تقرير/ رحمة خميس
في عملٍ أدبيٍّ مشبع بروح التاريخ ونبض الأسطورة، تطل الكاتبة الشيماء أحمد عبد اللاه على القارئ بروايتها الجديدة «الأسطورة والسلام»، حيث تمزج السرد الروائي بعمقٍ معرفي، لتأخذنا في رحلة آسرة عبر الزمن، على أطراف صحراءٍ لا تعرف النهاية، وتحت شمسٍ شهدت ولادة حضارات وسقوط أخرى.
تبدأ الرواية من فضاءٍ مكانيٍّ شديد الثراء؛ صحراء شبه الجزيرة العربية، التي لا تُقدَّم هنا كمجرد خلفية للأحداث، بل ككائنٍ حيٍّ يحتفظ بأسراره، ويبوح بتاريخٍ مثقلٍ بالطموح والصراعات، أرضٌ كانت مهدًا لأمم عظيمة، ومسرحًا لقوافل حملت الذهب والحرير، كما حملت الخيانات والأحلام المؤجلة.
تغوص الرواية في عمق الصراع الإنساني، حيث تتقاطع السلطة مع الحرية، ويتنازع البشر على الماء والأرض، في زمنٍ كانت القبائل فيه ترى البقاء انتصارًا يوميًّا، وبين الجبال الشامخة والأودية العميقة، تنسج الكاتبة مشاهد ملحمية تعكس قسوة الواقع وقوة الإرادة.
وفي قلب هذا العالم المتقلب، تتشكل شخصيات الرواية بثراءٍ لافت؛ فرسانٌ يحملون الشجاعة سيفًا، وقادةٌ يوازنون بين الحكمة والدم، ونساءٌ يواجهن المصير بعزيمة لا تقل صلابة عن الرمال التي نشأن فوقها.
شخصيات تتحرك بين الواحات والقلاع، وتكتب قدرها بوعيٍ وإصرار.
كل فصل في «الأسطورة والسلام» يبدو كأنه بوابة جديدة، تُفتح على احتمالات الخطر والحب والولاء، حيث لا يغيب الغدر، ولا تخفت جذوة الأمل، سردٌ متماسك يجعل القارئ شريكًا في الرحلة، لا مجرد متلقٍ للأحداث.
الرواية لا تكتفي باستدعاء الماضي، بل تُعيد مساءلته، كاشفةً كيف تشكلت هوية هذه الأرض، وكيف تركت بصماتها العميقة في ذاكرة الشعوب، لتؤكد أن التاريخ ليس ما كان فحسب، بل ما ما زال يؤثر في حاضرنا.
«الأسطورة والسلام» ليست مجرد عمل روائي، بل تجربة فكرية وإنسانية، تؤكد من جديد حضور الكاتبة الشيماء أحمد عبد اللاه كصوتٍ أدبيٍّ واعٍ، قادر على الجمع بين المتعة السردية والعمق الدلالي، في نصٍّ يستحق التوقف عنده طويلًا.




