ابداعات

صمت مدان 

وائل الهاشمي

 

في مدينة لا تظهر إلا حين يتعب القلب من حمل نفسه، يقف قصر بلا اسم ثابت، كل من رآه سماه بطريقته؛ لكن الذين دخلوه فقط، عرفوا أنه كان يحمل اسمهم.

قصر لا أبواب له تفتح، ولا نوافذ تغلق، فقط فكرة واحدة:

أن الداخل أكثر إقناعًا من الخارج، وحين تصدقها تجد نفسك في الداخل دون أن تخطو.

 

هناك، لا يقاس الزمن بالساعات، بل بعدد المرات التي أعدت فيها نفس السؤال

ولم تجب.

الممرات طويلة مصنوعة من ( لو )، ومن ( كان يجب)، ومن أشياء لم تحدث؛ لكنها بقيت.

وفي عمق القصر، تقام كل ليلة جلسة لا يدعو إليها أحد،

ومع ذلك لا تغيب عنها.

 

طاولة من صمت، تجلس حولها وجوه تعرفها جيدًا، لكنها لا تشبهك كما تحب، بل كما تراك حين تتعب.

إنها ( اللجنة ) 

ليست أشخاصًا؛ بل نسخك القديمة حين لم تغلق جروحها:

نسختك التي خافت، ونسختك التي صمتت، ونسختك التي ضحكت كي لا تسأل لماذا تنكسر من الداخل.

يجلسون، ويفتحون الملفات.

ليس بالحبر بل بالهمس.

( أنت لم تكن كافيًا، تأخرت أكثر مما ينبغي، كان يمكن أن تكون لكنك لم تكن). 

 

تعرض الأدلة كأنها قدر:

لحظة تردد، باب لم تطرقه،

حلم نم قبل أن يولد، وكلمة كان يمكن أن تغير كل شيء لو خرجت في وقتها.

وأنت هناك، لا تقاوم.

تجلس في زاوية بعيدة، كأنك ضيف في محاكمتك، تستمع حتى تنسى الفرق بين ما حدث، وما قيل لك عنه.

 

ومع كل جلسة، يتغير شيء صغير فيك.

لا تعود ترى القصر كغريب،

بل كحقيقة.

لا تعود تسمع اللجنة كأصوات، بل كيقين.

تتحول الجدران إلى قناعات،

والممرات إلى طرق تفكير،

والسقف إلى حد لا تجرؤ أن تحلم بعده.

 

وهنا تكتمل المؤامرة.

لا لأن أحدًا خطط لها، بل لأنك صدقت كل ما قيل فيها.

تصير أنت القاضي وأنت المتهم، وأنت من يكتب الحكم دون أن يرفع رأسه ليرى إن كان هناك باب.

 

لكن في ذروة هذا الضجيج،

حين يبدو أن كل شيء انتهى،

يحدث خلل صغير جدًا صمت.

ليس صمتًا يسمع، بل يحس

كأن فكرة واحدة تعبت من أن تكون يقينًا.

وفي هذا الشقّ الضئيل،

يتسلل سؤال لم تدرجه اللجنة في جدولها:

( ومن قال إن هذا الصوت أنا؟) 

لحظة واحدة فقط، تتراجع فيها الجدران خطوة، ترتبك الوجوه، ويفقد الهمس ثقته.

تدرك شيئًا كان واضحًا طوال الوقت

لكنك لم تره:

أن القصر لم يكن مكانًا بل تفسيرًا.

وأن اللجنة لم تكن سلطة، بل صدى تعبك.

وأن المؤامرة لم تكن ضد حياتك بل ضد لحظة الهدوء

التي كان يمكن أن ترى فيها نفسك كما هي لا كما قيل عنها.

تنظر حولك؛ فتلاحظ لأول مرة

أن هناك بابًا.

لم يظهر فجأة بل كان هناك دائمًا، لكن عينيك كانتا مشغولتين بالمحاكمة.

تقترب لا لتخرج، بل لتفهم:

أنك لم تكن سجينًا، بل قارئًا صدق القصة أكثر مما ينبغي.

 

وفي النهاية،

لا تغلق القصر خلفك،

ولا تهدمه، فهو سيبقى. 

لأن بعض الأسئلة لا تموت.

لكن الفرق الوحيد، أنك حين تعود إليه مرة أخرى، لن تجلس على الطاولة بل ستقف بعيدًا، تستمع، وتبتسم ابتسامة خفيفة، كمن عرف أخيرًا: أن كل هذا الصخب

لم يكن أكثر من صوت داخلي

نسي أنك تستطيع أن لا تصدقه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى