتيجية التي يمكن لكل طرف استخدامها في التفاوض.

وهنا تحديدًا تظهر إيران في قلب المشهد ، حتى لو لم تكن هي الطرف الذي ينفذ كل عملية بصورة مباشرة. فطهران تمتلك علاقات ونفوذاً مع أطراف مسلحة في الإقليم، ومن بينها جماعة الحوثيين، وهو ما يمنحها قدرة على التأثير في بيئة أمنية شديدة الحساسية تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.

لكن المسألة لا تتعلق فقط بامتلاك ورقة عسكرية، وإنما بامتلاك ورقة تفاوضية. فإذا استطاعت إيران أن تجعل خصومها يفكرون في مضيق هرمز وباب المندب في الوقت نفسه ، فإنها تكون قد رفعت تكلفة أي مواجهة محتملة معها. وهذه نقطة بالغة الأهمية في فهم السلوك الإيراني، فالقوة في مثل هذه الصراعات لا تقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على جعل الطرف المقابل يدرك أن أي ضربة قد تفتح أبواباً متعددة للرد.

ومن هنا يمكن فهم أهمية التحركات السعودية والباكستانية ومحاولات استخدام الأطر الدفاعية والعلاقات الإقليمية لاحتواء خطر الحوثيين. فالمسألة بالنسبة للرياض ليست مجرد هجمات يمكن تحملها لفترة ثم تجاوزها، وإنما تتعلق بأمن صادرات الطاقة وبقدرة المملكة على الوصول إلى الأسواق العالمية عبر مسارات بديلة وآمنة.

وفي المقابل، فإن باكستان نفسها ليست في وضع يسمح لها بسهولة بالدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران. فالجغرافيا وحدها تفرض على إسلام آباد قدراً كبيراً من الحذر ، إيران دولة جارة، والحدود المشتركة تجعل أي مواجهة مفتوحة ذات تكلفة أمنية وسياسية عالية. ولذلك فإن الدور الباكستاني الأكثر واقعية قد يكون في الوساطة والضغط السياسي ومحاولة منع انتقال الأزمة إلى مواجهة مباشرة بين السعودية وإيران.

وهنا نصل إلى النقطة الأخطر: ماذا تريد السعودية في النهاية؟

من الصعب تصور أن الرياض يمكن أن تقبل بتحول باب المندب إلى ورقة ضغط دائمة على أمنها ومصالحها الاقتصادية. لكن في الوقت نفسه ، فإن الانتقال من مواجهة الحوثيين إلى مواجهة شاملة مع إيران سيكون قراراً مختلفاً تماماً في طبيعته وتكلفته.

فالمشكلة أن أي مواجهة مباشرة مع إيران لن تبقى بالضرورة محصورة في الأراضي الإيرانية. إيران تستطيع استخدام شبكة علاقاتها الإقليمية ، كما يستطيع خصومها استخدام أدواتهم وتحالفاتهم ، وعندها تتحول المنطقة كلها إلى مساحة لتبادل الرسائل العسكرية والاقتصادية.

وهذا تحديداً هو السيناريو الذي يجب أن يقلق الجميع.

لأن الحرب الحديثة لا تحتاج بالضرورة إلى تدمير المدن حتى يشعر بها المواطن في حياته اليومية. يكفي أن ترتفع تكلفة التأمين البحري، وأن تتعطل بعض طرق التجارة ، وأن تضطر السفن إلى تغيير مساراتها، وأن ترتفع أسعار الطاقة والنقل، حتى يبدأ المواطن في دفع فاتورة الصراع وهو جالس في منزله بعيداً آلاف الكيلومترات عن ميادين القتال.

وهنا تحديدًا تظهر مصر في قلب المعادلة ، ليس باعتبارها طرفاً  في الصراع ، وإنما باعتبارها دولة ترتبط مصالحها مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس واستقرار حركة التجارة العالمية.

وأي اضطراب طويل الأمد في البحر الأحمر يمكن أن يدفع المزيد من السفن إلى تجنب المنطقة والبحث عن طرق أطول، وهو ما ينعكس على حركة الملاحة وعلى إيرادات قناة السويس وعلى الاقتصاد المصري. ولذلك فإن القاهرة لديها مصلحة مباشرة في احتواء التصعيد ومنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

لكن يجب أن نكون واقعيين أيضاً : قدرة مصر على الوساطة أو التهدئة مهمة ، لكنها ليست وحدها كافية لحل أزمة بهذا الحجم.

لأننا لم نعد أمام خلاف إقليمي تقليدي بين دولتين ، وإنما أمام تقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية كبرى. الولايات المتحدة لديها حساباتها الخاصة المتعلقة بأمن إسرائيل والطاقة والملاحة والنفوذ الإيراني. والصين لديها مصالح ضخمة مرتبطة بأمن طرق التجارة والطاقة. وروسيا لديها حساباتها الجيوسياسية والاقتصادية.

وأوروبا معنية بصورة مباشرة بأمن الطاقة والتجارة. وإسرائيل بدورها تنظر إلى التحولات في الإقليم باعتبارها جزءًا من معركة أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من يستطيع أن يضرب أكثر؟

السؤال الأهم هو: من يستطيع أن يتحمل تكلفة التصعيد لفترة أطول؟

وهنا تختلف الحسابات تماماً.

