معضلة “أصفهان” وحرب الموانئ : قراءة في سيناريوهات التصعيد والضربات غير التقليدية

✍️ يوحنا عزمي
وسط الضجيج المتصاعد في الشرق الأوسط، لم تعد المشكلة في عدد الصواريخ التي تُطلق ، ولا في حجم البيانات العسكرية التي تصدر كل ساعة، وإنما في أن كل خطوة جديدة تدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة من سابقتها ، حتى أصبح من الصعب التمييز بين ما هو ضغط سياسي، وما هو تمهيد فعلي لمواجهة قد تعيد رسم خريطة الإقليم بالكامل.
التقارير المتداولة خلال الساعات الأخيرة تتحدث عن توقف ميناء الفجيرة، أحد أهم مراكز تصدير وتزويد ناقلات النفط في الخليج، بعد استهداف ناقلات نفط في محيطه، وهو تطور لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثاً منفصلًا، لأن استهداف الموانئ وخطوط الطاقة لم يعد مجرد عمل عسكري محدود ، بل أصبح رسالة استراتيجية موجهة إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فكل اضطراب في حركة النفط داخل الخليج ينعكس مباشرة على الأسواق الدولية ، ويرفع منسوب القلق لدى القوى الكبرى التي تدرك أن معركة الطاقة قد تكون أكثر تأثيراً من أي معركة تدور على الأرض.
وفي المقابل، تتزايد الأحاديث داخل واشنطن عن خيارات عسكرية أكثر عنفاً تجاه إيران ، بعد اجتماعات عسكرية مكثفة ضمت كبار القادة الأمريكيين، وسط تقارير تشير إلى دراسة توجيه ضربات جديدة تستهدف ما تبقى من البنية العسكرية والاستراتيجية الإيرانية ، وعلى رأسها المواقع النووية شديدة التحصين، التي تعتقد المؤسسات الأمنية الغربية أنها أصبحت تمثل العقدة الأصعب في أي مواجهة مقبلة.
ومن بين تلك المواقع يبرز اسم “جبل الفأس” في محافظة أصفهان، وهو موقع يحيط به قدر هائل من السرية والغموض. وتشير تقديرات غير مؤكدة إلى أنه يقع على أعماق كبيرة تحت سطح الأرض ، بما يجعله خارج نطاق التأثير التقليدي لمعظم القنابل الخارقة للتحصينات. كما ترددت تقارير استخباراتية غير مؤكدة أيضًا عن نقل مواد نووية عالية التخصيب إليه قبل الضربات الأمريكية السابقة ، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد به داخل دوائر صنع القرار الأمريكية والإسرائيلية.
وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية. فإذا كان الموقع بالفعل بهذه الدرجة من التحصين، فإن الخيارات العسكرية التقليدية قد لا تحقق الهدف المطلوب ، وهو ما فتح الباب أمام نقاشات تتناول سيناريوهات بالغة الخطورة ، من بينها استخدام وسائل تدمير غير تقليدية ، أو استهداف مداخل الأنفاق وعزل المنشأة بالكامل، أو حتى تنفيذ عمليات خاصة معقدة للوصول إليها. ورغم أن كثيراً من هذه السيناريوهات لا يزال في إطار التسريبات والتقديرات غير المؤكدة، فإن مجرد تداولها يكشف حجم التصعيد الذي وصلت إليه الحسابات العسكرية.
لكن الأخطر من كل ذلك أن إيران لم تعد تتعامل مع هذه التهديدات باعتبارها مجرد حرب نفسية. فالتصريحات الأخيرة الصادرة عن قيادات بارزة في المؤسسة العسكرية والدينية الإيرانية تعكس تحولًا واضحًا في الخطاب، إذ لم يعد الحديث يدور حول العودة إلى طاولة المفاوضات، وإنما حول الاستعداد لمواجهة طويلة ، مع التأكيد على أن أي استهداف إستراتيجي لإيران سيقابله
رد مباشر على أهداف تعتبرها طهران ذات قيمة وجودية بالنسبة لإسرائيل.
هذا التحول لا يعكس فقط تغيراً في اللهجة ، بل يكشف أيضًا عن انتقال مركز الثقل داخل النظام الإيراني من الدبلوماسية إلى المؤسسة العسكرية، حيث يبدو أن الحرس الثوري بات يمتلك مساحة أكبر في رسم قواعد الاشتباك، بينما تراجعت رهانات الحلول السياسية إلى الخلف، وهو تطور يزيد من احتمالات سوء التقدير بين جميع الأطراف.
وفي خضم هذا المشهد، لا تبدو معركة الطاقة أقل خطورة من المعركة العسكرية نفسها. فخروج ملايين البراميل من السوق، ولو بصورة مؤقتة، يفتح الباب أمام موجة جديدة من ارتفاع أسعار النفط، ويعيد إلى الأذهان سيناريوهات شهدها العالم في أزمات سابقة ، عندما تحولت الممرات البحرية إلى أوراق ضغط استراتيجية. وإذا امتد التوتر ليشمل نقاطًا حيوية أخرى في الملاحة الإقليمية، فإن تداعياته لن تتوقف عند حدود الخليج، بل ستنعكس على الاقتصاد العالمي بأسره.
وفي الوقت نفسه، تشير التصريحات الأمريكية إلى أن واشنطن لا تنظر إلى المواجهة مع إيران باعتبارها ملفاً منفصلًا، وإنما كجزء من مشروع أوسع لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة. ومن هنا جاءت الأحاديث عن أدوار جديدة قد تُسند إلى أطراف إقليمية ، من بينها سوريا ولبنان، في محاولة لخلق مسارات ضغط متزامنة على حلفاء طهران ، بما يوسع نطاق المواجهة ويجعلها أكثر تعقيدًا.
غير أن إدخال ساحات جديدة إلى الصراع يحمل مخاطر لا تقل عن المواجهة المباشرة مع إيران. فلبنان يعيش أوضاعًا داخلية شديدة الهشاشة، وأي محاولة لفرض معادلات أمنية جديدة بالقوة قد تؤدي إلى انفجار داخلي لا يمكن السيطرة عليه، بينما لا تزال المواقف السورية المعلنة ترفض الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة داخل الأراضي اللبنانية، وإن كانت طبيعة التفاهمات التي تجري بعيداً عن الأضواء تظل محل تساؤل.
المشهد الحالي لا يشبه المراحل السابقة من الصراع. فهذه ليست مجرد جولة جديدة من تبادل الضربات ، وإنما مرحلة تتداخل فيها الحسابات النووية والعسكرية والاقتصادية والسياسية في وقت واحد. وكل طرف يحاول تحسين موقعه قبل الوصول إلى لحظة الحسم، لكن المشكلة أن تراكم هذه التحركات يرفع احتمالات وقوع خطأ في الحسابات قد يشعل مواجهة يصعب احتواؤها.
لهذا، فإن أخطر ما يحدث اليوم ليس فقط القصف أو التهديدات أو التحركات العسكرية، وإنما تآكل المساحة الفاصلة بين الردع والحرب الشاملة. فعندما تصبح المنشآت النووية، والموانئ النفطية، والممرات البحرية، والجبهات الإقليمية كلها أهدافًا محتملة في وقت واحد، فإن المنطقة تدخل مرحلة لم يعد فيها التصعيد مجرد وسيلة للضغط، بل أصبح خطرًا قائمًا بذاته قد يفرض واقعاً جديداً على الشرق الأوسط والعالم، مهما كانت كلفته السياسية والاقتصادية والإنسانية.



