مقالات

ماذا يجري في منطقة الشرق الأوسط

✍️ يوحنا عزمي

يجب ان يكون ماثلا في اعتبارنا ما يلي :

أولاً : ان إستمرار تهديد الحوثيين اليمنيين لسلامة وانتظام حركة الملاحة العالمية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن ، يوفر الذريعة المطلوبة لاستمرار تحويل حركة الملاحة العالمية من قناة السويس إلي طريق رأس الرجاء الصالح ، وهو ما يعتبره الأمريكيون وشركاؤهم الأوروبيون وشركات الملاحة الدولية الكبري في العالم ، البديل الوحيد المتاح أمام ناقلات نفطهم وسفن شحنهم التجارية العملاقة ، إلي ان يتم تهيئة الظروف التي تسمح بتنفيذ مشروعين دوليين كبيرين كبديل دائم لقناة السويس وهما :

أولاً. مشروع الممر البري التجاري الذي سوف يربط الهند بالشرق الأوسط واوروبا ، وتشارك فيه حتي الآن ثلاث دول خليجية وعربية هي السعودية ودولة الإمارات العربية والأردن ، هذا إلي جانب الهند وإسرائيل .. وتكون هذا المشروع من ممرين رئيسيين هما الممر الشرقي ويربط الهند بدول الخليج العربي ، والممر الشمالي الذي يربط دول الخليج باوروبا عبر الأردن وإسرائيل .. وتم الإعلان عنه في سبتمبر ٢٠٢٣ خلال اجتماع مجموعة العشرين في نيو دلهي وتقود الولايات المتحدة هذا المشروع البري العملاق تدعمها فيه مجموعة دول الإتحاد الأوروبي.

أما ما جعل الأمريكيين والأوروبيين يتحمسون له ، فهو أنه فضلاً عن أنه يربط آسيا بأوروبا ، فإنه سوف يتفوق علي مبادرة الحزام والطريق الصينية ويسلبها قوة الدفع فيها ، وهو ما يمكن ان يحد كثيرا من نفوذ الصين الاقتصادي والتجاري حول العالم ، وبالأخص في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وليصبح العمود الفقري الجديد للتجارة الدولية القائمة علي سلاسل التوريد العالمية .. وقد رصدت إدارة الرئيس الأمريكي بايدن أربعين مليار دولار كاسهام منها في نفقات تنفيذه خلال السنوات القادمة.

وأما المشروع الثاني الذي يخططون لتنفيذه لإخراج قناة السويس من الصورة ، فهو مشروع قناة بن جوريون الإسرائيلية بطول مائة وستين مبلا وتربط إسرائيل بالبحر الأبيض المتوسط بخليج العقبة ومنه بالبحر الأحمر والمحيط الهندي ، ولتشكل بذلك حلقة الوصل بين آسيا واوروبا.

ومشروع قناة بن جوريون هو المشروع الذي تحمس له الأمريكيون والأوروبيون بعد حادثة جنوح سفينة الشحن العملاقة ايفر جرين في قناة السويس بانحرافها عن مسارها، وترتب علي جنوحها إغلاق القناة ستة أيام في وجه الملاحة العالمية والتجارة الدولية ، وعندها برزت فكرة احياء مشروع قناة بن جوريون كبديل آمن لقناة السويس.

ومن هنا ، وبفعل كل تلك المتغيرات الإقليمية والدولية وبعضها لم يكن متوقعا ، فإنه يصبح من مصلحة أمريكا وإسرائيل بشكل خاص ، ان تستمر المشاغبات الحوثية لحركة الملاحة العالمية في البحر الأحمر لبعض الوقت ما دام ان تلك المشاغبات سوف تظل تحت السيطرة ولن تتجاوز حدودا معينة ، وحتي يبدو أمام العالم ان التحول عن قناة السويس كاحد أهم شرايين التجارة العالمية ان لم تكن اهمها اطلاقا ، لم يكن مخططا او متعمداً ، وانما حدث بفعل عوامل لا إرادية املتها وفرضتها متغيرات الظروف .. وهذا التطور السلبي بالنسبة لمصر ، هو تحول إيجابي في نفس الوقت بالنسبة لأمريكا وإسرائيل لأسباب مهمة للغاية سوف نوضحها في هذا المقال ولولا خطورة الموضوع لما شغلت نفسي بكل هذه التفاصيل التي تكمل بعضها بعضا.

ثانياً : ان عملية طوفان الأقصي التي أطلقتها حماس في السابع من اكتوبر الماضي وفرت لإسرائيل الذريعة التي تحتاجها أمام العالم لتدمير غزة تدميراً شاملا بحرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي تشنها إسرائيل عليها لتهجير سكانها قسريا او بأي وسيلة ضغط نفسي أخري كالتجويع والحصار وقطع كل وسائل وشرايين الحياة الطبيعية عنهم لتتحول غزة بعدها إلى مدينة
غير قابلة للحياة .. وهو ما يعتبر مطلبا مهما للإسرائيليين ولداعميهم الأمريكيين لكي يتمكنوا من شق قناة بن جوريون الجديدة في غزة ، ولن يكون ذلك ممكنا إلا بأخلاء غزة من سكانها واحتلال موانئها احتلالاً كاملا ودائما.

وبدون إخلاء غزة وتفريغها تماما من شعبها ، فإن تنفيذ المشروع البحري البديل لقناة السويس لن يكون ممكنا ، وسوف يتعثر ويتأخر بل وقد لا يجد طريق إلي التنفيذ إلي مدي غير معلوم .. وهذا هو ما يفسر السبب وراء الشراسة المتناهية التي تتعامل بها اسرائيل
مع أهل غزة لترويعهم ولارغامهم علي النزوح منها إلي خارجها.

كما يفسر من ناحية أخري تصميم إدارة الرئيس الأمريكي بايدن علي تمكين الإسرائيليين بمساعداته العسكرية والمالية الهائلة لهم علي مواصلة الحرب والتصويت في مجلس الأمن الدولي ضد وقفها قاصدة من ذلك إزالة أية معوقات يمكن ان تعرقل تنفيذ هذا المشروع الذي بات ينتظر التنفيذ والذي لا بد ان يكون للولايات المتحدة دور أساسي فيه من كافة النواحي الفنية والمالية.
والذي من المتوقع ان يستغرق تنفيذه ثلاث سنوات تصبح بعده قناة بن جوريون الإسرائيلية الجديدة جاهزة للاستخدام كممر مائي دولي.

وإذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو قد خرج علي الإسرائيليين اثر الإعلان عن مشروع الممر البري الهندي الشرق اوسطي الجديد في سبتمبر من العام الماضي خلال قمة العشرين في نيودلهي ، ليبشرهم بما سوف يجنونه من ورائه من ثمار اقتصادية هائلة لم يكونوا يحلمون بها وان هذا الممر سيكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ دولة إسرائيل وفاصلا بين عهدين ، فلنا ان نتصور ما يمكن ان ينعكس به مشروع قناة بن جوريون اقتصاديا عليهم .. فهو المشروع البحري العملاق الذي سيكون لإسرائيل اليد الطولي في إدارته وفي تحصيل الجانب الأكبر من عائدات المرور في هذه القناة التي تبدأ من أراضي غزة والتي سوف تربط إسرائيل كما ذكرنا بالبحر الأبيض المتوسط وبخليج العقبة والبحر الأحمر والمحيط الهندي لتشكل بذلك حلقة الوصل بين آسيا واوروبا.

وهو ما سوف يعني بالنسبة للاسرائيليين طفرة اقتصادية هائلة بكل المعايير تفوق بكثير ما يمكن ان يحققه لهم مشروع الممر البري الجديد .. ولهذا تبقي غزة بوضعها الحالي العقبة الوحيدة التي ما تزال تقف في طريق إسرائيل نحو تحقيق هذا الهدف الإستراتيجي الكبير والذي سوف يكون له بالتاكيد ما بعده من النتائج المهمة في حياة الشرق الأوسط والعالم وايضا بالنسبة لحركة التجارة الدولية والملاحة العالمية بعيدا عن تهديد الحوثيين وغيرهم لها.

فضلا عن أنه سوف يعزز ويدعم دور ومكانة إسرائيل كلاعب سياسي مهم علي المستويين الإقليمي والدولي كما سوف يجعل منها رقما كبيراً في حسابات المصالح الدولية او هذا كله مجتمعا
هو ما تقوم عليه رهاناتهم للمستقبل ، وهي رهانات قد تتحقق او
لا تتحقق تبعا لمتغيرات الظروف والأحوال هنا وهناك.

ثالثاً : ان مصر هي اكثر دول الشرق الأوسط المستهدفة بالتداعيات المدمرة لكل تلك المشاريع الإقليمية والدولية التي يجري التخطيط لها بعيدا عنها ، بالنسبة لقناة السويس كأحد أهم شرايين التجارة الدولية والملاحة العالمية .. وهي القناة التي تنفرد مصر بملكيتها وإدارتها وبحصولها علي كل عوائد المرور فيها وهو ما يجعلها احد أهم مواردها من العملة الصعبة ، وهو ما لا يريدون له ان يستمر وذلك بتحويل طرق التجارة الدولية منها إلي الممرين البديلين الجديدين.

ومحاولة تجريد قناة السويس من أهميتها التي حافظت عليها عقودا طويلة ولم تكن موضع نزاع او خلاف ، لابد وان يؤثر سلبا وبدرجة كبيرة علي مستقبل خطط ومشاريع مصر التنموية والتي يأتي من بينها واهمها إقامة منطقة إقتصادية حرة عملاقة علي الضفة الشرقية للقناة وهي المنطقة التي تراهن مصر عليها كأحد أهم المناطق الإقتصادية الواعدة فيها .. ومع تحول حركة الملاحة العالمية عن قناة السويس ، فسوف تتراجع أهمية هذه المنطقة الإقتصادية ولن تعود تستقبل ما كان متوقعا لها من إقبال المستثمرين الدوليين عليها.

أما لماذا مصر هي المستهدفة اكثر من غيرها بهذه الخطط
الأمريكية والإسرائيلية أساساً ، فإن السبب هو في رأيي ما تتمتع به من ثقل سياسي وعسكري وديموجرافي كبير ، وكذلك لدورها كلاعب إقليمي رئيسي ، وهو الدور الذي يسعون إلي احتوائه وتحجيمه والحيلولة دون تمدده وانطلاقه إلي مديات ابعد واكبر .. وان الطريق إلي احتوائها هو باضعافها إقتصاديا باستنزاف مواردها الإنتاجية والطبيعية في ظل أزمات اقتصادية خانقة وظغوط زيادات سكانية جامحة ، وهو ما يتصورون أنه قد يسهم في خلخلة استقرارها ووضعها في مواجهة تحديات قد تعجز عن التغلب عليها.

وإذا كان من المفروض ان تنفيذ هذه المشاريع البديلة لقناة السويس سوف يستغرق عدة سنوات قبل ان يعطي ثماره ويحدث كل هذا. الذي يتوقعونه ويخططون علي أساسه في أعلي دوائر إتخاذ القرار في أمريكا وإسرائيل ، فإنه يصبح لزاما علي مصر ان تستعد هي الأخري بالسيناريوهات المضادة الذكية والمدروسة بعناية للتخفيف بها من وقع هذا كله عليها .. ولا يزال أمامها الوقت الذي يسمح لها بذلك .. والمهم هو ان تتعامل مع تلك التهديدات والتحديات بالدرجة القصوي من الجدية والاهتمام حتي لا تفاجأ بما لم يكن وارداً في الحسبان او يضعها تحت رحمة الظروف.

وتبقي لنا بضع ملاحظات اخيرة حتي تكتمل دائرة الحوار الذي بداناه ، وقد تكون هذه الملاحظات الأخيرة هي أهم ما في الأمر كله.

رابعا وأخيراً : اعتقد ان ما يفعله الأمريكيون والاسرائيليون هو تنفيذ لخطط مشتركة توافقوا عليها في تاريخ اسبق بفترة طويلة من التهديدات الحوثية الأخيرة لحركة الملاحة العالمية في البحر الاحمر ، والهدف هو إحداث تغييرات جيوسياسية جذرية وعميقة في الشرق الأوسط ، بإعادة تشكيل مراكز القوة الإقتصادية والسياسية فيه بما يساعد علي إدماج إسرائيل في هذه المنطقة من العالم كشريك كامل وكلاعب رئيسي من خلال استحداث منظومة جديدة من المصالح الإقتصادية الحيوية المشتركة مع بعض دول الخليج العربية بشكل خاص ، وهو ما لا بد وان يجعل من إسرائيل مع الوقت قوة إقليمية حاضرة وفاعلة ومؤثرة في كل ما يجري في الشرق الأوسط من احداث وعلاقات وتفاعلات في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والإستراتيجية ..

وهو الهدف الذي تردده الإدارة الأمريكية الحالية باستمرار علي لسان الرئيس الأمريكي بايدن ووزير خارجيته انتوني بلينكن
عندما يتحدثون عن ضرورة إدماج إسرائيل مع جيرانها بانماط جديدة من العلاقات وضمن منظومة مختلفة من المصالح والسياسات والأهداف والاولويات .. وهم يقصدون بذلك تحول إسرائيل بفعل هذه التحولات الجيوسياسية الجديدة من الهامش والأطراف إلي المركز وليكون لها مكانها المتميز داخل اهم مواقع إتخاذ القرار في الشرق الأوسط .

ولعل اكثر ما يشجع الإدارة الأمريكية علي التحرك بقوة في هذا الإتجاه ، هو وجود القبول والتجاوب الواضح مع توجهاتها المعلنة لدي الأطراف الخليجية التي يركز الطرفان الأمريكي والإسرائيلي عليها ، وهي تحديدا السعودية والامارات وقطر وسلطنة عمان، وخارج هذه الدائرة الخليجية المباشرة تاتي الأردن بحكم موقعها في قلب الصراع العربي الإسرائيلي وبحكم سجل علاقاتها الحافل مع كل من واشنطن وتل ابيب .. وهو ما يجعل من الصعب بالنسبة لهم تجاهلها او تهميشها في خططهم ومشاريعهم ، كما انها من بين الدول المشاركة في مشروع الممر البري الجديد مع الهند ومجموعة الشركاء الاقليميين والدوليين الآخرين .. وهي بذلك شريك موثوق فيه ويمكن الاعتماد عليه.

ولا بخفي ان مثل هذه التحولات الجيوسياسية العميقة في أوضاع المنطقة سوف تؤدي تدريجيا إلي تراجع الإهتمام بالنزاع الفلسطيني الاسرائيلي كقضية محورية من قضايا السياسة في الشرق الاوسط كما سوف يتراجع ترتيبها علي سلم الأولويات العربية بتأثير النمو المطرد للمصالح العربية الإسرائيلية وبالتالي للشراكات الإقتصادية والأمنية التي سوف تتولد عنها ، وهو ما يعني ان الآفاق المستقبلية لتلك العلاقات قد تنفتح وتتطور الي مدي ابعد مما. نتصوره ..

وقد يساعد علي ذلك التوصل إلي تسوية سياسية مقبولة للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي كحل الدولتين .. وقد صدرت تلميحات سعودية عديدة خلال الفترة الماضية علي لسان وزير الخارجية السعودي تؤكد هذا المعني .. وبعده سوف ينطلق قطار التطبيع
بين المملكة وإسرائيل .. ومنه إلي بدءهما سويا مع غيرهما تدشين مشروع الممر البري الشرق اوسطي الذي سلفت الإشارة إليه ولتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط.

ومرة اخري ، فإن القضية الحقيقية في كل ما يجري ليست في ما يفعله الحوثيون اليمنيون في البحر الاحمر ، ولا في ما توجههم به إيران ليدعموها به في الصراع الدائر بينها وبين الغرب وإسرائيل ولكن المشكلة هي في الاستراتيجيات والخطط والسيناريوهات التي تحاول بها امريكا وإسرائيل بالتوافق مع بعض شركائهما الاقليميين المقربين منهما الدفع بهذه المنطقة المضطربة وغير المستقرة من العالم في مسارات اخري غير المسارات الراهنة مسارات يجدون فيها مصالحهم وامنهم ومستقبلهم ..

والزمن وحده هو الذي سوف يحكم علي ما إذا كانوا يتحركون
الآن في المسار الصحيح ام في المسار الخاطئ .. وان كان رايي
في ذلك هو انهم قد اختاروا المسار الخاطئ تماما وفي اسوأ ظروف مر بها الشرق الأوسط في تاريخه علي يد دولة الإرهاب العنصري الأولي في العالم ، واقصد إسرائيل .. ولن ازيد .. وقد كتبنا عنه ما فيه الكفاية منذ اليوم الأول لحرب إسرائيل علي غزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!