مقالات

ترامب وإيران .. تفاوض تكتيكي أم محاولة للبحث عن مخرج من مستنقع الحرب؟

✍️ يوحنا عزمي

أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، في تصريحاته لوسائل الإعلام اليوم، انفتاحاً على خيار التفاوض مع إيران، أو لنكن أكثر دقة في توصيف ما نُقل عنه ، على استعداد للدخول في مسار تفاوضي جديد، ولكن وفق شروط جديدة يريد أن يضعها بنفسه على طاولة التفاوض.

وهنا تبدأ المسألة الحقيقية التي تتجاوز ظاهر التصريحات إلى ما وراءها من حسابات سياسية واستراتيجية. فالتفاوض ، في حد ذاته ، ليس مفاجئاً في السياسة الدولية ، ولا يعني بالضرورة أن طرفًا ما قرر التراجع عن أهدافه أو إنهاء صراعه مع الطرف الآخر. أحيانًا يكون التفاوض وسيلة لإعادة ترتيب الأوراق، وشراء الوقت، واختبار الخصم، وقياس قدرته على الاستمرار، بل وقد يتحول إلى أداة لإدارة الحرب بدلًا من أن يكون بديلًا عنها.

ومن هذه الزاوية تحديداً ، تبدو تصريحات ترامب بحاجة إلى قراءة أكثر حذراً من التعامل معها باعتبارها إعلاناً نهائياً عن تغيير في موقفه تجاه إيران. فالرجل سبق أن استخدم لغة شديدة الصرامة تجاه طهران، وفي الوقت نفسه لم يغلق تماماً الباب أمام التفاوض، وهو ما يجعل السؤال الأهم ليس : هل يريد ترامب التفاوض مع إيران؟ وإنما: ماذا يريد أن يحصل عليه من هذا التفاوض؟ ومتى يريد الوصول إليه؟ وما الذي يمكن أن يفعله إذا لم يحصل عليه؟

قراءتي الشخصية أن الانفتاح الحالي على التفاوض قد يكون، في جزء منه، محاولة لإدارة المأزق السياسي والعسكري أكثر من كونه تحولاً استراتيجياً مكتملًا في الموقف الأمريكي. فالدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران ليس قراراً بسيطاً يمكن التعامل معه باعتباره ضربة عسكرية محدودة تنتهي خلال أيام، لأن إيران ليست ساحة مفتوحة بلا أدوات للرد، كما أن أي مواجهة معها يمكن أن تمتد آثارها إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر وممرات الطاقة والتجارة الدولية ، فضلًا عن احتمال اتساع دائرة المواجهة بصورة يصعب التحكم في مساراتها.

ولهذا فإن التفاوض قد يمنح ترامب شيئاً بالغ الأهمية في هذه المرحلة: الوقت.

والوقت في الصراعات الكبرى ليس مجرد عامل زمني، وإنما ورقة سياسية بحد ذاته. فهو يسمح بإعادة ترتيب الحسابات، وامتصاص الضغوط ، واختبار الموقف الإيراني ، ومحاولة بناء تصور أكثر وضوحاً لما يمكن أن تؤول إليه الحرب إذا استمرت، وما الذي يمكن أن يحدث إذا انتقلت إلى مسار تفاوضي.

وهنا تدخل الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي في الحسابات السياسية، باعتبارها محطة داخلية شديدة الأهمية بالنسبة للإدارة الأمريكية. فالنتيجة التي ستخرج بها الانتخابات يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في هامش الحركة السياسية الذي يمتلكه ترامب، وفي طبيعة الضغوط التي سيتعرض لها داخل واشنطن، وفي قدرته على الاستمرار في سياسات خارجية مكلفة سياسياً وعسكرياً.

ومن ثم، فإن استمرار الحديث عن التفاوض حتى اقتراب تلك المحطة الانتخابية يمكن قراءته باعتباره محاولة لإبقاء أكثر من باب مفتوح في الوقت نفسه؛ باب للتصعيد إذا فرضت الظروف ذلك، وباب للتفاوض إذا أصبح الاتفاق أكثر ملاءمة للمصلحة السياسية الأمريكية.

لكن المشكلة بالنسبة لترامب أن الحرب مع إيران، إذا تحولت إلى مواجهة مفتوحة ، لن تكون بالضرورة حرباً يستطيع التحكم في توقيتها ونهايتها بالشكل الذي يريده. فالولايات المتحدة تستطيع أن تبدأ حرباً ، لكنها لا تستطيع دائماً أن تضمن كيف ستنتهي، ولا تستطيع أن تحدد بمفردها حجم ردود الفعل التي قد تنتج عنها.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة.

ترامب الذي جعل من فكرة القوة الأمريكية عنصراً أساسياً في خطابه السياسي، قد يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: إما أن يحقق نتيجة سياسية واضحة من الحرب والتصعيد، وإما أن يجد نفسه مضطراً للبحث عن مخرج تفاوضي يحفظ له أكبر قدر ممكن من القدرة على تقديم ما حدث باعتباره نتيجة لشروطه وضغوطه، وليس باعتباره تراجعاً تحت ضغط الواقع.

ولذلك فإن الحديث عن التفاوض لا ينبغي أن يُقرأ بالضرورة باعتباره اعترافًا بالهزيمة، كما لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مقدمة مؤكدة لحرب جديدة. الأرجح أن التفاوض نفسه أصبح جزءًا من إدارة الصراع، وأن كل طرف يحاول استخدامه لتحسين موقعه قبل أن يقرر إلى أين يتجه بعد ذلك.

ترامب يريد، على الأرجح، اتفاقاً يستطيع أن يقدمه للرأي العام الأمريكي باعتباره إنجازاً سياسياً ، بينما تريد إيران تجنب اتفاق يفرض عليها شروطاً تمس قدرتها على حماية مصالحها وأمنها ونفوذها الإقليمي. وبين هذين السقفَين المتعارضين، تصبح طاولة التفاوض نفسها ساحة صراع ، لا مجرد مكان لتبادل الأوراق والاقتراحات.

والأهم من ذلك أن إيران ليست بالضرورة مضطرة إلى التعامل مع التفاوض باعتباره فرصة لتقديم تنازلات مجانية. فمن الطبيعي أن تدخل أي مفاوضات وهي تحاول استثمار أوراق القوة التي تملكها، خصوصاً إذا كانت ترى أن الطرف المقابل يحتاج إلى مخرج سياسي من التصعيد بقدر حاجته إلى تحقيق أهدافه المعلنة.

وهنا يصبح السؤال: من الذي يحتاج إلى التفاوض أكثر؟

هذا السؤال قد يكون أهم بكثير من سؤال: من الذي دعا إليه أولًا؟

ففي الصراعات الدولية، قيمة التفاوض لا تتحدد فقط بما يقوله المتفاوضون على الطاولة، وإنما بحجم الأوراق التي يحملها كل طرف خارجها.

أما مسألة أن ترامب قد يقلب مائدة التفاوض ويتجه إلى حرب واسعة إذا شعر أنه يمتلك غطاءً سياسياً داخلياً أكبر، فهي تبقى احتمالًا تحليلياً وليست حقيقة يمكن الجزم بها. لكن هذا الاحتمال يظل حاضراً في أي قراءة للمشهد ، لأن الإدارة الأمريكية ستظل مضطرة إلى الموازنة بين أهدافها الخارجية وتكاليفها السياسية والعسكرية الداخلية.

وهنا لا يمكن تجاهل تجربة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، التي طالما استخدمها ترامب نفسه في انتقاد إدارة جو بايدن، واعتبرها نموذجاً على الطريقة التي يمكن أن تتحول بها نهاية الحرب إلى أزمة سياسية وصورة محرجة للولايات المتحدة. والمفارقة أن أي نهاية غير محسوبة للصراع مع إيران يمكن أن تضع ترامب نفسه أمام الاختبار ذاته الذي استخدمه سابقاً في انتقاد سلفه : كيف تنهي حرباً بدأت بحديث عن القوة والردع، من دون أن تتحول نهايتها إلى اعتراف سياسي بأن الواقع فرض عليك ما لم تكن تريده؟

وهذه ربما هي العقدة الأكبر في المشهد كله.

ترامب لا يبحث فقط عن كيفية إدارة الحرب، وإنما عن كيفية الخروج منها إذا أصبح استمرارها أكثر كلفة من نتائجها. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن أصعب مرحلة في أي حرب ليست دائماً لحظة اتخاذ قرار البدء ، وإنما لحظة البحث عن نهاية يمكن لكل طرف أن يقدمها لجمهوره باعتبارها نتيجة مقبولة.

ولهذا فإنني لا أتعامل مع تصريحات ترامب الأخيرة باعتبارها إعلاناً نهائياً عن السلام، ولا باعتبارها مجرد خدعة مؤكدة، وإنما باعتبارها ورقة سياسية في صراع لا تزال ملامح نهايته غير محسومة.

قد يكون التفاوض بالفعل باباً لتسوية ، وقد يكون وسيلة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الحسابات ، وقد يكون مرحلة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التصعيد. وكل ذلك سيتوقف على ما سيحدث في الميدان، وعلى قدرة كل طرف على تحمل كلفة استمرار المواجهة، وعلى شكل الموقف الأمريكي الداخلي خلال المرحلة المقبلة.

لكن المؤكد أن إيران نجحت في تحويل المواجهة من معادلة تبدو في ظاهرها قائمة على تفوق القوة العسكرية الأمريكية إلى معادلة أكثر تعقيداً ، أصبح فيها حساب تكلفة الحرب ، وتكلفة استمرارها، وتكلفة إنهائها ، جزءًا من المعركة نفسها.

وهنا قد تكون المفارقة الكبرى: الرجل الذي دخل الصراع وهو يريد فرض شروطه على إيران ، قد يجد نفسه في النهاية مضطراً إلى التفاوض حول شروط الخروج من الصراع ذاته.

وفي السياسة الدولية، أحيانًا لا تكون المشكلة في كيفية الدخول إلى الحرب، وإنما في كيفية العثور على باب للخروج منها دون أن يتحول الانتصار المعلن إلى هزيمة سياسية عند لحظة الحساب الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى