جزيرة الظل : حين تكشف ملفات إبستين شبكة المال والاستخبارات والطقوس المحرمة

✍️ يوحنا عزمي
منذ الأمس وأنا غارق حتى أذني داخل ما يُعرف بملفات جيفري إبستين ؛ غرق لا يشبه القراءة ولا البحث ، بل يشبه السقوط الحر داخل ثقب أسود لا قاع له. كل صفحة تقود إلى ما هو أظلم ، وكل وثيقة تفتح باباً على مستوى من الانحطاط يصعب على العقل استيعابه مهما حاول.
ما تحتويه هذه الملفات يتجاوز فكرة “فضيحة” أو “جريمة فردية”، ويدفعك دفعًا للتساؤل: إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا العالم حين تُرفع عنه كل القيود الأخلاقية والإنسانية؟
ولهذا السبب تحديداً ، هذا الطرح مختلف.
أنا هنا لا أروي قصة ، ولا أقدم رواية متخيلة ، بل أضع أمامك مقتطفات مما ورد في الوثائق نفسها ، كما هي، مع الإشارة إلى أرقامها وتسلسلها ، مرفقة بما أمكن تداوله علناً فقط. هناك أشياء أخطر وأقسى ، لكن مجرد الإشارة إليها علناً كفيل بإغلاق أي منصة ، لذلك ما يُنشر هنا هو “الحد الأدنى الممكن”، وهو في حد ذاته صادم بما يكفي.
خلينا نمشي خطوة خطوة … واستعد.
أولى الصدمات التي تصادفك في الملفات ، وثيقة تشير إلى أن جيفري إبستين تلقى دعماً مالياً مباشراً من “أريان دي روتشيلد”، المصرفية الفرنسية التي تشغل منصب الرئيس التنفيذي ورئيسة مجلس إدارة مجموعة “إدموند دي روتشيلد” منذ مارس 2023، وزوجة بنيامين دي روتشيلد، الرئيس السابق للمجموعة.
الوثيقة لا تقف عند حدود الاسم ، بل تفتح باباً أوسع :
ما هي مجموعة “إدموند دي روتشيلد”؟
بحسب التعريف الرسمي، هي مؤسسة خيرية دولية تأسست عام 2005 ، وتهدف – وفق ما تعلن – إلى دعم المبادرات التعليمية والثقافية والاجتماعية ، ولها نشاط مباشر داخل إسرائيل في مجالات إعداد القيادات الشابة، وتعزيز التعليم العالي ، وتقديم نفسها كذراع اجتماعي لصندوق إدموند دي روتشيلد.
لكن الاسم نفسه يعود إلى البارون إدموند دي روتشيلد، حفيد ماير أمشيل روتشيلد ، مؤسس العائلة المصرفية الشهيرة ذات النفوذ الواسع. ووفق ما تشير إليه الوثائق، فإن هذا الصندوق كان من بين الجهات التي مولت جيفري إبستين ، حيث ورد رقم محدد : 25 مليون دولار في عام 2015، مقابل عمله على ما وُصف بـ“خوارزميات” غير واضحة الهدف أو الاستخدام.
هذه هي الوثيقة الأولى .. وهي وحدها كفيلة بفتح عشرات علامات الاستفهام.
الوثيقة الثانية صادرة – بحسب ما هو متداول – من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي FBI، وتشير إلى أن إبستين كان محل تحقيق بوصفه طرفاً له صلات استخباراتية ، مع قناعة داخلية لدى جهات التحقيق بأنه كان يعمل كعميل ضمن شبكة تضم الـCIA والموساد ، وبالتنسيق مع حلفاء آخرين.
وتذكر الوثيقة أن من تولى الدفاع القانوني عنه كان آلان ديرشويتز ، أستاذ القانون بجامعة هارفارد ، وتُدرج أسماء شخصيات سياسية بارزة ورد ذكرها في سياق العلاقات أو التقاطعات ، من بينها جاريد كوشنر وشقيقه جوش ، إضافة إلى الإشارة إلى علاقة شخصية بين إبستين ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك ، مع الحديث عن تدريب استخباراتي وإيصال تقارير.
