مقالات

نهاية سياسة الاحتواء .. هل انتقلت واشنطن إلى مرحلة حسم المواجهة مع إيران؟

✍️ يوحنا عزمي

عندما تتحول الضربات العسكرية المتقطعة إلى عمليات قتالية متواصلة، يصبح السؤال الحقيقي ليس : ماذا حدث؟ وإنما : هل دخلت المنطقة بالفعل مرحلة الحرب الشاملة؟ فالفارق بين توجيه رسائل عسكرية محدودة وبين إطلاق حملة هجومية واسعة لا يُقاس بعدد الصواريخ فقط ، وإنما بطبيعة الأهداف ، وكثافة العمليات، والخطاب السياسي المصاحب لها، وهو ما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن المواجهة الأمريكية الإيرانية دخلت بالفعل مرحلة أكثر خطورة من أي وقت مضى.

فالمشهد العسكري ، وفق ما يتم تداوله، يوحي بأن واشنطن لم تعد تكتفي بضربات محسوبة تُستخدم للضغط السياسي أو لتحسين شروط التفاوض، وإنما تتجه إلى استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية بصورة متواصلة، عبر استهداف مواقع استراتيجية ومنشآت عسكرية وموانئ ومناطق ذات أهمية لوجستية. ويكتسب هذا التطور أهمية أكبر مع الحديث عن إخطار رسمي أرسله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الكونجرس بشأن استئناف الأعمال العدائية ضد إيران، وهو ما يراه البعض مؤشراً على انتقال المواجهة إلى مستوى جديد أكثر اتساعاً وتنظيماً.

وفي الحروب الحديثة، لا يكون السلاح الجديد مجرد أداة قتال، بل يحمل رسالة سياسية ونفسية أيضاً. ولذلك فإن الحديث عن استخدام أنظمة مسيرة بحرية انتحارية يمثل تطوراً لافتاً، لأن مثل هذه الوسائل تمنح القوات المهاجمة قدرة أكبر على استهداف المنشآت الساحلية والمرافئ والوحدات البحرية بأقل تكلفة بشرية ، كما أنها تعكس استمرار سباق التكنولوجيا العسكرية الذي بات يحسم كثيراً من معارك القرن الحادي والعشرين قبل أن تبدأ القوات التقليدية في التحرك.

ويبدو أن أحد أكبر التحديات التي تواجه القيادة الإيرانية ، إذا صحت هذه التقديرات، هو أنها ربما تعاملت مع الضربات الأولى باعتبارها استمراراً لسياسة “الضغط العسكري المحدود”، بينما تشير التطورات الحالية إلى نمط مختلف يعتمد على الضغط المتواصل وتوسيع بنك الأهداف. وهنا يصبح الفارق بين الأزمة والحرب فارقاً مصيرياً، لأن الدولة التي تتهيأ لتحمل ضربة أو اثنتين
قد تجد نفسها أمام حملة طويلة تستنزف قدراتها الاقتصادية والعسكرية في
آن واحد.

وتتردد في الوقت نفسه معلومات عن تحركات وساطة تقودها أطراف إقليمية، من بينها باكستان، في محاولة لاحتواء التصعيد وفتح نافذة للتفاوض. وإذا كانت مثل هذه التحركات قائمة بالفعل، فإنها تعكس إدراكاً متزايداً لدى العديد من العواصم بأن استمرار المواجهة لن يبقى محصوراً داخل الحدود الإيرانية، بل سيمتد سريعاً إلى أمن الخليج وأسواق الطاقة وخطوط الملاحة الدولية، وهو ما يجعل أي وساطة، مهما كانت فرص نجاحها محدودة، أفضل من ترك الصراع يتوسع بلا ضوابط.

أما مضيق هرمز، فيظل قلب المعركة الحقيقي، لأن السيطرة أو التأثير على هذا الممر البحري لا يحمل بعداً عسكرياً فقط، بل يمثل ورقة ضغط اقتصادية عالمية. فكل تصعيد في هذه المنطقة ينعكس فوراً على حركة التجارة الدولية وأسعار النفط والتأمين البحري، ولذلك تحاول كل الأطراف تثبيت حضورها العسكري هناك باعتباره أحد أهم مفاتيح إدارة الصراع.

وفي الداخل الإيراني، فإن استمرار استهداف البنية العسكرية وربما انتقال العمليات لاحقاً إلى البنية التحتية الحيوية، إذا حدث، سيضع طهران أمام تحديات داخلية متزايدة، ليس فقط بسبب الخسائر العسكرية، وإنما أيضاً نتيجة الضغوط الاقتصادية والخدمية التي قد تنعكس على الحياة اليومية للمواطنين. والتاريخ يؤكد أن الحروب الطويلة لا تُقاس فقط بما تدمره من قواعد عسكرية، وإنما بما تتركه من آثار على الكهرباء والمياه والاتصالات والاقتصاد وقدرة الدولة على الاستمرار.

وفي المقابل، يبدو أن الرد الإيراني، وفق الروايات المتداولة، يركز بصورة كبيرة على توسيع نطاق الاشتباك نحو دول الخليج، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو استهداف المنشآت الحيوية ، في محاولة لرفع تكلفة العمليات الأمريكية على حلفائها الإقليميين. وهذه الاستراتيجية ليست جديدة، فهي تقوم على نقل جزء من كلفة الحرب إلى البيئة الإقليمية المحيطة، بما يخلق ضغوطاً سياسية وعسكرية على واشنطن وشركائها.

ومن هنا تبدو الكويت والبحرين ضمن أكثر الساحات حساسية في هذه المرحلة، إذ إن أي استهداف لأراضيهما أو منشآتهما يضع منظومات الدفاع الجوي أمام اختبار مستمر، ويزيد من احتمالات وقوع أخطاء أو خسائر قد تؤدي إلى توسيع رقعة المواجهة بصورة يصعب احتواؤها لاحقاً. وحتى إذا تمكنت الدفاعات الجوية من اعتراض نسبة كبيرة من الصواريخ أو المسيّرات، فإن مجرد استمرار الهجمات يحمل رسالة بأن إيران لا تزال تمتلك القدرة على إرباك المشهد الإقليمي.

وفي الوقت نفسه ، تبرز مؤشرات على إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية والإسرائيلية في أكثر من ساحة، سواء في سوريا أو لبنان، بما يعكس أن إدارة الصراع لم تعد مقتصرة على المواجهة المباشرة مع إيران، بل تشمل أيضاً إعادة توزيع القوات والاستعداد لاحتمالات فتح جبهات جديدة أو إغلاق أخرى وفقاً لمتطلبات المرحلة.

لكن وسط كل هذه التطورات، يبقى من الضروري التمييز بين ما تؤكده البيانات الرسمية وما يتردد عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، لأن ساحات الحروب الحديثة أصبحت ميداناً للمعلومات والدعاية بقدر ما هي ميدان للصواريخ والطائرات. لذلك فإن كثيراً من التفاصيل المتداولة تحتاج إلى تحقق مستقل قبل التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية.

وإذا استمرت وتيرة التصعيد الحالية دون تدخل سياسي قادر على وقفها، فإن الشرق الأوسط قد يكون مقبلاً على مرحلة مختلفة تماماً، تتجاوز مفهوم الضربات المتبادلة إلى حرب استنزاف واسعة، لن يكون الخاسر فيها طرفاً واحداً، بل ستدفع المنطقة بأكملها ثمناً باهظاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بينما يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف في أي مواجهة تتسع رقعتها يوماً بعد يوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى