مقالات

تحذيرات نووية في إيران واستنفار إسرائيلي .. هل أقتربت ساعة الصفر

بقلم : يوحنا عزمي

هناك تطورات إقليمية تستحق التوقف أمامها طويلاً ، ليس لأنها مجرد أخبار عسكرية عابرة ، ولكن لأنها قد تحمل في طياتها مؤشرات على انتقال الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً، وهي مرحلة لا تتعلق فقط بتبادل الضربات أو توجيه رسائل عسكرية متبادلة، وإنما باحتمالات اتساع المواجهة إلى مستوى يصعب احتواؤه، وربما يمتد تأثيره إلى دول المنطقة بأكملها.

ما لفت انتباهي في التطورات الأخيرة ليس مجرد ارتفاع حدة التهديدات المتبادلة ، وإنما طبيعة الإجراءات والتحذيرات التي يجري الحديث عنها داخل إيران وإسرائيل في الوقت نفسه. فحين تبدأ دولة في توجيه تعليمات لمواطنيها تتعلق بكيفية التصرف في حال وقوع انفجار نووي، وفي المقابل تتخذ دولة أخرى إجراءات استثنائية لتجهيز المستشفيات وفتح الملاجئ ، فإننا نكون أمام تطور يستحق قراءة سياسية وعسكرية تتجاوز العناوين الإخبارية المباشرة.

أولاً : لماذا تبث إيران تعليمات تتعلق بالتعامل مع ضربة نووية؟

بحسب ما ورد في المعلومات المتداولة بشأن التحذيرات التي بثها التلفزيون الإيراني ، جرى توجيه تعليمات للمواطنين حول كيفية التصرف في حال وقوع انفجار نووي ، تضمنت مجموعة من الإجراءات الوقائية ، من بينها:

– عدم النظر مباشرة إلى الوميض الضوئي الناتج عن الانفجار، والاحتماء خلف حاجز مناسب، والانبطاح أرضاً مع تغطية الرأس والوجه.

– بعد مرور موجة الانفجار، يجب التوجه إلى أقرب مبنى آمن، وعدم البقاء في الشوارع لمشاهدة الحدث أو تصويره، مع تجنب الاحتماء داخل السيارات والابتعاد عن النوافذ والجدران الخارجية.

– الاعتماد على المياه المعبأة والأطعمة المغلفة، والاستعداد للبقاء داخل الملجأ لمدة لا تقل عن 24 ساعة، مع الانتقال إلى مكان أكثر أماناً إذا تعرض المبنى للحريق أو ظهرت مؤشرات على احتمال انهياره.

– عدم افتراض أن الخطر انتهى بمجرد مرور 24 ساعة، لأن آثار التلوث الإشعاعي قد تستمر لفترة أطول، وبالتالي يجب الالتزام بالتعليمات الرسمية وعدم مغادرة أماكن الاحتماء إلا وفق إرشادات الجهات المختصة.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: بث تعليمات الاستعداد للطوارئ لا يعني بالضرورة أن ضربة نووية أصبحت وشيكة أو أن قراراً باستخدام السلاح النووي قد اتُخذ بالفعل، لكنه يعكس على الأقل أهمية الاستعداد لسيناريو بالغ الخطورة، إذا ثبت أن هذه التعليمات صدرت بالفعل في السياق المشار إليه.

ثانياً : ماذا يحدث داخل إسرائيل؟

في المقابل، تبرز مجموعة من الإجراءات المنسوبة إلى السلطات الإسرائيلية، تتعلق بالاستعداد لاحتمال تصعيد عسكري مع إيران وحزب الله، ومن بينها الحديث عن إخلاء مواقف السيارات في المستشفيات الكبرى وتحويلها إلى مساحات مخصصة لأقسام الطوارئ، إلى جانب توجيهات للبلديات في شمال إسرائيل بفتح الملاجئ وتجهيزها تحسباً لاحتمال اندلاع مواجهة واسعة.

وهنا تظهر نقطة تستحق الانتباه: لماذا تتزامن إجراءات الاستعداد المدني في إسرائيل مع الحديث عن استعدادات إيرانية لسيناريوهات تتضمن انفجارات نووية؟

من الناحية التحليلية، لا يمكن اعتبار هذا التزامن دليلًا قاطعاً على أن الطرفين يمتلكان معلومات مؤكدة عن موعد ضربة وشيكة، لكنه يكشف عن مستوى القلق الذي قد تكون وصلت إليه الحسابات الأمنية لدى الجانبين، وعن إدراك متزايد بأن أي مواجهة مقبلة قد لا تظل محصورة في نطاق الاشتباكات التقليدية.

ثالثاً : هل هناك سيناريو لضربة تستهدف إيران بأسلحة غير تقليدية؟

هذه هي النقطة الأكثر حساسية في المشهد كله.

تتحدث بعض الروايات والتحليلات عن معلومات استخباراتية إسرائيلية تتعلق بتطورات في القدرات العسكرية الإيرانية، وعن ضغوط تمارسها إسرائيل على الإدارة الأمريكية لاتخاذ إجراءات عسكرية أكثر حسماً ضد طهران، بما في ذلك استهداف منشآت استراتيجية وقدرات عسكرية حساسة.

لكن يجب هنا عدم الخلط بين ما يمكن اعتباره معلومات استخباراتية متداولة، وبين ما ثبت رسمياً أو جرى تأكيده من مصادر مستقلة. فالحديث عن ضغوط إسرائيلية على واشنطن لا يثبت أن الولايات المتحدة اتخذت قراراً باستخدام السلاح النووي، كما أن طرح سيناريو استخدام أسلحة محرمة دولياً يظل احتمالًا بالغ الخطورة لا يجوز التعامل معه باعتباره قراراً محسوماً دون أدلة موثوقة.

ومع ذلك، فإن جوهر المسألة لا يتوقف عند نوع السلاح الذي يمكن استخدامه، وإنما يرتبط بطبيعة الرد الإيراني المحتمل إذا تعرضت الدولة لضربة واسعة تستهدف منشآتها العسكرية أو بنيتها الاستراتيجية.

فإيران لا تنظر إلى أي هجوم واسع باعتباره مجرد عملية عسكرية محدودة، بل قد تتعامل معه باعتباره تهديداً مباشراً لقدرتها على البقاء والحفاظ على توازن الردع، وهو ما يفتح الباب أمام خيارات انتقامية متعددة.

رابعاً : لماذا قد يكون الخليج في قلب المواجهة؟

هنا نصل إلى أخطر نقطة في الحسابات الإقليمية.

أي مواجهة واسعة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لن تكون بالضرورة مواجهة محصورة جغرافياً بين طهران وتل أبيب. فالجغرافيا العسكرية والسياسية للمنطقة تجعل دول الخليج جزءًا من معادلة التصعيد، سواء بسبب وجود منشآت عسكرية أمريكية، أو المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، أو أهمية الممرات البحرية ومنشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية.

ومن ثم، فإن اتساع المواجهة قد يضع دول الخليج أمام تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة، خصوصاً إذا امتدت التهديدات إلى القواعد العسكرية أو المنشآت النفطية أو المطارات والموانئ أو خطوط الملاحة البحرية.

والأخطر أن أي تصعيد متبادل قد يؤدي إلى توسيع دائرة الأهداف، بحيث لا تظل المواجهة محصورة في المنشآت العسكرية، بل تتأثر بها المنشآت المدنية والاقتصادية، وهو سيناريو ستكون له تداعيات مباشرة على حياة ملايين المواطنين وعلى استقرار الاقتصاد الإقليمي.

أما الاعتقاد بأن غياب تحذيرات خليجية مماثلة يعني وجود ضمانات بأن الضربة الأولى ستكون حاسمة أو أن دول الخليج تمتلك معلومات مؤكدة عن طبيعة الضربة المحتملة، فهو استنتاج لا يمكن الجزم به دون أدلة. فلكل دولة حساباتها الأمنية وتقديراتها الخاصة، كما أن اختلاف مستوى التحذيرات العلنية لا يعني بالضرورة اختلاف مستوى الاستعداد الفعلي.

خامساً : لماذا تستعد إسرائيل للملاجئ إذا كانت الضربة الأمريكية المفترضة ستحسم المواجهة؟

هذا السؤال تحديداً يكشف جوهر المعضلة الإستراتيجية.

إذا افترضنا أن هناك سيناريو لضربة أمريكية واسعة تستهدف القدرات الإيرانية، فهل يعني ذلك بالضرورة أن إيران لن تكون قادرة على الرد؟

الإجابة ليست بهذه البساطة.

فحتى في حال تعرض إيران لضربة عسكرية شديدة، لا يمكن افتراض أن جميع قدراتها الصاروخية أو العسكرية ستُدمر، أو أن منظومة القيادة والسيطرة ستفقد قدرتها بالكامل، أو أن كل أدوات الرد الإقليمي ستختفي في اللحظة نفسها.

فالدول التي بنت قدراتها العسكرية على مبدأ الانتشار وتعدد وسائل الرد والاعتماد على منصات متحركة ومواقع متفرقة، يصعب ضمان تحييد جميع قدراتها بضربة واحدة.

ومن هنا ، فإن الاستعداد الإسرائيلي لفتح الملاجئ وتجهيز المستشفيات يمكن تفسيره باعتباره إجراءً احترازياً في مواجهة احتمال تعرض الجبهة الداخلية لهجمات صاروخية أو تصعيد متعدد الجبهات ، وليس بالضرورة دليلاً على معرفة مسبقة بقرار نووي أمريكي أو توقع مؤكد لرد إيراني بعينه.

بمعنى آخر، حتى لو بدأت المواجهة بضربة أمريكية أو إسرائيلية واسعة، فإن السؤال الحقيقي لن يكون فقط: ما حجم الضرر الذي ستتعرض له إيران؟ وإنما أيضاً: ما القدرات التي ستظل لديها بعد الضربة، وما طبيعة الرد الذي يمكن أن تلجأ إليه؟

سادساً : مصر تدرك أن اتساع الصراع لن يكون شأناً إيرانياً إسرائيلياً فقط

في ظل هذه التطورات، تكتسب الدعوات المصرية إلى تجنيب المنطقة مزيداً من المعاناة ومنح شعوبها الأمل في حياة أفضل أهمية خاصة.

فمصر تنظر إلى أي تصعيد واسع في المنطقة باعتباره تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي، وليس مجرد خلاف عسكري بين أطراف متصارعة.

والحسابات المصرية هنا تتجاوز حدود المواجهة المباشرة، فاندلاع حرب واسعة قد ينعكس على أمن البحر الأحمر ، وحركة الملاحة الدولية ، وأسواق الطاقة ، والاستثمارات ، والاستقرار الاقتصادي، فضلًا عن احتمالات اتساع دوائر التوتر في أكثر من ساحة إقليمية.

ومن هذا المنطلق ، فإن تجنب الحرب لا يمثل مجرد موقف دبلوماسي تقليدي، وإنما يرتبط بحماية مصالح الدول العربية ومنع انتقال المنطقة إلى مرحلة من الفوضى الأمنية يصعب احتواء آثارها.

هل نحن أمام مواجهة محدودة أم بداية انفجار إقليمي؟

ما ينبغي الانتباه إليه هو أن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس بالضرورة وقوع ضربة عسكرية بعينها، وإنما احتمالات سوء التقدير المتبادل.

فقد يعتقد طرف أن ضربته ستكون حاسمة ومحدودة، بينما يراها الطرف الآخر تهديداً وجودياً يستوجب رداً واسعاً. وقد يبدأ التصعيد بهدف فرض شروط تفاوضية جديدة، لكنه يتحول بفعل الحسابات الخاطئة إلى مواجهة مفتوحة لا يملك أي طرف السيطرة الكاملة على مسارها.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

إيران قد تستعد لأسوأ الاحتمالات، وإسرائيل قد ترفع مستوى استعداد جبهتها الداخلية، والولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام حسابات عسكرية وسياسية معقدة، بينما تظل دول الخليج معرضة لتداعيات أي انفجار إقليمي ، حتى وإن لم تكن طرفًا مباشراً في قرار الحرب.

أتمنى ألا تتحول المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية، وأن تدرك جميع الأطراف أن تكلفة الحرب لن يتحملها صانعو القرار وحدهم، بل ستدفع الشعوب ثمنها من أمنها واقتصادها واستقرارها ومستقبل أجيالها.

فالخطر الحقيقي ليس فقط أن تبدأ الحرب، وإنما أن تبدأ في لحظة يعتقد فيها كل طرف أنه قادر على التحكم في نهايتها، ثم يكتشف الجميع أن الأمور خرجت بالفعل عن السيطرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى