مقالات

حين تتحول المفاوضات إلى غطاء للحرب

✍️ يوحنا عزمي

في وسط التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، يتشكل مشهد معقد تتداخل فيه الرسائل السياسية مع التحركات العسكرية ، بحيث يصبح من الصعب الفصل بين ما هو تكتيك تفاوضي وما هو تمهيد فعلي لمواجهة أوسع.

التصريحات الصادرة عن دونالد ترامب بشأن الرغبة في التفاوض لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق ميداني يشهد حشداً عسكرياً متزايداً وتحركات نوعية لقوات خاصة ، ما يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت هذه الدعوات تمثل مساراً دبلوماسياً حقيقياً أم مجرد غطاء لخطط تصعيدية أكثر حدة.

التقارير الإعلامية ، وعلى رأسها ما نشرته NBC News، تفتح زاوية أخرى أكثر حساسية تتعلق بآلية صناعة القرار داخل الإدارة الأمريكية ، إذ تشير إلى احتمالية وجود فجوة معلوماتية بين القيادة السياسية والواقع الميداني. الحديث هنا لا يدور فقط حول نقص في البيانات ، بل عن انتقائية محتملة في عرض الوقائع ، بحيث يتم التركيز على النجاحات العسكرية الأمريكية وإغفال أي تطورات قد تعكس تقدماً إيرانياً أو خسائر ميدانية ، وهو ما قد يؤدي إلى قرارات مبنية على تصور غير مكتمل للصورة.

في المقابل ، تسعى إيران إلى ترسيخ معادلة ردع واضحة، مستندة إلى رواياتها بشأن استهداف أصول عسكرية أمريكية ، بما في ذلك الحديث عن ضربات طالت حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln، بالإضافة إلى مزاعم بإسقاط طائرات مقاتلة من طراز F/A-18 Hornet. ورغم أن هذه الادعاءات تقابل عادة بنفي أمريكي ، إلا أن أهميتها تكمن في تأثيرها النفسي والسياسي ، حيث تُستخدم لتعزيز صورة القدرة على الردع ورفع كلفة أي تصعيد محتمل.

ضمن هذا السياق ، يبرز البعد الجغرافي كعامل حاسم، إذ تتركز الأنظار على الجزر الإيرانية الاستراتيجية مثل جزيرة خرج وجزيرة أبو موسى، والتي تمثل نقاطًا محورية في منظومة تصدير النفط والتحكم في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. أي تحرك عسكري في هذه المناطق لن يكون مجرد عملية تكتيكية محدودة ، بل قد يشكل نقطة تحول استراتيجية تؤثر على أسواق الطاقة العالمية وتفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة.

التسريبات التي تحدثت عن استعدادات لنشر قوات نخبة، بما في ذلك وحدات محمولة جوًا وقوات خاصة ، تعكس تحولًا محتملًا نحو سيناريو العمليات البرية المحدودة، وهي بطبيعتها تحمل مخاطر عالية نظرًا لتعقيد البيئة الجغرافية واستعداد الطرف الإيراني لمثل هذا النوع من المواجهات.

في هذا الإطار ، تبدو إيران حريصة على إيصال رسالة مفادها أنها ليست في موقع دفاعي فقط ، بل تمتلك القدرة على نقل المعركة إلى نطاق أوسع ، سواء عبر استهداف المصالح الأمريكية أو حتى تهديد بنى تحتية إقليمية في حال تدخل أطراف أخرى.

على المستوى السياسي ، تتعزز هذه الصورة من خلال تصريحات مسؤولين إيرانيين تؤكد رفض التفاوض تحت الضغط، مقابل الإبقاء على قنوات غير مباشرة عبر وسطاء، وهو ما يعكس محاولة للموازنة بين تجنب التصعيد الشامل والحفاظ على أوراق القوة. في الوقت ذاته، تدخل أطراف دولية مثل روسيا على خط الأزمة ، محذرة من أن التصعيد الحالي قد يقود إلى سيناريوهات كارثية، بما في ذلك مخاطر مرتبطة بالأمن الإقليمي والدولي.

ما يتكشف من هذا المشهد هو أن المنطقة تقف على حافة مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة ، ويصبح أي خطأ في التقدير كفيلًا بإشعال مواجهة أوسع. وبين خطاب التفاوض وتحركات القوات ، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا هي أن جميع الأطراف تستعد لأسوأ الاحتمالات ، حتى وإن استمرت في الحديث عن فرص للحل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى