لعبة الموت

شريف جلال القصاص
في بيت لا يكاد يستر اسرار من فيه، الكل يعلم بكل ما يحدث، بين فايز وزوجته نعمات، بيت بسيط داخل مركز ميت حياة قبلي التابع لمحافظة الأقصر.
لم يبدأ الشجار في ذلك اليوم بصوتٍ عالٍ، قالت نعمات فقط إنها تريد أن تزور أمها المريضة، أن تخدمها أيامًا قليلة، و قال فايز لا.
لم يكن الرفض هو ما فجّرها، بل الطريقة؛ الهدوء القاسي، النظرة التي تقول: أنتِ لا تملكين هذا الحق، صرخت.
لا لتقنعه، بل لأن القهر خرج دفعة واحدة، جاءت الصفعة سريعة، صافية، كأنها ردٌّ طبيعي على الصوت، سقطت، ارتطم جانب رأسها بالأرض، ورأت السقف يدور لحظة، حين اعتدلت، كانت تلعنه.
لم ترفع صوتها، لكنه سمعها، كانت الكلمات تخرج مكسورة، حارّة، رفع جلبابه بعصبية، اقترب أقرب مما ينبغي، ضاقت المسافة بينهما حتى لم يبقَ للهواء مكان.
التفّت يداه حول عنقها، لم تكن غاضبة
اليدان…كانتا ثابتتين، واثقتين، كأنهما تنفّذان أمرًا مؤجَّلًا، اختفى الصوت أولًا، ثم بدأ العالم يضيق، لم تفكّر في الهرب، ولا في الموت، فكّرت في طفلها، إن ماتت الآن…
سيبقى مع ذاك الأب القاسى.
مدّت يدها، ضربته بأي شيء طالته، لم ترَ ما أمسكت، لم تسمع الصوت، شعرت فقط بقبضته ترتخي، سقط.
هذه المرّة، كان الصوت واضحًا، ركعت بجانبه، لم تنادِ اسمه،
لم تهزّه، كانت تعرف الموت حين تراه:
الرقبة الملتوية، العين نصف المفتوحة، الفم…
كأنّه حاول أن يقول شيئًا ثم نسيه، لم يكن احتضارًا.
كان موتًا نظيفًا، حاسمًا، بلا مساحة للشك.
جلست دقائق لا تُحصى، تحدّق في جسدٍ تعرفه…
ولا تعرفه.
من الغرفة الأخرى، بكى الطفل، صوته بدا بعيدًا، كأنه قادم من بيتٍ آخر.
في المستشفى، كانت رائحة المطهّرات أقوى مما يجب، كأن المكان يحاول إخفاء شيء لا يُرى، دخلت دون تردّد، لم تسأل عن الطوارئ، لم تطلب إسعافًا.
قالت للممرضة بصوت منخفض، ثابت على نحوٍ مريب:
— هل مات؟
رفعت الممرضة رأسها، نظرت إليها، ثم إلى الجسد على النقالة خلفها، الرجل ممدّد، صدره ساكن، هدوؤه كامل… أكثر مما ينبغي.
قالت:— أبقي هنا.
وقفت بجوار النقالة، يدها على الحافة المعدنية، كأنها تراقب شيئًا قد يتحرّك دون إنذار، اقترب الطبيب.
نظر إلى الجسد طويلًا، لم يسأل كيف، لم يسأل متى، قال فقط:
— انتظري.
وفي اللحظة ذاتها، انفتح باب العناية المركزة بعجلة.
— دكتور!
أكملت الممرضة وهي تلهث:
— السيدة هناء… قريبة العمدة مهران، حالتها تسوء.
ترك الجسد دون كلمة، وتبعها، داخل العناية المركزة،
كانت هناء تحت جهاز التنفّس الصناعي، الصوت المنتظم للآلة يملأ المكان، الأرقام تضيء وتخفت، كأنها تتنفّس بدلًا عنها، يونس، ابن أخيها، جلس قريبًا من السرير، منحنيًا قليلًا، عيناه لا تفارقان وجهها.
مهران، العمدة الجديد، وقف خلفه بخطوة، يحاول أن يبدو متماسكًا، لكن قبضته كانت مشدودة على ظهر الكرسي،
لم تكن هناء مجرّد بنت خالته.
كانت حبّه القديم، لم يستطع منعها من الزواج والهجرة إلى ألمانيا.
قالت الممرضة:
— التشبع نزل فجأة، انحنى الطبيب، عدّل القناع، ضغط بخفة على صدرها، ساد صمت قصير، ثم عاد الصوت.
ارتفعت الأرقام، استقرّ المؤشر.
لم يبتسم الطبيب، قال فقط:
— تابعوا الحالة، وبلغوني بأي تغيير.
أطلق يونس أنفاسه ببطء، كأنها كانت محبوسة منذ أيام.
مهران أدار وجهه بعيدًا، مسح عينيه بكفه، دون أن يراه أحد.
في الخارج، كانت المرأة ما تزال واقفة، لم يُسجَّل اسم.
لم تُطرح أسئلة، لم تُستدعَ الشرطة، اقترب الطبيب أخيرًا.
نظر إلى الجسد، وضع السماعة على صدره.
قالت، بصوت لا يكاد يسمع:
— هو… مات؟
نظر إليها، لم ينفِ، لم يؤكّد، قال فقط:
— انتظري.
نُقلت النقالة إلى غرفة جانبية، قريبة من العناية، تبعتهم بخطوة…
ثم توقّفت، من خلف الزجاج، رأت الطبيب والممرضة ينظّفان الجرح، ضغط الطبيب على صدره مرة…
ثم أخرى، ثم حدث الخطأ.
ليس النبض، ليس التنفّس، بل تقلّصت أصابعه، ابتلع ريقه، فتح عينيه، لكن عينيه لم تبحثا عنها، ولا عن السقف، ولا عن الطبيب، كانتا تنظران إلى الفراغ، كأن شيئًا آخر عاد قبله، قال الطبيب، بهدوءٍ أشدّ رعبًا من الصراخ:
— قُم.
جلس، ثم وقف،نظر إليها…
وابتسم، ليست ابتسامة نجاة، ولا سخرية، ابتسامة شخصٍ تذكّر شيئًا كان قد نسيه، اقترب خطوة.
تراجعت.
قال بصوتٍ طبيعي تمامًا:
— إنتِ حاولتِ قتلي.
لم يكن اتهامًا، كان تقريرًا، همست وهي ترتجف:
— لا أبدًا … كنت فقط ادافع عن نفسي.
في تلك اللحظة…
فهمت شيء لا يمكن تخيله، خرجت نعمات مع من يبدوا أنه فايز، كانت تمشي إلى جواره، تنظر إليه من طرف عينها.
هو يمشي طبيعيًا، يتنفّس، ينظر حوله، لكنها تشعر بالخوف من الذي خرج معها…
قبل ثلاثة ثلاثة أشهر
حيث كان كل شيء تقليديا وقبل أن ينقلب كل شيء إلى كابوس يعيشه الناس كلهم في وقت واحد، أنه ميت حياة قبلي مركزٌ قائم بذاته، ليس كبيرًا بما يكفي ليُذكر، ولا صغيرًا إلى درجة أن يُهمَل، يقع حيث يجب أن يقع مركز ريفي عادي، تابع لمحافظة الأقصر، طريق رئيسي يمرّ به دون أن يتوقّف طويلًا، وترعة تشقّه بهدوء، وأراضٍ زراعية تمتدّ حوله كأنها تحرسه.
بيوته متقاربة، بعضها قديم بطابق واحد وسقف خشبي،
وبعضها أحدث قليلًا، بطوابق متعدّدة لم تكتمل واجهاتها،
الشوارع ضيّقة في أغلبها، تتّسع فجأة ثم تعود لتضيق،
كأنها لم تُخطَّط مرة واحدة، بل نمت مع الزمن.
بيت واسع، قديم نسبيًا، له سور واضح وبوابة ثقيلة،
في هذا المكان العادي بكل ما فيه، سيبدأ ما لم يكن عاديًا أبدًا.
داخل قصر العمدة، لم يكن الاحتضار صاخبًا كما يُشاع؛ بل كان أشبه بانسحابٍ بطيء لشيءٍ غير مرئي، يترك الجسد في مكانه كما يُترك بيتٌ أُفرغ من ساكنه قبل أن تُغلق أبوابه، أو كثوبٍ هجره صاحبه فانسلّ عنه وبقي معلّقًا، مصلوبًا على مشجبٍ داخل صندوقٍ خشبيٍّ مُحكم.
داخل القصر، غَرِقت الغرفة الكبيرة في رائحة بخور الجاوي، ممزوجة بقليلٍ من الزعفران واللبان، تلك رائحة تعرفها البيوت القديمة؛ البيوت التي يُقال إن لها زوّارًا أو عُمار لا يُرَون، وإنها لا تفرغ تمامًا، حتى بعد رحيل أصحابها.
استلقى السبيكي — الذي ما زالوا ينادونه بالعمدة، رغم أن العمودية انقضت منذ عقود — على فراشه، وصدره يعلو ويهبط بتردّدٍ غير منتظم، كأن الجسد فقد قدرته على موازنة نفسه، أو كأن وظائفه تعمل بذاكرةٍ واهنة لا بثقةٍ كاملة.
الضوء المتدلّي من المصباح لم يكن كافيًا ليكشف الغرفة، ولا خافتًا بما يسمح بإخفائها؛ ضوءٌ متردّد، لا يحسم أمره، كما لم يحسم العجوز مصيره بعد.
منذ أيامٍ تتناوب عليه الحُمّى ارتفاعًا وانكسارًا، ويأتيه السعال ثم ينقطع بلا نسقٍ مفهوم، احتاج التنفس الصناعي مرات، كأن العِلّة لا تسعى إلى شفاء، ولا تُعلن عن نفسها بوضوح، بل تبحث عن موضعٍ خفيٍّ تستقرّ فيه.
قال الطبيب الذي زاره قبل عشرة أيام إن ما أصابه يبدو انتكاسةً سببها عدوى لمرضٍ غير مُشخَّص، انتقلت إليه على الأرجح من أحد زوّاره؛ وربما كان حفيده أشرف، صاحب البازار السياحي، بعد استقباله وفدًا آسيويًا في الأيام الماضية، امتنع الطبيب عن معاودة الزيارة، وتحجج بكثرة المرضى الذي يفدون إلى المستشفى الوحيدة في المركز.
جلس مهران عند طرف السرير، لا بوصفه حفيدًا يودّع جدَّه، بل كمن ينتظر إشارةً لا يعرف شكلها بعد، على وجهه جمودٌ غير مألوف، وفي عينيه حذرٌ لا يليق بشابٍّ لم يحمل بعدُ ثِقَل المكان، لكنه يشعر بثقله ينساب إليه ببطءٍ لا مهرب منه.
قال محاولًا أن يبدو طبيعيًا:
— الحكيم طمأنّا… قال إنها وعكة وستزول.
تحرّكت شفتا العمدة ببطء، كمن يستخرج كلمةً من عمقٍ بعيد:
— كلّ إنسان طبيب نفسه يا ولدي.
سكت لحظة، وكأن النفس تأخّر عن موعده، ثم قال بصوتٍ أخفت:
— طمّنّي على ناس المركز.
لم يحتج مهران إلى تفكير؛ كان يعرف ما يعنيه:
— الأمور مستقرة… كأنك ما زلت تسير بينهم.
أغمض العمدة عينيه، وبدا السعال قريبًا، ثم قال كمن يضع قاعدة لا رأيًا:
— النظام يلزمه ميزان… وإلا مال.
كأن الجملة أنهكته؛ ارتجف صدره قليلًا، وسعل سعالًا مكتومًا، قصيرًا، ثم استعاد صوته وسأل:
— وشوقية؟
— القابلة؟ هي لا تقصّر، تدخل البيوت من شرق المركز لغربه، أخبرتني إن فهيم تاجر المواشي…
تردّد مهران لحظة، ثم أكمل:
— يفكّر في الترشّح للبرلمان، وقالت إن ابنه علاء ناوي يطلّق امرأته بعد ما عرف …
تحرّكت يد العمدة إشارةً إلى الاكتفاء.
— المعرفة يا ولدي ليست كلّها حقًّا، ولا كلّها سترًا، خذ منها ما تحتاجه فقط.
— صدقتَ يا جدي، ربّنا حليمٌ ستير.
فتح العمدة عينيه فجأة، وقال بوضوحٍ لا يقبل التأجيل:
— الثوب الأبيض في الدولاب… جاهز منذ يوم جنازة أبيك، رحمه الله.
شدّ مهران قبضته على ركبته:
— لا داعي لمثل هذا الحديث.
نظر إليه العمدة طويلًا؛ نظرةَ من يسلّم أمانةً يعلم أنها لن تعود اليه.
دخلت عائشة تحمل إناء ماء، توقّفت عند الباب حين رأت وجه جدّها، كأنها تخشى أن تُربك ترتيبًا خفيًا يجري في الغرفة، ثم اقتربت بحذر:
— أرح نفسك يا جدي.
فقال لها وهو يحاول أن يبتسم لها:
— الراحة ليست في الجسد يا بُنيّتي… الراحة أن نعرف متى نتوقّف.
مدّ يده بصعوبة، فاقترب مهران تلقائيًا، كانت القبضة واهنة، لكنها مقصودة؛ كأن العمدة أراد أن يتأكّد أن الرسالة وصلت إلى الجسد قبل العقل:
— هذه البلدة… ليست بيوتًا ولا أرضًا، إنما هي ناس، والناس أمانة في عنقك.
أومأ مهران، ثم قال بعد تردّد:
— وأرض حسّان القناوي القبلية؟
سكنت الغرفة فجأة، حتى أنفاس العمدة بدت كأنها توقّفت احترامًا للسؤال.
فتح عينيه ببطء:
— حارس الأرض… هل أصابه مكروه؟
— إبانوب؟ صحته ليست على ما يرام، لكنه ما زال يحرسها ليلًا ونهارًا، هو وثلاثة من أقاربه.
سكت العمدة لحظة، ثم قال:
— سيحتاج إلى المال قريبًا.
— نعم، يريد أن يجهّز ابنته، وينوي بيع قيرطين.
— اشترِ منه قيراطًا واحدًا، وأعطه ثمن اثنين؛ فالحاجة إذا اشتدّت، فتحت أبوابًا لا تُغلق.
ساد صمتٌ أثقل من سابقه.
قال العمدة بصوتٍ خافت، كأنه لا يخاطب مهران وحده:
— أرض حسّان يا ولدي… لا يُقترب منها، ما تحتها خطرٌ لا يُحتمل، إن خرج، فلن يعود كما كان.
اتصال مهران بالطبيب وطلب منه أن يرسل سيارة الإسعاف، لكن نظرات السبيكي كانت تشير أن الأوان قد فات.
وقبل أن يرحل نظر إلى عائشة نظرة وداع، جعلتها تسقط عبرات من عينيها كفكفها بضعف، وهو يقول انه يعرف أن الأجل يسابقه، تنفّس العمدة بعمق، وهمس كمن يزن الكلمات الأخيرة:
الموت نعمة… به تستقيم الحياة،
لكن الإنسان يعتادها فلا يشعر بها.
لمعت في عينيه صحوة خاطفة، كأن الموت تراجع خطوة. اتكأ قليلًا، مصرًّا أن يرحل منتصبًا، ليغرس في روح حفيده وصية لا تُقال، قال إن وجعه الحقيقي أن يسبقه الموت، قبل أن تشتد يد مهران على المركز.
ساد صمتٌ كثيف، .لم يكن فراغًا، بل رسالة. مهران فهم، وسكنت ملامحه، صار التنفيذ واجبًا، وتأجيل الموت جزءًا منه.
يتبع
لعبة الموت الجزء الثاني
شريف جلال القصاص
لم يمت السبيكي في اللحظة التي توقّف فيها قلبه،
توقّف القلب، نعم… لكن الجسد لم يُدفن، تنفيذًا لوصيته لحين سيطرة حفيده مهران على أمور المركز.
في الليلة التي أُغلقت فيها عيناه، وقف حفيده مهران عند رأس السرير، والوصية الأخيرة ما تزال ساخنة في الهواء:
لا دفن .. أو عزاء … حتى تستقيم الأمور، سأبقى حيًا وسوف أّأجل اعلان وفاتي، محتفظًا بالسر بين طبقات من بخار الثلج المحيط بجثماني.
كأن الرجل الذي قال : «الموت نعمة… به تستقيم الحياة»
أدرك أن النعمةً إن جاءت قبل أوانها… أفسدت الميزان،
اختفى ذالك الكيان لأيام عدة.
قيل لكل من يسأل عنه:
سأت حالته!
منع الطبيب الزيارة.
مرضه مُعد
مهران لم يرد أو يصوب لم يبكِ.
كان يتحرّك في المركز كمن يمشي على أرض رخوة،
يعرف أن خطوة خاطئة قد تبتلع ما تبقّى من الهيبة.
لم يهتم مهران بأرض حسّان القناوي القبلية فما تزال كما هي، لم يُشترَ القيراط، ولم يحسم مسألة الحارس، والهمس عن “ما تحتها” صار أخفّ صوتًا… وأثقل معنى.
أما في المستشفى…
لم يكن المرض الذي شد وثاق اغلب المرضى وقيدهم على أسرتها حُمّى عابرة كما ظنّوا.
لم يكن سعالًا طارئًا جاء به حفيد من وفدٍ سياحي بعيد،
كان شيئًا بلا اسمٍ واضح، يظهر… ثم يختفي، يرتفع… ثم ينكسر.
بعضهم سبق له أن سلم على “السبيكي” أو اقترب وهمس يتمنى له الشفاء، بعدها حملوا ذلك الضيف في صدورهم ونقلوه لغيرهم، كلهم شعروا بتعبٍ غامض في الأيام التالية، إرهاق غير مبرر، حرارة خفيفة تزول قبل أن تُقاس، سعال قصير، بلا أثر في الصدر، لم يمت الكثير في البداية، ولذلك… لم يفزع أحد.
ثم ما لبث صالح التربي أن تحسنت أحواله الماليه، وصار أشد حرصا في دفن الموتى؛ خوفا من العدوى، أخذ اجر الدفن مضاعف حتى يحتفظ بالسر، لذلك كانت الأمور تبدو مستقرة، والوباء لم يعنه أن تنسب البطولة لغيره في حصد الأرواح.
مهران صار يجلس في صدر المجلس، الناس تناديه بالعمدة ويدعون بالعافيه لجده بفتور وكأنهم يدركون أنه ليس هناك مسيح ليحي الموتى.
والقصر عاد هادئًا، لكن الاستقرار — كما تعلّم هو من جدّه —ليس غياب الاضطراب…
بل تأجيله.
والشيء الذي دخل المركز مع المرض، لم يكن قد أنهى غرضه بعد، كان ينتظر، ينتظر أن يختلّ ميزان واحد فقط.
وعندها…
لن يكون الموت كما عرفوه من قبل.
برلين، ألمانيا
كانت برلين في ذلك الصباح رمادية على نحوٍ يضغط الصدر دون أن يُعلن سببًا واضحًا، سماء منخفضة، ومطرٌ خفيف يبلّل الزجاج بلا صوت، كأن المدينة قرّرت أن تبقي كل شيء داخلها، في شقّةٍ صغيرة، كانت المدفأة تعمل منذ الليل، ومع ذلك لم تختفِ البرودة، برودة لا علاقة لها بالطقس.
جلس يونس إلى الطاولة، يسعل بخفوت، يضغط بيده على صدره، رائحة القهوة السوداء تختلط بدواءٍ عشبيٍّ نفّاذ لايدري كيف توصل إليه، تركيبته الوحيدة التي خفّفت عنه مرضه المستقر في صدره منذ مولده، بصوره متقطعة تنشط مع قدوم الشتاء، ويختفي حين يحل دفء الصيف.
وقفت هناء قرب النافذة.
تُصلح الستارة للمرة الثالثة، كأنها تؤجّل الجلوس.
— هناء؟ اقصد عمتي هناء؟
— نعم، يا يونس.
— منذ ماتت أبي…
تردّد، ثم قال: — وأمي في ذلك الحادث… لم يبقَ لي غيرك، أخشى أن الموت قدري وقدرك يحيط بنا، يحوم من بعيد، لكن هل يؤجلنا لحين اكتمال لعبته، ام أنه يستعد لفرش عباءته علينا قريبًا.
نظرت إليه هناء بفزع- وذكرى وفاة زوجها وأخيها تؤكد كلام يونس- وقبل أن تنهره، ضحك وأخبارها انه يمزح، لكن عينيه كانت تؤكد أنه يقول شيء يتجاوز التنبؤ، ويقترب من إدعاء معرفة الغيب.
لم تُجادل، كانت تشعر بما ينطق به وبما يخفيه من مظلمة يحملها تجاه الموت.
اقتربت منه وضعت يدها على كتفه: — أنت ابني، شئت أم أبيت.
ابتسم بتعب: — لم أقل يومًا لمارجريت “أمي”.
سكتت، وقالت في نفسها لأنها لم تحمل مشاعر أم نحوه، ربما لاتحمل أي مشاعر، فقد كانت كيان مادي أجوف.
— أخبار السبيكي؟
تنفّست ببطء: — منذ شهر… عائشة تقول: ربنا يتولّاه.
تقولها كأنها تتحدّث عن شيءٍ انتهى.
ساد صمتٌ ثقيل، لم يكن فراغًا… بل انتظارًا.
أطراف ميت حياة قبلي
كان الليل ساكنًا على غير عادته.
لا قمر، ولا ريح، كأن الأرض حبست أنفاسها منذ زمن، وقف إبانوب عند حدّ الأرض القبلية، ممسكًا بعصاه، التربة تحت قدميه كانت باردة على نحوٍ غير مريح.
هذه الأرض… لا تشبه غيرها، حولَه ثلاثة من أبناء عمومته،
لا أحد يرفع صوته.
— الناس تقول إنك ناوي تبيع قيراطين.
— أفكّر…
قالها بلا حسم. — البنت كبرت.
ضحك أحدهم: — تحرس أرضًا مش أرضك… وتموت فقير؟
قبض إبانوب على عصاه وهو يحدث نفسه بانه لا يحرسها لأنه يريد… بل لأنه وُضِع هناك، ثم تمتم متململًا
— أنا حارس… ولست مالك.
اقترب آخر: — الحراسة لها ثمن.
والغِياب… له ثمن أكبر.
فهم المقصود.
أن يُباع الوقت.
أن تُترك الأرض وحدها… قليلًا، لمن يدفع أكثر.
غرس عصاه في التراب.
شعر برجفة صعدت من الأرض إلى ذراعه.
— لا.
لكن حين ابتعدوا، وبقي وحده، لم يتوقّف الهمس.
لم يكن صوتًا… بل فكرة واحدة:
وماذا لو؟
وقبل أن يحسم أمره تلقى ضربة قوية على رأسه وسقط على الأرض.
لعبة الموت الجزء الثالث
شريف جلال القصاص
الأرض القبلية
لم يسقط فاقدًا الوعي فور الضربة، ظل لحظة كافية ليدرك أنه لم يسقط وحده، بل سقط معه عبء دينه الثقيل، جهاز ابنته الذي لم يستطع تدبيره ومماطلة مهران في شراء أرضه بمبلغ كبير، بحجة انشغاله بصحة العمدة، كان التراب قريبًا من وجهه أكثر مما ينبغي، رائحته مثل سنين عجاف جُمعت في لحظة.
حاول أن يتحرك فلم يستطع، الصوت الذي تبع ذلك لم يكن واضحًا، لكنه لم يكن غريبًا أيضًا، لم يكن مجرد أقدام تبتعد ولا همسات بشر، كان أقرب إلى زفيرٍ مكتوم، كأن قبرًا قديمًا يتنفس، ينتظر أن يُفتح، ثم سكن كل شيء.
لم يكن البلاغ لافتًا في بدايته، اختفاء شاب في قرية بالصعيد أمر يتكرر، لكن الاسم والمكان والتوقيت، لم يجتمعوا هكذا من قبل.
” إبانوب حارس الأرض القبلية”.
وصل البلاغ قبيل الغروب، حين تبدأ القرية في الانكماش داخل نفسها، وتنسحب الأصوات إلى الداخل، تحركت القوة بسرعة روتينية، لكن الطريق نفسه كان يثقل الخطوات.
فلا أحد يمر من خلالها الا عابر سبيل مضطرًا يطارده خوفه.
كانت كما هي، مهملة، ساكنة، مغطاة ببقايا سنوات لا يريد أحد تذكرها، ومع ذلك بدا المشهد ناقصًا؛ لا أحد هناك؛ يفسر ماحدث، جاءت الشهادات سريعًا، كأنها كانت تنتظر من يسأل.
رجل قال إنه رأى حسان يدخل الأرض ليلًا ومعه رجال غرباء، وآخر أقسم أنه سمع صوت طلق ناري، لكن حين بدأ التفتيش والبحث، لم يجدوا شيئًا، لا دماء، لا آثار اشتباك، كأن الأرض أعادت ترتيب نفسها، في اليوم الثالث، هدأ كل شيء دون إعلان، لم يَصدر قرار، لكن التحقيق انكمش، والزيارات الروتينية توقفت، والأسئلة ملت، وكأن أحدًا قرر أن الحقيقة يجب أن تحجب، والمعرفة ترف لم يأت وقته، سُجلت الواقعة اختفاء لم يقتنع أحد.
أهل إبانوب كانوا أول من رفض، مع أنهم هم أنفسهم من نصحوه يومًا أن يختفي لكن اختفاء بثمن، لا أن يختفي بلا أثر ولا إشارة.
وفي الجهة الأخرى، لم تكن عائلة حسان في وضع أفضل؛
لأن حسان نفسه اختفى، وبين الغيابين تمدد الشك.
“اختفى” صارت “قُتل”.
و“قُتل” صارت “وجد خير” الكلمة الأخيرة انتشرت كالنار، لم يقل أحد ما هو ذلك “الخير”
لكن الجميع فهم.
خلال أيام، تغيّرت الأرض القبلية، صارت قنطرة بين جحيم لعنة قديمة تحظر الاقتراب، وجنة كنز مدفون في بطنها يسيل لها اللعاب، وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يعد هناك من يحرسها، ليس لأنهم قرروا ذلك، بل لأن كل طرف كان يراقب الآخر وينتظر، في انتظار غفلة طرف من طرفي المطاردة.
في نفس الوقت، وعلى بُعد كيلومترات قليلة، كان المشفى يغرق، لم يكن الأمر مجرد زيادة في أعداد المرضى، كان هناك شيء خاطئ، أعراض لا تتشابه، حالات تتدهور بسرعة غير مفهومة، وأجهزة لا تكفي.
وقف “سامح الطبيب الجديد” أمام سبع حالات في وقت واحد، عرف أنه لن يستطيع إنقاذهم جميعًا، نظر إلى الجهاز، ثم إلى الوجوه، ثم اختار، دون أن ينظر في عيون أحد، بعد ساعات، خرجت ثلاث جثث، كتب في التقارير: “هبوط حاد في الدورة الدموية”
لم يكتب عن اللون الذي تغيّر، ولا عن تلييف الرئة، أو الحواس التي اضربت عن العمل.
“صالح التربي” استكمل عمله بصمت، كان معتادًا على كل شيء، إلا هذه المرة، حين حفر أحد القبور، توقف.
مد يده ثم سحبها بسرعة، الجسد لم يكن باردًا كما ينبغي،
ظل واقفًا لحظة، تلكأ.. راقب ثم انتظر استنفاذ الجسد ما تبقى لصاحبه في هذه الحياة، ولم يخبر أهله بشيء، ثم محا بالتراب فوقه كل صلة كانت له بهذه الحياة.
في الخارج، كان التوتر يتصاعد، التقى أهل ابانوب وأهل حسان قـُرب الأرض، كل منهم يحمل روايته، وكل منهم مستعد لتصديق الأسوأ، بدأ الحديث منخفضًا، ثم ارتفع، ثم تحول إلى اتهام مباشر، لم يحتج الأمر كثيرًا حتى اندفع أحدهم، ثم آخر، اشتباك ثم سالت الدماء، توقفت سيارات فجأة، نزل مهران، لم يصرخ لم يهدد، فقط وقف استلهم ما تعلمه من السبيكي، وكان ذلك كافيًا ليتراجع الجميع خطوة.
عاد مهران إلى القصر وهو يشعر أن الوقت قد حان لابد أن السبيكي شعر بذلك أيضا وقررا معا اعلان الوفاة التي تأخرت، نقل الجثة من الثلاجة التي أخفى فيها السر، كأن جده يخفف وزنه، أرقده على السرير، صرخ على عائشة،
هرولت وهي تنادي:
– جدي!
لم يكن هناك اتفاق على تمثيل الحزن…
ربما لأنها لم تعترف بموته، تركها تخمش وجهها وتلطم، تناديه، تتوسل إليه أن يعود للحياة، بينما وقف مهران عند رأس السرير، لم يمدّ يده، ولم ينحنِ.. فقط ظلّ واقفًا كأن بينه وبين الجسد عهدًا لا يُمسّ، ثم قال بهدوءٍ ثابت:
“لم أخالف وصيّتك يا جدّي حفظتُ الأرض، لكن بطريقتي.”
سكت لحظة، كأنه يمنح الصمت حقه، ثم تابع بصوتٍ أخفض:
“الفراغ – كما علّمتني – لا يُترك. إمّا أن نملأه.. أو يبتلعنا.”
مال قليلًا، دون أن يقترب:
“حين سقط الحارس.. لم أكن أنا من أسقطه، لكنّي لم أترك الفرصة تمرّ، تركت ما يكفي ليجعلهم يعودون، وما يكفي ليجعل غيرهم يصدّق ما سيُروى.”
تنفّس ببطء، ثم أكمل:
“حسان… لم أنقذه، فقط أبعدته عن المكان الذي قد يفسد عليّ ترتيبي، إلى حيث أعرف كيف أصل إليه حين أريد، سيبحث عن مخرج.. ولن يجد إلا الباب الذي تركته له، أرضٌ بأرض… أو صمتٌ بثمن.”
توقّف لحظة، ثم قال: “أما إبانوب.. أخذته، وتركت لهم عباءته.. ليبدؤوا الحكاية.”
“كلٌّ منهم ظنّ أنه نجا.. وكان يؤدي دوره.”
اقترب خطوة… وتوقف:
“الرحمة تجوز على الأحياء.. أما الأرض فلا ترحم من يتركها فارغة.”
رفع عينيه نحو الجسد، وكأن النظرة وحدها تكفي:
“كلٌّ منهم ظنّ أنه نجا… وكلٌّ منهم كان يؤدي دوره دون أن يدري.”
ثم عاد صوته إلى سكونه الأول:
“أرسلت من يبحث عن حسان… لا ليجده، بل ليعرفوا أنه مطلوب، الخوف أسرع من الحقيقة، وأصدق منها أحيانًا.”
اقترب خطوة أخيرة، وتوقّف قبل أن يلامس السرير:
“وحين اكتمل المشهد… جئت قبل أن يختلّ الميزان.”
ساد الصمت، كأن الغرفة نفسها تنصت، ثم أضاف، بنبرةٍ لا تحمل ندمًا ولا فخرًا:
“الرحمة… تجوز على الأحياء يا جدّي. أما الأرض… فلا ترحم من يتركها فارغة.”
مرّر نظره في الفراغ:
“الخوف… أطلقتُه بقدر، بما يكفي ليبتعد الجميع لينجوا،
الأرض الآن تُخيف فلا تُمسّ، أو يكشف سترها”
طال السكون، ثم انخفض صوته كمن يحدّث نفسه:
“لكنّ الأمر لا يسير كلّه كما يُراد، شيءٌ انزلق، من بين الحسابات.”
التفت نحو الجسد لحظةً أخيرة:
“إن اختلّ الميزان، أعَدْناه، هكذا علّمتني.”
خرج، وبقيت الكلمات معلّقة، كأنّ الغرفة لم تقبلها كلّها.
توافد الناس يستطلعون الأمر، لم تكن مفاجأة فالكثير توقع ذلك، لم تأخذ إجراءات تصريح الدفن وقت، وبينما المركز بأسره يشارك في الدفن ثم واجب العزاء، كانت الأرض القبلية تستعد لتحرير اللعنة وسقوط الميزان للأبد.
برلين
كانت الغرفة مضاءة بنور خافت، يكفي لرؤية ما على الطاولة، ويترك ما حولها غارقًا في الظل، جلس يونس أمام حاسوبه، يتنقّل بين ملفات مفتوحة دون تركيز واضح، بينما وضعت هناء كوبًا من الشاي الأخضر ممزوج بداوائه العشبي أمامه بهدوء.
ـ ما زلت تعمل؟
ـ العمل هنا لا ينتهي.
جلست مقابله، تتأمله لحظة، ثم قالت:
ـ أم أنك تبحث عن شيء آخر؟
توقّف قليلًا، ثم أغلق أحد الملفات:
ـ أحيانًا لا يكون هناك فرق.
ـ ما طبيعة عملك ؟ لم أفهمه قط.
أخذ رشفة قصيرة، وقال:
ـ قلت لك الف مرة، أراجع بيانات أشياء كان يفترض أنها انتهت، لكنها ما زالت تترك أثرًا.
ـ أثرًا مثل ماذا؟
ـ سجلات متناقضة، معلومات ناقصة، إشارات لا تكتمل.
سكت لحظة، ثم قال بهدوء:
ـ بالمناسبة مرّ عليّ اليوم ملف غريب.
لم تنظر إليه، لكنها انتبهت.
ـ مجرد إشارات، أخبار غير مؤكدة، تم نفيها أكثر من مرة.
ـ عن ماذا؟
رفع عينيه نحوها:
ـ حالات مرضية غير مفهومة، في الصعيد.
لم تجبه، لكنها شعرت بخطر اقتراب الموت الذى لا يمل من مطاردتهما عاد من جديد.
اكمل حديثه وهو يشرب من الكوب:
ـ لكن اللافت سرعة نفيها.
سكتت مره اخرى، واكتفت بالتحدّيق في البخار المتصاعد من الكوب.
قال وكأنه يجبرها على الرد:
ـ هل تذكرين الأرض القبلية التي حدثتني عنها؟
تجمّدت يدها قليلًا.
ـ لماذا؟
ـ شيء ما دفعني أتذكرها.
نظرت إليه هذه المرة: وهي تتذكر حديث جدها السبيكي عن اساطير حكيت عن تلك الأرض، وحديثه الغامض عن نعمة الموت.
مرّ صمت قصير، ثم سأل بهدوء:
ـ أخبار جدي؟
تغيرت ملامحها، قليلًا ثم نطقت دون وعي:
ـ قيل إن حالته ساءت.
عائشة لم تجب على رسائلي منذ فترة أخشى أن يكون ..ثم لم تكمل.
خفض نظره، ثم قال:
ـ غريب… أن يختفي خبر الوباء بهذه الطريقة.
لم تجد ما تقوله، سكت لحظة، ثم قال لها :
ـ أحيانًا أشعر أن شيئًا ما بدأ هناك، ولا بد أن يكتمل
اقتربت قليلًا، وقالت بصوت منخفض:
ـ ربما عليّ أن أعود.
ـإلى مصر؟
هزّت رأسها:
ـ إلى ميت حياة.
نظر إليها مطولًا: ـ الآن؟
ـ قبل أن يتضح ما لا أريد أن أراه متأخرًا.
سكت، ثم قال:
ـ هل تتوقعين شيئًا؟
أجابت بعد لحظة:
ـ لا، لكنني لا أثق في هذا الصمت.
أغلق يونس الحاسوب ببطء.
ـ وأنا لا أثق في الأشياء التي تُنفى بهذه السرعة.
تبادلا نظرة قصيرة…
لم تكن اتفاقًا، ولا رفضًا.
لكنها كانت كافية لتؤكد أن ما يحدث هناك…
لم يعد بعيدًا عنهما.
عودة إلى الأرض القبلية
في تلك الليلة نفسها، عادت الأرض القبلية لتتنفس.
عصبه يتقدمهم شيخ خبير في فتح الكنوز، داست أقدامهم بلا صوت، لم يكونوا من أهل الأرض، ولا من العائلتين اللتين تنازعتا حولها، وجوه عابرة، لا تحفظها القرية.
لم يتبادلوا كثيرًا من الكلام، لكن التوتر كان واضحًا في صمتهم.
قال أحدهم، وهو يتفحص المكان بعينين ضيقتين:
– إن صحّ ما قيل فقد فُتحت لنا طاقة القدر.
أجابه آخر بنبرة حاول أن يجعلها واثقة:
– أشعر أنه يوم حظنا.
كان ضياء يقف إلى الخلف قليلًا، يراقب الأرض لا الرجال،
وعدوه بحصة ستغير حاله، لم يبدُ عليه الحماس ذاته بل شيء أقرب إلى التردد.
قال بهدوء:
ـ وما الضمان أن ما نبحث عنه موجود؟
لم يلتفتوا إليه مباشرة.
أجابه الرجل الأول:
– المسألة مجرد فقط.
تدخل الشيخ أخيرًا، صوته منخفض، لكنه حاسم:
– ليصمت الجميع.
ساد صمت قصير.
ثم أخرج الكيس القماشي، وبدا عليه التردد وهو يفعل، نثر التراب الأبيض ببطء، كأن يده تختبر الأرض لا ترسمها.
خطّ دائرة واسعة، ثم أخرى داخلها.
سأله ضياء:
– لِمَ دائرتان؟
أجاب دون أن يرفع نظره:
-لئلا يخرج من بالداخل…
تبادلت النظرات، لكنها لم تتحول إلى اعتراض، أخرج مسمارًا قديمًا، أسود اللون، وغرسه في الأرض، ثم وضع العصا في المنتصف، وقفوا جميعًا، انتظروا.
مرّت الثواني ثقيلة، ممتدة.
ثم… تحركت العصا، اهتزاز خافت، كأنه يُقاوَم من الأسفل.
رفع الشيخ رأسه فجأة، وصوته أقل ثباتًا:
– الأرض، لا تستجيب.
قال أحدهم بنفاد صبر:
– وماذا يعني ذلك؟
– يعني أن هناك ما يرفض.
ساد الصمت مرة أخرى، ثم قال الرجل الأول بحدة:
– لن نعود أدراجنا.
نظر إليه الشيخ طويلًا، ثم قال:
– إذن… أكملوا، لكن لا تسألوا عمّا يأتي بعد ذلك.
لم يأتِ الصوت من حيث توقعوا.
لم يكن من تحت الأرض…
بل من خلفهم.
زفير.
واضح… وقريب.
تصلب جسد ضياء، وقال بصوت خافت:
-هناك… أحد خلفي.
قال الشيخ بسرعة:
– لا تلتفت.
لكن الحركة سبقت النهي، استدار، لم يرَ شيئًا.
لكن وجهه تغيّر، رفع يده ببطء، كأنما يبعد شيئًا عن وجهه:
– لا أرى… لكن…
انقطع صوته.
-أشعر بأنفاس.
تراجع خطوة، فتراجع معه الآخرون دون وعي.
قال الشيخ، وكأنه يدفع نفسه دفعًا:
– لا بدّ من دم.
هذه المرة، لم يتكلم أحد، لكن النظرات، قالت كل شيء، توقفت عند ضياء، فهم، قبل أن يتحرك أحد.
– لا…
قالها بصوت مبحوح.
ـ لم يكن هذا اتفاقنا.
اقترب أحدهم، وقال بهدوء مريب:
ـ لن يكون أكثر من جرح بسيط.
ـ أنتم تعلمون أن الأمر ليس كذلك.
لم ينفِ أحد.
تقدم زهران، والسكين في يده، مترددًا للحظة.
قال ضياء، وهو يتراجع:
ـ جئتم بي لهذا؟
صمتهم… كان الإجابة.
حاول أن يبتعد، لكن الأيدي كانت أسرع.
لم تكن الضربة عميقة في البداية…
لكنها كانت كافية، صرخ، ثم اختنق صوته، الدم سال… ببطء، تركوه.
ينظر إليهم… بعينين لم تستوعبا ما حدث.
قال أحدهم، بصوت مضطرب:
– هل… انتهى؟
انحنى آخر، وضع يده قرب فمه، ثم قال:
ـ لا نفس.
ساد صمت ثقيل.
الأرض… تحركت.
ليس اهتزازًا… بل ارتخاء.
كأنها كانت ممسوكة،وثم أُفلتت.
شقّ رفيع ظهر… ثم اتسع.
الصوت الذي خرج لم يكن ترابًا… ولا حجرًا.
كان أعمق.
حرارة صعدت… خانقة.
ثم…
نباح.
من أسفل.
تراجع الشيخ، وعيناه متسعتان:
– أغلقوا… فورًا!
– كيف؟!
– هذه ليست مقبرة، بل كنز! تخص كاهن وتحمل لعنة.
صوته انكسر:
– هذا… كان مغلقًا لسبب.
ارتفع الغبار فجأة.
اختنق الهواء.
لم ينتظروا.
اندفعوا خارج الدائرة، ثم خارج الحفرة.
لم يجرؤ أحد على الالتفات.
فقط أنفاسهم…
وصوت آخر يزحف خلفهم.
همهمة… غير مفهومة… لكنها قريبة.
حين وصلوا إلى الخارج، سقط بعضهم أرضًا.
– نجونا…
لكن الكلمة بدت ناقصة.
لأن الصوت… لم يتوقف.
كان لا يزال حولهم.
تلفتوا.
– أين الشيخ؟
لم يكن بينهم.
لحظة صمت…
ثم ظهر.
يصعد ببطء من الحفرة.
خطواته غير متزنة.
رأسه مائل.
عيناه… لا تريانهم.
اقترب.
وتكلم.
كلمات… لكنها ليست لغة يعرفونها.
صوت… كأنه يُسحب من عمقٍ بعيد.
تراجعوا.
– ما هذا الذي يقوله؟
لم يُجب أحد.
لأن أحدهم… لم يكن ينظر إلى الشيخ.
كان ينظر خلفه.
إلى الفتحة.
رفع يده… وأشار.
ببطء.
دون أن ينطق.
تبعوا نظره.
في الظلام… داخل الشق…
شيء يتحرك.
ببطء.
ثم…
خرجت يد.
مغطاة بالتراب… والرطوبة.
تقبض على الحافة.
صوت خافت… كزفير طويل.
ثم بدأ الرأس في الظهور.
تراجع أحدهم خطوة، وهمس بصوت يكاد لا يُسمع:
— أنه المرحوم ….
يتبع
لعبة الموت الجزء الرابع
شريف جلال القصاص
“لا نشعر بالنعمة إلا حين نفقدها”
وربما كانت تلك هي الحقيقة الأكثر رعبًا في فكرة الموت نفسها… أن البشر لن يدركون رحمته إلا حين يُنتزع منهم،
فالحياة التي لا نهاية لها ليست هبة ونعيم إلا في الجنة، أما في الدنيا تكون حكمًا أبديًا بالعذاب؛ حين يمتد الظلم بلا توقف، ويستمر المرض بلا راحة، ويُحبس الإنسان داخل ألمه إلى الأبد.
منذ فُتحت المقبرة أسفل الأرض القبلية، بدا وكأن بابًا لا يخص هذا العالم قد انشقّ في قلب المركز ، ولم يعد أحد يعرف، هل ما يحدث تحقيق لعقيدة البعث القديمة؟ أم لعنة نزلت على قوم استهانوا بحياة البشر، فعوقبوا بنقيض الموت؟ بقاءٌ بلا نهاية… ألمٌ لا يهدأ… وقسوة لا تنطفئ… وسجن سرمدي يُحبس فيه الظالم والمظلوم معًا.
لم يكن جرح ضياء عميقًا… لكنه كان كافيًا للموت، الشق الممتد فوق وريده بدا مرعبًا تحت ضوء القمر، والدم يندفع بغزارة غير منطقية، حتى خُيّل لمن حوله أنهم يشاهدون خدعة سينمائية متقنة لا حادثًا حقيقيًا، لكن الرعب الحقيقي لم يكن في الدم.
بل في ضياء نفسه الذي اندفع نحو زهران فجأة، والسكين التي ذُبح بها لا تزال في يده، تتقاطر منها خيوط دم داكنة بدت سوداء تحت الضوء الخافت، تراجع الرجال مذعورين.
أحدهم سقط أرضًا وهو يصرخ:
— “لقد مات… أنا واثق”
أما الشيخ الدجال، فظل يتمتم بتعاويذ مختلطة، الكلمات تتعثر فوق لسانه من شدة الرعب، ثم اختفى وسط الفوضى كأنه تبخر داخل الظلام.
تراجع زهران خطوة، وشعر لأول مرة أن ركبتيه لا تحملانه،
لكنه تماسَك بصعوبة، كان يعرف أن الخوف إذا ظهر في عينيه الآن، انتهى كل شيء.
صرخ في رجاله:
—”امسكوه! امسكوه يا أشباه الرجال!”
لكن أحدًا لم يتحرك.
اقترب ضياء ببطء، وعيناه لا تحملان غضبًا بقدر ما تحملان شماتة باردة… شماتة رجل أدرك أن قاتليه صاروا أكثر رعبًا منه قبل ذبحه.
قال بصوت خرج كاحتكاك حجرين:
— “كسرتم الميزان…”
ارتجف زهران.
أكمل ضياء وهو يبتسم ابتسامة ميت:
— “السبيكي حذركم… وأسلافه من قبله حذروا كذلك”
ثم فجأة…
استدار، عاد نحو القبر المفتوح أسفل الأرض، واختفى داخله كما لو أن الظلام ابتلعه.
وحين اندفع الرجال خلفه، لم يجدوا شيئًا، لا جثة، لا أثر دم، لا حتى صوت أنفاس.
أما زهران ورجاله، فما تبقى من عقولهم لم يعد يكفي لفهم ما جرى، صاروا كخيالات بشر… أجساد تتحرك بينما أرواحها عالقة في مكان آخر، وفي اللحظة نفسها، كان الخبر ينتشر عبر القرى كالنار وسط الحقول الجافة.
قتلى… لعنة… كنز فرعوني… مقبرة ملعونة… جن يظهر من تحت الأرض…
كل رواية كانت تجر خلفها عشر روايات أخرى، وخلال ساعات، تدفقت الجموع نحو ميت حياة قبلي؛ تجار آثار، رجال نفوذ، باحثون عن الكنوز، أصحاب ثأر أهل حسان وابانوب وضياء، ومتطفلون جاءوا فقط ليشاهدوا الرعب بأعينهم، وبدا وكأن البلدة كلها دخلت فجأة في نوبة هذيان، دوى الرصاص ونصل السكاكين يلوح بها وتصطك بالاجساد والدماء تتناثر والضحايا تتساقط.
وصل مهران أخيرًا، تاركًا صوان عزاء السبيكي شبه خالٍ، ترجل من سيارته بوجه مرهق وعينين غارقتين في صدمة وسؤال عالق في حلقه :
– ماذا سوف يقول لقبر جده ؟
الميزان اختل! فتنة الأرض القبلية أطلت برأسها.
ـ هل يعود اللبن إلى الضرع؟
هل أخطاء جده أن حمله تلك الأمانة قبل موته ؟
ام أن موت جده هو نفسه الخطاء وكسر لباب لا اصلاح له؟
بعد قليل وصلت سيارات المركز وقوات الأمن تشق الزحام بصعوبة، بينما كانت عربات الإسعاف تغادر تباعًا محملة بأجساد لم يعد أحد يعرف إن كانت حية… أم ميتة فعلًا.
برلين
وصل خبر وفاة السبيكي إلى هناء، جلست فوق حافة السرير تبكي بصورة لم تتوقعها، وربما لم يكن بكاؤها على السبيكي وحده… بل على كل شيء فقدته دفعة واحدة: شقيقها، زوجها، وبيتها القديم الذي مات ببطء حتى فرغ من كل صور الحياة.
أما يونس، فلم يكن يعرف السبيكي جيدًا، يتذكره فقط من صور قديمة باهتة، لكنه جلس بجوار عمته صامتًا، يشاركها الحزن كأن الحزن نفسه إرث عائلي ينتقل بينهم.
قالت هناء وهي تمسح دموعها:
— “سوف أعود لمصر حتمًا.”
رفع يونس عينيه إليها:
— “وأنا سوف اكون معك.”
نظرت إلى سعاله الطويل قبل أن ترد:
— “إنت بالكاد تقف على قدميك.”
ابتسم رغم الدم الذي شعر بطعمه في حلقه:
— “لن ادعك وحدك.”
لكن نوبات المرض الصدري التي عادت تفتك به جعلت السفر مستحيلًا، فاتفقا فقط على البقاء على اتصال دائم.
مستشفى ميت حياة العام
وقف الدكتور أيمن وسط الفوضى كمن يحاول إيقاف طوفان بيديه، وصل عشرات المصابين من عراك الأرض القبلية دفعة واحدة، ثلاث عشرة حالة توقفت قلوبها بالكامل، هبطت المؤشرات الحيوية إلى الصفر، وصدرَت شهادات الوفاة بالفعل.
في الخارج، كان صالح التربي يراقب المشهد بعين خبيرة، ولم يستطع إخفاء رضاه الخفي، فكما يقول دائمًا: “مصايب قوم عند قوم فوائد.”
موت كثير… دفن سريع… ولا توجد أوامر عزل أو خوف من عدوى.
ضغط رجال الأمن كان واضحًا: إنهاء الأزمة بسرعة قبل أن تصل الأخبار إلى الوفود السياحية القادمة إلى الأقصر، أما صالح، ومغسل الموتى، فلم يكونا يهتما بشيء سوى أن ينتهي العمل سريعًا.
ساعدصالح على ذلك أن مغسل المستشفى كان عجوزًا خرفًا تجاوز التسعين.
لكن الأمور بدأت تصبح… غير طبيعية، أحد الموتى تحركت أصابعه أثناء الغُسل، آخر ارتفع صدره وهبط ببطء شديد، امرأة سالت دمعة من عينها المغلقة، تجمد صالح للحظة وهمس:
— “ماذا أفعل…”
لكن شهادة الوفاة كانت قد كُتبت، انتهى الأمر، أُغلق الكفن… رغم صوت الأنفاس المتقطعة القادمة من الداخل،
كان يقنع نفسه دائمًا: “أنا لست طبيب.”
ثم يربط الكفن بإحكام زائد… كأنه يخشى أن يخرج أحدهم.
لكن الخوف بدأ يتسلل إليه رغماً عنه،
رجل شعر بحرارة يده وهو يُنزله القبر.
امرأة حركت جفنها لحظة وضع الطوب فوق اللحد.
وشاب سمعه يهمس قبل دفنه:
— “أنا حي…”
تراجع صالح مذعورًا وأقنع نفسه أنه يتوهم.
نظر حوله… ثم أسرع يهيل التراب فوقه بعنف أكبر.
وصلت هناء إلى الأقصر بعد يومين ضمن وفد سياحي ألماني كانت ترافقه كمترجمة ومرشدة مؤقتة، وكانت تحمل داخلها أكثر من سبب للعودة: العزاء، الميراث، والهروب من ذلك الشعور الثقيل الذي ظل يطاردها في برلين، طوال الطريق، لم تتوقف عن إرسال الرسائل ليونس،
معبد الأقصر
وقف السياح مبهورين أمام الأعمدة العملاقة التي بدت تحت الغروب كأنها بقايا عالم مات منذ آلاف السنين وما زال يرفض الاختفاء، لكن هناء شعرت بقشعريرة غريبة وهي تسير بين التماثيل، لاحظ المرشد السياحي، جلال العناني، لهجتها الأقصرية فسألها مبتسمًا:
— “إنتِ من هنا؟”
أجابت بابتسامة باهتة: — “ولدت هنا.”
وخلال الجولة، سأل أحد السياح عن لعنة الفراعنة وعقيدة البعث والخلود.
ابتسم جلال بثقة المرشد المعتادة، ثم قال بنبرة مختلفة هذه المرة:
— “ربما لم يكن المصري القديم يؤمن برجوع الموتى حرفيًا… قد يكون مؤمن بشيء مختلف.”
سأله السائح: — “ماذا تقصد ؟”
نظر جلال إلى التماثيل العملاقة قبل أن يجيب:
— “إن بقاء الملوك حي بعد موته… في أثره… في خوف الناس منه… في استكمال ما بدأه .”
صمت قليلًا ثم أكمل:
— “ينتصر بعد موته أكتر مما انتصر وهو حي.”
شعرت هناء بانقباض بارد في صدرها.
لأن ما يحدث حولها بدا فجأة قريبًا جدًا من تلك الفكرة.
مرت أسابيع… ثم شهور.
وفي ميت حياة قبلي، بدأ الناس يدركون الحقيقة المرعبة:
الذين دُفنوا يوم المعركة عند الأرض القبلية… كانوا آخر من ماتوا.
بعدها… اختفى الموت.
أو هكذا بدا الأمر.
الحوادث استمرت، الأمراض استمرت، الثأر صار أكثر وحشية، كن النهاية نفسها لم تعد تحدث.
سقوط الرجال من سطح المنازل المرتفعة وتحطم اجسادهم… ليس كاف الموت
غرف طفل وانتفخت جثته… يتبعه عودة النفس اليه فجأة وسط صراخ أمه، توقف قلب أم لليلة كاملة… بعدها يعود للعمل، تستفيق وتسأل عن أبنائها.
ولم يعد أحد يعرف: متى يموت الإنسان فعلًا؟
في المستشفى، بدأ الدكتور أيمن ينهار ببطء، الممرات امتلأت بأجساد معلقة بين الحياة والموت، بعض الأطباء استقالوا، آخرون لجأوا للمهدئات حتى فقدوا قدرتهم على الدهشة.
أما أيمن، فصار يحتفظ بدفتر صغير يسجل فيه كل حالة سرًا، بعدما منعت أجهزة الأمن الحديث عمّا يحدث.
كانت السياحة خطًا أحمر، أي إشاعة عن الوباء الصدري فصلا عن “عودة الموتى” كفيلة بتحويل الأقصر إلى مدينة مهجورة، لذلك خرجت الصحف تتحدث عن: وباء عصبي، شائعات سببها الخوف، اختفت مقاطع الفيديو من الإنترنت خلال ساعات، لكن الحقيقة كانت أكبر من أن تُخفى.
الأخطر… أن العائدين لم يعودوا كما كانوا، صاروا أقل خوفًا، أقل رحمة،وكأن شيئًا إنسانيًا انطفأ داخلهم إلى الأبد، ومع الوقت، بدأ المجتمع نفسه يتآكل، المشاجرات تحولت إلى مذابح، لأن فكرة الموت لم تعد تردع أحدًا، حتى الإيمان بدأ يضعف.
المساجد والكنائس فرغت تدريجيًا، المقابر فقدت رهبتها، والحزن نفسه صار باهتًا… كأن البشر تعبوا من الفقد حتى فقدوا قدرتهم عليه.
