معادلة الردع الجديدة: هل ينزلق الخليج نحو مواجهة غربية – إيرانية شاملة؟

✍️ يوحنا عزمي
الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة مرحلة قد تكون الأخطر منذ سنوات طويلة ، ليس لأن المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران تتوسع وإنما لأن طبيعة هذه المواجهة تغيرت بصورة تجعلها أقرب إلى صراع على إعادة رسم قواعد النفوذ والسيطرة على أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية. فما يحدث لم يعد مجرد تبادل للضربات أو رسائل عسكرية متبادلة ، بل أصبح صراعاً تتشابك فيه الاعتبارات الإقتصادية والعسكرية والقانونية والسياسية في آن واحد ، بحيث بات أي قرار يصدر من واشنطن أو طهران قادراً على دفع المنطقة بأكملها نحو مستوى جديد من التصعيد.
المشهد الحالي يمكن اختصاره في معادلة شديدة التعقيد. الولايات المتحدة ترى أن إيران تجاوزت الخطوط التي تعتبرها جزءًا من النظام الدولي سواء فيما يتعلق بحرية الملاحة أو بمحاولة استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط سياسية واقتصادية. وفي المقابل ، تنظر طهران إلى المضيق باعتباره أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية ، وترى أن امتلاكها القدرة على التأثير في حركة التجارة العالمية يمنحها وسيلة لموازنة الضغوط الأمريكية والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. ومن هنا أصبح الخلاف يتجاوز مجرد الرسوم أو الإجراءات التنظيمية ، ليصل إلى سؤال أكبر يتعلق بمن يملك حق فرض قواعد اللعبة في الخليج.
لكن ما يزيد خطورة هذا المشهد أن أي مواجهة بين واشنطن وطهران لم تعد محصورة داخل حدود الدولتين ، بل أصبحت تمتد تلقائياً إلى الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية. فمن وجهة النظر الإيرانية ، فإن أي قاعدة تُستخدم في العمليات العسكرية ضدها تتحول إلى هدف مشروع للرد ، وهو ما يضع دولًا مثل البحرين وقطر والكويت والأردن أمام تحديات أمنية غير مسبوقة ، حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا في إتخاذ قرار الحرب. وهنا تكمن خطورة المرحلة ، لأن اتساع دائرة الأهداف يعني اتساع دائرة الصراع، ويجعل المنطقة بأسرها تعيش تحت احتمالات التصعيد في أي لحظة.
وفي الوقت نفسه ، لا تبدو إيران معزولة كما كان الحال في أزمات سابقة. إذ تشير التطورات إلى وجود تقارب متزايد بينها وبين روسيا والصين ، وهو ما يمنحها هامشاً سياسياً واستراتيجياً أوسع في مواجهة الضغوط الغربية.
وعلى الجانب الآخر ، تعمل الولايات المتحدة بصورة متسارعة على توسيع نطاق المشاركة الغربية، بحيث لا تبدو المواجهة وكأنها حرب أمريكية منفردة ، وإنما جزء من تحرك أوسع تشارك فيه القوى الحليفة داخل حلف شمال الأطلسي، وهو ما يفسر العديد من التحركات السياسية والعسكرية التي شهدتها الأيام الأخيرة.
وفي هذا السياق ، لم يكن من قبيل المصادفة أن تتزامن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الدور الأمريكي في تأمين مضيق هرمز مع خطوات أوروبية لافتة ، من بينها قرار بريطانيا تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية ، لتنضم إلى قائمة من الدول التي اتخذت الموقف ذاته.
مثل هذه القرارات لا تُقرأ باعتبارها إجراءات قانونية فقط، وإنما باعتبارها جزءًا من عملية سياسية تهدف إلى تضييق الخناق على إيران وتهيئة البيئة الدولية لأي خطوات عسكرية أو أمنية قد تأتي لاحقاً.
وبعدها مباشرة، شهدت الساحة اليمنية تصعيداً جديداً مع العمليات السعودية ضد الحوثيين ، بالتزامن مع إعلان أمريكي واضح بدعم تلك العمليات. وهذا التطور لا يمكن فصله عن الصورة الأكبر، لأن الحوثيين يمثلون بالنسبة لإيران أحد أهم أدوات الضغط في البحر الأحمر وباب المندب، وبالتالي فإن استهداف قدراتهم العسكرية قد يُفهم باعتباره محاولة استباقية لمنع فتح جبهة جديدة تهدد الملاحة الدولية إذا تصاعدت المواجهة في الخليج.
التحركات التي شهدتها قمة حلف الناتو الأخيرة تعزز هذا التصور بصورة أكبر. فالتأكيد على الالتزام بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف ، والاتفاق على رفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة ، وزيادة الميزانية العسكرية الأمريكية، والتركيز على ضرورة الحفاظ على انخفاض أسعار النفط، والحديث عن ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط ، كلها مؤشرات تعكس أن هناك تصوراً استراتيجياً يتجاوز إدارة الأزمة الحالية إلى الاستعداد لمرحلة قد تكون أكثر اتساعاً وتعقيداً.
ومن زاوية أخرى ، تبدو قضية أسعار الطاقة عنصراً محورياً في الحسابات الأمريكية. فأي اضطراب في مضيق هرمز يهدد برفع أسعار النفط بصورة كبيرة، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصادات الغربية التي تواجه بالفعل تحديات تضخمية وضغوطاً اقتصادية متراكمة. لذلك فإن ضمان استمرار تدفق النفط بأسعار مستقرة لا يمثل مجرد هدف اقتصادي، بل أصبح جزءًا من الأمن القومي للدول الصناعية الكبرى ، وهو ما يفسر الإصرار الأمريكي على منع استخدام المضيق كورقة ضغط.
إذا استمر هذا المنطق ، فإن السيناريو الأقرب يتمثل في تحول العمليات العسكرية ضد إيران إلى جهد غربي أوسع، بحيث تتحمل دول الحلف جزءًا من الأعباء العسكرية واللوجستية، بدلًا من ترك الولايات المتحدة تتحمل التكلفة وحدها. مثل هذا السيناريو لا يغير فقط ميزان القوى ، بل يغير أيضاً طبيعة المواجهة ، إذ ستجد إيران نفسها أمام تحالف عسكري واسع، وليس أمام خصم منفرد ، وهو ما يرفع احتمالات التصعيد ويقلل فرص الوصول إلى تسوية سياسية سريعة.
وفي المقابل، لا تبدو طهران مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية في هذه المرحلة، خاصة إذا كانت تعتقد أن لديها دعمًا سياسيًا أو اقتصادياً أو عسكرياً من قوى كبرى تنافس الولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي. ولذلك فإن استمرار الضغوط قد يدفعها إلى استخدام أوراق ضغط إضافية، سواء في الخليج أو عبر حلفائها الإقليميين ، وهو ما ينذر بتوسيع رقعة الاشتباك إلى مسارح جديدة.
وهنا تبرز خطورة باب المندب باعتباره الحلقة التالية المحتملة في هذا الصراع. فإذا تعذر على إيران تغيير موازين القوى في الخليج ، فقد يصبح البحر الأحمر ساحة بديلة للضغط على المصالح الغربية ، عبر تهديد أحد أهم طرق التجارة العالمية. وإذا حدث ذلك ، فإن الأزمة لن تبقى أزمة إقليمية ، بل ستتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية، ترتفع معها تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة والسلع، بما يهدد الاقتصاد الدولي بدخول مرحلة جديدة من التباطؤ وربما الركود.
أما بالنسبة لمصر ، فإن أي اضطراب طويل الأمد في البحر الأحمر ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة الملاحة في قناة السويس، وهو ما يعني ضغوطًا إضافية على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، فضلًا عن التأثيرات غير المباشرة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة الدولية.
ورغم أن كثيراً من المؤشرات توحي بأن التصعيد مرشح للاستمرار، فإن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة. فالصراع لم يعد يدور فقط بين واشنطن وطهران ، بل أصبح جزءًا من منافسة أوسع بين القوى الكبرى على شكل النظام الدولي القادم ، ودور كل طرف فيه. لذلك فإن أي قراءة للأحداث يجب أن تضع في الاعتبار أن ما يجري اليوم قد يكون مجرد بداية لتحولات استراتيجية أعمق، قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الشرق الأوسط.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر إزعاجاً أن المنطقة أصبحت تعيش على إيقاع أزمات متلاحقة ، حيث يتحول كل تطور سياسي أو عسكري إلى حلقة جديدة في سلسلة من التوترات التي لا تكاد تنتهي. وبين الحسابات الدولية الكبرى، وصراعات النفوذ ، والمصالح الاقتصادية ، تجد شعوب المنطقة نفسها مرة أخرى في قلب معادلة لا تملك معظم أطرافها القدرة على التحكم في مسارها ، بينما يبقى السؤال الأهم: هل لا تزال هناك فرصة لاحتواء هذا التصعيد، أم أن المنطقة تتجه بالفعل نحو مرحلة أكثر خطورة واتساعاً من كل ما شهدته خلال السنوات الماضية؟