كما يرد ذكر بنيامين نتنياهو في سياق منفصل داخل الوثيقة ، مع توصيفات حادة منسوبة لجهات التحقيق نفسها، لا لمعلقين أو صحفيين.
أما الوثيقة الثالثة ، فهي من أكثر ما ورد إثارة للذعر.
رسالة بريد إلكتروني داخلية ، يُعتقد أنها متبادلة بين جهات تحقيق خلال عام 2019 ، تتناول شهادة أحد الضحايا. الشهادة – كما هي منقولة – تتحدث عن حفلات أقيمت على متن يخت مملوك لإبستين ، تتضمن ممارسات جنسية عنيفة ودموية ، وطقوس وُصفت بأنها “شيطانية”.
الشاهد يدعي تعرضه لطقوس إيذاء جسدي باستخدام سيف منحني ، دون ظهور آثار لاحقة للجروح ، ويتحدث عن ممارسات أبعد من الوصف تتعلق بإيذاء الأطفال.
هنا تحديدًا ، لا يقدم النص حكماً ، بل يضع الشهادة كما وردت ، مع الإقرار الصريح بأن للقارئ كامل الحق في التصديق أو التشكيك ، نظراً لهول ما يُقال.
الوثيقة الرابعة تأخذك إلى مستوى رمزي أكثر غرابة :
رسالة من إبستين إلى موظف في بنك “جي بي مورجان” يطلب فيها تحويل مبلغ 11 ألف دولار إلى حساب يحمل اسم “Baal”.
الاسم ، كما هو معروف تاريخياً ، يعود إلى “بعل”، الإله الكنعاني القديم المرتبط بالخصوبة والعواصف ، والذي تحول في الموروثات الدينية اللاحقة إلى رمز شيطاني، وارتبط بطقوس تضحية بشرية ، خاصة بالأطفال ، وفق ما تذكره مصادر تاريخية متعددة ودراسات أكاديمية، من بينها أبحاث تناولت مكتشفات أثرية في قرطاج.
اللافت هنا ليس التأويل ، بل مجرد اختيار الاسم ذاته لحساب بنكي في سياق كل ما سبق.
أما الوثيقة الخامسة، فهي الأخطر رمزيًا وسياسيًا.
مراسلة إلكترونية من إبستين إلى شخص مجهول الهوية، يسأله فيها عن مكانه ، ويعلق بعبارة : “أعجبني فيديو التعذيب”. الرد يأتي بأن الشخص موجود في الصين، وسيكون في الولايات المتحدة في الأسبوع الثاني من مايو.
التاريخ : 25 أبريل 2009.
البحث في الزيارات الرسمية خلال تلك الفترة يُظهر أن بنيامين نتنياهو كان بالفعل في زيارة للصين في ذلك التوقيت ، ثم توجه بعد أسابيع قليلة إلى واشنطن للقاء باراك أوباما في أول اجتماع رسمي بينهما.
مرة أخرى : لا استنتاجات جاهزة ، ولا اتهامات مباشرة. الوثيقة موجودة ، والتزامن الزمني قائم ، والتفسير متروك للقارئ.
عند هذا الحد ، التوقف يصبح ضرورياً.
ليس لأن الملفات انتهت ، بل لأن ما سبق وحده يحتاج وقتاً ليُهضم. هناك جزء ثانٍ ، وربما ثالث ، يحمل ما هو أعمق وأخطر ، إن كان في النشر متسع.
والسؤال الذي يظل معلقاً :
هل ما نراه هو مجرد شذوذ فردي… أم نافذة صغيرة على عالم سفلي يعمل في الظل، بلا محاسبة، وبلا حدود؟
الجزء القادم قد يقترب أكثر من الإجابة.