في برلين، كان يونس يراقب كل شيء بعين مختلفة، مرضه ازداد سوءًا، لكنه غرق بالكامل في البحث عن تفسير، استغل طبيعة عمله للوصول إلى تقارير طبية قديمة تتحدث عن توقف كامل للوظائف الحيوية ثم عودتها دون تفسير واضح، قرأ عن تجارب سوفيتية، وأبحاث ألمانية أُغلقت ملفاتها منذ عقود، وحوادث غامضة وقعت أثناء الحروب والأوبئة.
وشيئًا فشيئًا، بدأت فكرة مخيفة تتشكل داخله:
ربما الموت ليس قانونًا ثابتًا… بل توازن هش يمكن أن يختل، وفي إحدى الليالي، بينما كان يعمل حتى الفجر، وصلته رسالة صوتية من هناء.
ضغط تشغيل، جاءه صوتها متعبًا بصورة أرعبته:
— “يونس… أنا أشعر بألم ينهش صدري.”
ثم تبع ذلك سعال طويل مؤلم.
— “الدكتور يقول إنه نفس الفيروس الصدري…”
صمتت لحظة.
ثم همست بصوت مرتجف:
— “الناس هنا بيقولوا إن الموت مات…”
توقف التسجيل لثوانٍ.
ثم عاد صوتها أضعف من قبل:
— “لكني أشعر إنه قريب مني أكتر من أي وقت.”
شهقة متقطعة…
ثم همسة أخيرة:
— “تعالى… أرجوك… لا تتأخر.”
انتهى التسجيل.
وظل يونس ممسكًا بالهاتف طويلًا بينما الألم يعصر صدره.
ولأول مرة منذ شهور… شعر بخوف حقيقي.
في الصباح، بدأ إجراءات السفر إلى مصر رغم اعتراض الأطباء، كان يشعر أن شيئًا ما ينتظره في ميت حياة قبلي… شيئًا بدأ لحظة فُتحت المقبرة تحت الأرض القبلية…
ولم ينتهِ بعد.
وفي الليلة نفسها…
على أطراف مقابر ميت حياة، سمع الحراس صوت طرقات مكتومة تأتي من أسفل التراب.
توقفت الأنفاس.
ثم ارتفعت شهقة طويلة متقطعة…
كأن أحدهم يحاول التنفس تحت الأرض.
يتبع
لعبة الموت الجزء الخامس
شريف جلال القصاص
القادم من الخارج
البطل في الروايات يبقى حيًا، يركض لينقذ حياة على وشك الانطفاء، يعترض طريق رصاصة تلاحق ضحيتها، ويحرم الموت من فريسته في اللحظة الأخيرة، أما البطل هنا، فجاء يبحث عن الموت نفسه، يفتش عن النهاية التي تمنح البدايات معناها، عن الرحيل الذي يجعل اللقاء ثمينًا، و الفناء الذي يمنح العمر قيمته.
حين خرج يونس من مطار الأقصر، شعر للحظة أنه لم يعد في مصر التي حدثته عنها عمته يومًا، لم تكن المشكلة في الحواجز الأمنية، ولا الكاميرات الحرارية، ولا رجال الشرطة المنتشرين في كل مكان، بل في البشر، أو ما بقى من بشريتهم.
مر برجل يسعل بعنف حتى احمر وجهه، ولم يلتفت إليه أحد، طفل يبكي في حضن أمه، بينما كانت تحدق أمامها وكأن صوت بكائه لا يعنيها، وبائع جرائد يلوح بصحف ـاخبارها ليس فيها جديدـ بإصرار غريب، كأنه يحاول إقناع الناس بشراء طعام فاسد، كان الجميع يؤدون أدوارهم فقط.
يتحركون.
يتكلمون.
يتنفسون.
لكن شيئًا ما غادرهم، شيئًا لا تراه العين.
كانت مكبرات الصوت تكرر التحذيرات دون توقف:
“عدم ارتداء الكمامة مخالفة تستوجب الاحتجاز.”
“الرجاء الالتزام بإجراءات الحجر الصحي.”
“يمنع التنقل إلى المناطق المحظورة.”
ومع ذلك لم يكن أحد يبدو مهتمًا.
هاتف عمته هناء ظل مغلقًا منذ آخر رسالة استغاثة وصلته منها، رسالة قصيرة، مرتبكة تطالبه بالمجيء حتى يراها، وربما يودعها.
بعدها وصله اتصال من خاله مهران يخبره أنها نُقلت إلى مستشفى المركز، ومنذ ذلك الوقت…
لا رد.
لا اتصال.
لا رسالة واحدة.
شعر بانقباض ثقيل في صدره، وللمرة الأولى راوده إحساس مؤلم بأنه ربما تأخر، صحيح أن جواز السفر الألماني سمح له بالدخول ضمن فوج سياحي إلى الأقصر، لكن الوصول إلى ميت حياة كان قصة مختلفة.
كل الطرق الرسمية مغلقة، الحافلات متوقفة، سيارات الأجرة ممنوعة، والقطارات لا تتجاوز المدينة، كان عليه أن يسلك طريقًا آخر، طريقًا لا يظهر على الخرائط.
وقبل الغروب وجد انفسه مكانًا داخل صندوق سيارة نصف نقل متهالكة، حولَه غرباء، ورائحة عرق ودواء وخوف، بجواره عجوز يتنفس بصعوبة من أسطوانة أكسجين صغيرة، وفي الركن المقابل رجل نحيل يحتضن فتاة فاقدة الوعي.
سأل يونس الشاب الجالس قربه:
ـ لماذا تذهبون إلى مكان خطر كهذا؟
أشار الرجل إلى العجوز بجواره.
ـ أبي يحتضر، والناس تقول التي هناك لا تموت.
قال آخر:
ـ ربما تكون كذبة.
وقال ثالث:
ـ أو معجزة.
وبينما دار الجدل، التقط يونس همسات ثلاثة رجال في الخلف، لم يسمع كل شيء، لكن كلمات بعينها وصلت إليه:
كنز…
مقبرة…
ذهب…
أدرك أن بعضهم لا يبحث عن النجاة من الموت.
بل عن الربح من الفوضى، ربما تجار آثار.
كلما اقتربوا من المركز ظهرت آثار الأزمة، لافتات، شائعات،
مقاطع مصورة، قصص عن معجزات، وقصص عن لعنات.
وقصص تناقض القصص الأخرى، أما الشيء الوحيد المشترك بينها جميعًا…
فهو أن أحدًا لم يملك دليلًا.
وصل يونس إلى المستشفى منهكًا، السعال يمزق صدره، والكمامة تجعل التنفس أصعب، لكن التعب كله اختفى لحظة رأى مهران، احتضنه الرجل بقوة.
وقال:
ـ الحمد لله أنك وصلت.
خرج السؤال من فم يونس فورًا:
ـ أين عمتي هناء؟
بعد دقائق كان يقف أمام غرفة العناية المركزة.
أجهزة التنفس تحيط بسرير عمته، والأكسجين يتدفق بصعوبة، أما الدكتور أيمن فكان يقف قربها بعينين حمراوين من السهر، رجل لم ينم منذ أيام.
وحين اطمأن يونس قليلًا سأله:
ـ هل صحيح ما يقوله الناس؟
نظر إليه الطبيب طويلًا.
ـ أي جزء؟
ـ اختفاء الموت.
تنهد أيمن.
وقال:
ـ أنا طبيب، مهمتي أن أصف ما أراه، أما تفسيره، فلم أعد أملكه.
جلسا في غرفة صغيرة، فوق الطاولة ملفات وتقارير وتحاليل مبعثرة.
قال يونس:
ـ هل أعلنت وفاة أشخاص ثم عادوا؟
ـ في البداية نعم.
ـ والآن؟
ـ لم أعد أستعجل.
ـ ماذا يعني ذلك؟
ساد الصمت.
ثم قال:
ـ يعني أنني أصبحت أخشى كلمة وفاة.
قبل أن يكمل حديثه اندفعت ممرضة إلى الداخل.
شحب وجهها.
ـ دكتور أيمن!
قفز من مكانه.
ـ ماذا حدث؟
ـ الحالة رقم سبعة وأربعين.
ركض الجميع نحو العناية، يونس خلفهم، ومهران خلف يونس، وحين وصلا كانت مجموعة الأطباء تحيط بسرير هناء، الأجهزة تصرخ، الأوامر تتطاير، والوجوه متوترة.
ثم…
بعد دقائق طويلة بدت كأنها ساعات…
استقر النبض، وعادت المؤشرات، وتنفس الجميع الصعداء.
أما مهران فجلس على أقرب مقعد يتمتم بكلمات لم تُسمع.
في تلك الليلة لم ينم يونس، كان هناك شيء خطأ، شيء أعمق من المرض، وأخطر من الحجر الصحي، وأشد رعبًا من قصص الموت.
في صباح اليوم التالي خرج مع مهران رغم شعور غائر بحزن لم يفصح عنه ليونس، يزوران البيوت، ويطمئن على أهالي المركز.
في منزل رجل مصاب بالسرطان جلس الإبن أمام التلفاز يشاهد مسلسلًا قديمًا، لم يلتفت إلى أبيه المتألم.
سأله مهران:
ـ كيف حال والدك؟
قال بلا مبالاة:
ـ كما هو.
ليس حيًا.
ولا ميتًا.
ـ هل يحتاج شيئًا؟
ـ لا أعرف.
ولم يرفع عينيه عن الشاشة.
خرج يونس مصدومًا.
ـ ما سر هذا الجحود؟
ـ لم يعودوا يشعرون بالخسارة.
وحين لا تخسر شيئًا…
تتوقف عن تقدير قيمته.
وفي بيت آخر، جلس زوجان متقابلان، صامتين، لا شجار.
ولا حديث، ولا حب، ولا كراهية.
سأل يونس بعد خروجهما:
ـ هل بينهما مشكلة؟
ابتسم مهران بمرارة.
ـ وهل يوجد بيت بلا مشاكل؟
ـ إذن؟
ـ المشكلة أن كليهما فقد الرغبة في حلها، صارا ينتظران نهاية لا تأتي.
ثم زارا الشيخ رضوان أمام المسجد الكبير، بدا الرجل أكبر بعشرين سنة عن عمره.
قال:
ـ كان الناس يخافون الله، ثم خافوا الموت، ثم اختفى الموت، فاكتشفوا أنهم لا يخافون شيئًا، لا شيء يردع الظالم، ولا شيء يواسي المظلوم، ولا معنى للعدل، ولا أمل في الانتقام.
في “كنيسة القديسين”روى الأب سمعان قصة المرأة،
امرأة جاءت تبكي، تعترف بأنها قتلت ابنها، لكنها كانت تدافع عن نفسها وزوجها من طمع ذلك العاق الذي اعتدى عليهما، وهو يحاول أن يستولى على اخر ما معهم لشراء المخدرات، لم تكن تقصد لكنها لم تأسف على ذلك.
وحين طلب منها تسليم نفسها للشرطة قالت:
ـ وكيف أعترف بجريمة لم تعد موجودة؟
ـ ماذا تقصدين؟
ـ لأنه مالبث أن قام برغم الجرح الكبير المميت في رأسه،
وكأن شيئًا لم يحدث، وصار يحضر معه كل يوم يمليء جيوبه من المخدرات، دون أن يستطيعون منعه.
المستشفى
في المساء سمحوا ليونس بزيارة عمته هناء، بدت أضعف كثيرًا، لكن عينيها بقيتا كما هما، قالت بابتسامة واهنة:
ـ جئت من أجلي أم أنك تبحث عن الموت؟
ابتسم، هو نفسه لم يكن يملك اجابه.
ـ وأنت؟
أغلقت عينيها قليلًا.
ثم قالت:
ـ أبحث عن الحياة، عن الناس الحقيقيين.
ثم همست:
ـ الموت لم يكن أسوأ ما فقدناه، بل ضعفنا، ذلك الضعف الذي يبقينا بشرًا.
خرج يونس أكثر حيرة، وفي الممر رأى دفترًا صغيرًا بيد أيمن، ودون أن يسأل دفعه إليه:
ـ أنه شيء أسجل فيه كل حالة وفاة لم تكتمل، فتح يونس صفحاته، عشرات الأسماء، ومئات القصص، ولا تفسير واحد.
كان الليل يهبط ببطء على ميت حياة حين اقتحم رجلٌ مكتب الدكتور أيمن دون استئذان، كان وجهه شاحبًا وأنفاسه متلاحقة كمن ركض مسافة طويلة، قال وهو يحاول التقاط أنفاسه:
ـ يا دكتور… هناك حادثة مروعة، سيارة كانت تقل غرباء تسللوا إلى المركز… يجب أن تأتي فورًا.
نهض أيمن من مقعده، وقبل أن يخطُ خطوة واحدة، اندفعت امرأة إلى داخل المكتب، تخفي معظم وجهها ببرقعها، وهي تصرخ:
ـ بيت عليوه النجار!
التفت إليها أيمن سريعًا:
ـ ماذا حدث؟
ترددت لحظة، وكأنها تخشى النطق بما تعرفه، ثم قالت بصوت مرتجف:
ـ رائحة… رائحة عفنة تخرج من البيت، منذ يومين والشارع كله يشمها.
ساد الصمت.
همس أحد الواقفين محاولًا التخفيف من وطأة الأمر:
ـ ربما يكون كلب الحراسة قد مات.
لكن أحدًا لم يبدُ مقتنعًا.
كان المنطقي أن يتجه الجميع إلى موقع الحادث بحثًا عن ناجين، إلا أن شيئًا أقوى شدّهم نحو بيت عليوه النجار؛ احتمالٌ واحد جعل القلوب تخفق بقلق وترقب…
ربما تكون تلك أول وفاة حقيقية يشهدها المركز منذ شهور.
بعد دقائق وقفوا أمام البيت.
كل خطوة نحو الباب كانت تجعل الرائحة أثقل.
أقرب.
أوضح.
رائحة يعرفها الجميع مهما حاولوا إنكارها.
رائحة الموت.
كان الكلب ينبح بعنف ويشد السلسلة حتى كادت تخنقه.
طرق العمدة الباب.
مرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
وقبل أن يدفعه انفتح ببطء.
دخلوا.
وتجمدوا.
كان البيت هادئًا أكثر مما ينبغي، هدوء يشبه المقابر، جلست زوجته في منتصف الغرفة، شعرها ممشط بعناية وثوبها نظيف، تحتضن طفلًا ملفوفًا ببطانية زرقاء.
إلى جوارها جلس زوجها ينحت حصانًا خشبيًا صغيرًا،
رفع رأسه بغضب عندما رآهم.
ـ كان على وشك النوم لولا طرقكم على الباب، ثم أشار نحو الخارج.
ـ انصرفوا… أنتم تفزعونه. ولا تخبروا أحدًا عنه، نخشى أن يموت مثل إخوته، لذلك أخفيناه.
شعر يونس ببرودة تسري في جسده.
نظر إلى الطفل.
ثم أعاد النظر.
كأن عقله يرفض ما تراه عيناه، لم يكن نائمًا، كان ميتًا.
منذ يومين على الأقل؛ الذباب يحوم فوق البطانية، ورائحة التحلل تتسلل رغم العطر الذي أغرقوا به الغرفة.
قال مهران بصوت مكسور:
ـ لا تخف يا أبا محمود… لن نخبر أحدًا.
اقترب أيمن خطوة.
ـ دعيني أراه.
شدت الأم الطفل إلى صدرها بعنف.
ـ لا!
ثم نظرت إليهم بحدة.
ـ ماذا تريدون منه؟
مسحت زاوية فمه بحنان وأضافت:
ـ توقف عن البكاء أخيرًا.
ابتسمت.
ـ لأول مرة يظل هادئًا كل هذا الوقت.
شعر يونس بشيء ينكسر داخله.
كانت تصف الموت…
وكأنه شفاء.
حطت ذبابة على وجه الطفل، أبعدتها الأم برفق، ثم انتظرت أن يتضايق كما كان يفعل دائمًا، لكن محمود لم يتحرك.
لاحظ يونس ذلك ورأى القشعريرة تمر في وجوه الواقفين.
رفع الأب الحصان الخشبي ونظر إلى مهران:
ـ وعدته به.
ابتسم للطفل.
ـ أعجبك يا بطل؟
ثم أومأ برأسه كأنه تلقى جوابًا.
وضَحِك، ضحكة أب سعيد.
هرب أحد الرجال من الغرفة واضعًا يده على فمه، وبدأت عجوز تبكي بصمت، اقتربت من الطفل، انحنت عليه.
وسقطت دمعه حارة وقالت لها:
ـ البقاء لله يا ست صالحة.
فقفزت الأم واقفة.
ـ لماذا تدعين عليه؟
ـ ابني حي، ابني بخير، إنه فقط لا يحب الكلام مع الغرباء.
قال أيمن بصوت مبحوح:
ـ يا اسطى عليوه… مرت ثلاثة أيام.
نظر الرجل إليه باستغراب حقيقي.
استغراب صادق.
كأن الطبيب هو المجنون.
ـ ثلاثة أيام على ماذا؟
ساد صمت ثقيل.
ثم ابتسمت الأم وربتت على شعر الصغير.
ـ أنتم تغارون منا.
تريدون أخذه.
لقد برد جسده فقط… وتوقف قلبه قليلًا.
ثم عاد، أليس كذلك يا محمود؟
ضحكت وتمتمت وكأنها رأت منه إشارة حياة لم يراه غيرهما، بينما رأي الجميع أن الطفل ظل ساكنًا.
لا نفس.
لا نبض.
لا حركة.
وفي تلك اللحظة انتبه يونس إلى شيء، تفصيل صغير للغاية، كل الحالات التي جمعها، كل القصص التي سمعها.
كل الروايات التي دونها أيمن، كانت مختلفة، لكنها تشترك في شيء واحد، شيء موجود دائمًا.
في كل مرة.
أما محمود…
فلم يكن يملكه.
رفع رأسه ببطء، فوجد أيمن ينظر إليه، وفي عينيه الإدراك نفسه، ذلك الإدراك الذي يسبق اكتشاف الحقيقة بلحظات…
أو يسبق كارثة أكبر بكثير من الموت.
وقبل أن يستوعب أحد ما يحدث، رن هاتف أيمن.
استمع لثوانٍ فقط، ثم اتسعت عيناه فجأة.
سأله يونس:
ـ ماذا حدث؟
لكن أيمن لم يجب.
استدار مسرعًا نحو الباب.
واتجه مباشرة إلى موقع الحادث.
يتبع



