كيف صُنع الشرق الأوسط الجديد وما الذي ينتظر المنطقة اليوم

✍️ يوحنا عزمي
نصف قرن من الثورات المصطنعة والتحالفات الغادرة : من الخميني إلى إعادة رسم النفوذ الإقليمي

لمن يتساءل عن جذور ما يجري اليوم ولماذا تتسارع الأحداث بهذه الصورة العنيفة ، فالمشهد – وفق هذه القراءة ـ ليس انفجاراً مفاجئاً بل نتيجة مسار طويل من التحالفات الخفية والوظيفية التي تغيرت أدوارها مع الزمن. ما يبدو الآن صداماً مكشوفاً ، يُقدم هنا باعتباره انتقالًا من مرحلة التفاهمات غير المعلنة إلى لحظة تصفية حسابات بين قوى صنعت بعضها بعضاً ثم انقلبت عليها عندما انتهت صلاحيتها.
مع نهاية سبعينيات القرن الماضي ، وتحديداً عقب سقوط نظام محمد رضا بهلوي وصعود روح الله الخميني ، تشكلت معادلة إقليمية جديدة أعادت ترتيب التوازنات في الشرق الأوسط.
في هذه الرواية ، لم يكن صعود الثورة الإيرانية حدثاً معزولًا بل جزءًا من هندسة استراتيجية أكبر تقاطعت فيها مصالح الولايات المتحدة الأمريكية مع حسابات إسرائيل ، لتنشأ مرحلة من الاشتباك المركب بين العداء المعلن والتنسيق غير المرئي.
الهدف الأول ـ بحسب هذا الطرح ـ تمثل في تصفية إرث الشاه الذي خرج في بعض مواقفه عن المسار الأمريكي ، خصوصاً في ما يتعلق بدعم مصر خلال حرب أكتوبر، وكذلك في إعادة تشكيل المشهد المصري بعد اغتيال محمد أنور السادات عام 1981. ومع صعود النظام الجديد في طهران ، بدا أن مرحلة كاملة قد طويت، وأن الإقليم دخل زمناً مختلفاً تحكمه شعارات الثورة العابرة للحدود.
الهدف الثاني ـ ارتبط بكبح طموحات العراق النووية في عهد صدام حسين. اندلاع الحرب العراقية الإيرانية لم يكن مجرد نزاع حدودي، بل تحول إلى حرب استنزاف طويلة أنهكت الطرفين وخلقت شرخاً مذهبياً عميقاً في المنطقة. خلال تلك السنوات ، برزت تقاطعات معقدة في التسليح والدعم الاستخباراتي ، وأُعيد إنتاج خطاب مذهبي غذى انقساماً سنياً ـ شيعياً ما زالت آثاره ممتدة حتى اليوم.
الهدف الثالث ـ فتمثل وفق هذا المنظور ـ في ترسيخ صورة ذهنية سلبية عن الإسلام السياسي في الوعي الغربي ، من خلال ربطه بالتشدد والعنف ورفض الحداثة. تزامن صعود الثورة الإيرانية مع بروز تنظيمات متطرفة مثل تنظيم القاعدة ، ثم لاحقاً تنظيم داعش ، ما عمق هذا التصور في الإعلام والسياسة الغربية ورسخ خطاب “الإسلام كتهديد” في كثير من الدوائر.
الهدف الرابع ـ دار حول تعميق التوتر بين مفهوم الدولة الوطنية ومفهوم المرجعية الدينية العابرة للحدود. في الحالة الإيرانية، ترسخ مبدأ “ولاية الفقيه” بوصفه مرجعية سياسية ـ دينية تتجاوز الإطار الجغرافي ، وهو ما انعكس على علاقة بعض الجماعات الشيعية بالمرشد الأعلى ، الذي شغله لاحقاً علي خامنئي.
هذا النموذج ، في نظر منتقديه ، غذى إشكالية الولاء بين الدولة الوطنية والمرجعية الدينية، وأثار جدلًا واسعاً في بلدان عربية عدة.
الهدف الخامس ـ تمثل في تصدير نموذج الثورة إلى الإقليم ، عبر دعم حركات وتنظيمات مسلحة أو سياسية في لبنان وسوريا والعراق واليمن. خلال عقود ، تحول النفوذ الإيراني إلى شبكة ممتدة من التحالفات ، كان أبرز وجوهها في لبنان حسن نصر الله، الذي مثل أحد أعمدة هذا الإمتداد حتى مقتله في مواجهة مع إسرائيل، وهو حدث اعتبره البعض إعلاناً ضمنياً عن انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر مباشرة.
الهدف السادس ـ كما تُصوره هذه القراءة ـ كان خلق “خصم وظيفي” يُستخدم لتبرير الوجود العسكري والتحالفات والصفقات الكبرى في المنطقة. عبر شيطنة إيران وتضخيم تهديدها ، أمكن تمرير استراتيجيات أمنية واقتصادية ضخمة، خصوصاً في الخليج، ضمن سياق حماية الحلفاء وردع الخطر الإقليمي.
الهدف السابع ـ فارتبط بخدمة المصالح الإسرائيلية عبر إبقاء الصراع في حالة شد وجذب ، عداء في العلن وقنوات مفتوحة في الخفاء ، إلى أن وصلت العلاقة إلى نقطة الانفجار أو إعادة التموضع. في السنوات الأخيرة ، ومع تغير الإدارات في واشنطن من عهد جيمي كارتر الذي عاصر لحظة التحول الأولى ، وصولًا إلى مرحلة دونالد ترامب، بدا أن التعامل مع إيران انتقل من سياسة الاحتواء إلى سياسة الضغط الأقصى ومحاولة إعادة تشكيل النظام أو إضعافه جذرياً.
وفي خضم هذا التحول ، برزت شخصيات جديدة في المشهد السوري مثل أحمد الشرع ، المعروف سابقاً بأحمد الجولاني ، في سياق إعادة توزيع الأدوار داخل الساحة الإقليمية المضطربة، بما يعكس أن المنطقة لا تعرف فراغاً في موازين القوى ، بل انتقالًا مستمراً بين فاعلين تتبدل مواقعهم بين الهامش والمركز.
هذه القراءة ، بكل ما تحمله من اتهامات وتأويلات ، ترى أن ما يحدث اليوم ليس إلا فصلًا أخيراً في قصة بدأت قبل نحو نصف قرن ، حين تداخلت المصالح والأيديولوجيات وصُنعت تحالفات غير مستقرة. ومع تغير الظروف الدولية والإقليمية ، لم يعد النظام الذي أُنتج في سياق الحرب الباردة يؤدي الوظيفة ذاتها ، فبدأت مرحلة إعادة التشكيل.
وبين الروايات المتضاربة والوثائق السرية والتصريحات العلنية ، يبقى المؤكد أن الشرق الأوسط ما زال يعيش ارتدادات قرارات اتُخذت قبل عقود ، وأن فهم الحاضر يقتضي تفكيك ذلك التاريخ المعقد بعيداً عن الشعارات ، وبوعي نقدي لا يكتفي بالسرد ، بل يبحث في المصالح والنتائج.