قد تمتلك دولة تفوقاً عسكرياً هائلًا، لكنها في الوقت نفسه قد تكتشف أن خصمها يمتلك القدرة على رفع تكلفة الحرب عبر استهداف طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية. وقد تحقق دولة مكاسب تكتيكية في ساحة معينة، لكنها تخسر اقتصادياً وسياسياً على جبهات أخرى.

ولهذا فإن السيطرة على مضيق أو تعطيل خط أنابيب لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره انتصاراً عسكرياً لطرف على آخر، وإنما باعتباره محاولة لإعادة صياغة قواعد التفاوض نفسها.

ومن أخطر ما يمكن أن يحدث أن يعتقد أي طرف أن بإمكانه السيطرة الكاملة على مسار التصعيد. التاريخ أثبت أن الحروب الكبرى كثيراً ما تبدأ بقرار محدود ، ثم تتسع بسبب ردود الفعل المتبادلة، إلى أن يجد الجميع أنفسهم أمام واقع لم يكن أحد يريد الوصول إليه.

والأكثر إثارة للقلق أن هناك طرفاً آخر قد يستفيد سياسياً من انشغال الجميع بهذه المواجهة، ومن انتقال التركيز الدولي من ملف إلى آخر، بينما يستمر في الوقت نفسه في فرض وقائع جديدة على الأرض وتوسيع مشروعاته الاستيطانية وتغيير شكل الصراع تدريجيًا.

وهنا يجب ألا ننظر إلى المشهد باعتباره مجموعة أخبار منفصلة: هجوم على منشأة نفطية، تهديد للملاحة في باب المندب، تحرك سعودي، وساطة باكستانية، حسابات أمريكية، ومواقف إسرائيلية. كل هذه الأحداث عندما توضع فوق بعضها تكشف لنا صورة أكبر بكثير.

الصورة هي أننا أمام صراع على مفاتيح الحركة في المنطقة: الطاقة، والموانئ، والممرات البحرية، والتجارة، والنفوذ السياسي.

ومن يملك القدرة على التأثير في هذه المفاتيح يمتلك ورقة تفاوضية لا يستهان بها.

لكن في المقابل، فإن استخدام هذه الأوراق بصورة مفرطة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً  ، لأن إغلاق الممرات أو تعطيل الطاقة لفترة طويلة لن يؤذي الخصم وحده، وإنما سيؤذي الاقتصاد العالمي بأكمله، وفي مقدمة المتضررين الدول الواقعة على خطوط التجارة والممرات البحرية، ومنها مصر.

لذلك فإن أخطر سيناريو ليس أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن يفقد الجميع القدرة على التحكم في مسار التصعيد.

وعندما تصل الأزمة إلى مرحلة يصبح فيها مضيق هرمز وباب المندب جزءًا من معادلة واحدة، فإن أي مواجهة لن تكون مجرد حرب إقليمية محدودة، بل قد تتحول إلى أزمة اقتصادية وأمنية عالمية ، لأن الشريانين يرتبطان بحركة الطاقة والتجارة الدولية.

ولهذا فإن الهدوء الظاهري في بعض اللحظات لا يعني بالضرورة أن الأزمة انتهت. أحياناً يكون الصمت مرحلة من مراحل إعادة ترتيب الأوراق ، وقد تكون المفاوضات في الكواليس أكثر أهمية من التصريحات العلنية.

وفي تقديري، فإن المرحلة القادمة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة القوى الكبرى على الوصول إلى صيغة تمنع الانفجار الشامل. لأن استمرار التصعيد قد يمنح بعض الأطراف مكاسب تكتيكية مؤقتة، لكنه في النهاية قد يخلق أزمة لا يستطيع أحد التحكم في نتائجها.

أما مصر، فمصلحتها الواضحة هي استمرار التهدئة وحماية أمن البحر الأحمر وضمان انتظام الملاحة في قناة السويس، لأن استقرار هذه المنطقة ليس رفاهية بالنسبة للاقتصاد المصري ، وإنما جزء أساسي من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي.

وفي النهاية، يجب أن نتعامل مع هذه التطورات بعقل بارد، بعيداً عن التهويل أو التبسيط. فالمنطقة بالفعل تمر بمرحلة شديدة الحساسية، لكن ليس كل تصعيد يعني بالضرورة حرباً شاملة، وليس كل تهديد يعني أن المواجهة أصبحت حتمية.

المشكلة الحقيقية أن كثرة الأوراق العسكرية والاقتصادية في يد الأطراف تجعل هامش الخطأ صغيراً جداً.

وفي السياسة الدولية، عندما يصبح هامش الخطأ أضيق من قدرة الأطراف على المناورة، فإن أخطر شيء يمكن أن يحدث ليس أن يقرر أحد إشعال الحرب، وإنما أن يعتقد الجميع أنهم يستطيعون التصعيد قليلًا ثم العودة بسهولة إلى نقطة البداية.

وهذا تحديداً ما يجب أن نخشى منه.

نسأل الله أن تمر هذه المرحلة بأقل قدر ممكن من الخسائر، وأن تدرك القوى المتصارعة أن تكلفة الحرب الحقيقية لا يدفعها السياسيون وحدهم، وإنما يدفعها في النهاية المواطن، والاقتصاد، والتجارة، وأمن المنطقة بأكملها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى