المقامة الصدوقية في أنواع الصداقة السادة والمحشيه

بقلم دكتور مصطفى مراد
حدّثنا صاحب بنُ خلان قال:
بينما أنا أتقلبُ في مَجالسِ الخِلاّن، وأطوفُ بينَ أهْلِ الوُدِّ والآذان، إذْ لقيتُ حكيمَ الزَّمان، وشَيْخَ هذا الميدان، أبا الفَتْحِ صاحب صحبة الانتيم وسطَ صَحْبٍ لَهُ يُحيطونَ بِهِ إحاطةَ الهالةِ بالبَدْر، ويَسْتَمِعونَ لمقالِهِ في الوفاءِ والغَدْر. فَوقَفْتُ أستَمِعُ لما يُفيضُ، ولا أُعيضُ ولا أُغيض.
فقلتُ لهُ: «يا أبا الفتْح، لَقَدْ كَثُرَ في أَيّامِنا مدَّعو الوِداد، فَمَنْ هُوَ الصَّديقُ الحَقُّ، وكَيْفَ تُصَنَّفُ الخلان في هَذا العَصْرِ والاوان؟»
فَتَبَسَّمَ وضَحِك، ومد يدة وأصلَحَ عمامته وعدل وضع ركبتة، وقال:
«وَيحَكَ يا صاحب! ألا إنَّ الصَّداقَةَ رابِطةٌ يَعْزُّ وجودُها، وثَمَرَةٌ يَطيبُ جُودُها؛ هيَ نَفْسٌ واحِدَةٌ في جَسَدَيْن، وعَيْنٌ تَنْظُرُ بِعَيْنَيْن! ولكنَّ الناسَ في هَذا الزَّمانِ أشْكالٌ وألْوان، وأنهارٌ ووديان:
• فَمِنْهُمْ صَدِيقُ المائِدَة: يُحبُّكَ ما دامَ الكَبَابُ حَاضِراً، والخانُ عامِراً، فإذا جَفَّ المَرَق، تَبَخَّرَ واخْتَرَق!
• وَمِنْهُمْ صَدِيقُ المَصْلَحَة: يَأتيكَ في الحاجَةِ بَشُوشاً لَبيباً، فإذا قُضِيَتْ صارَ غَريباً ولا يُجيبُ مُجيباً!
• وَمِنْهُمْ صَدِيقُ الشّاشَة: يَمْلَأُ عَالَمَكَ بالـ”إعْجابِ” والـ”تَعْليق”، وفي الكُرُباتِ لا تَجِدُ لَهُ أصْلاً ولا طَريق! ولايبل لك ريق
• وَمِنْهُمْ صَدِيقُ الشَّكْوى: لا يَزُورُكَ إلا إبانَ المَصَائِبِ والنَّكَد، فإذا فَرِحْتَ غَابَ وانْكَمَد، لِيُفرِغَ في أُذُنِكَ طَاقَةَ الحُزْنِ والآهات، ثُمَّ يَمْضِي ويَتْرُكُكَ في الشَّتات! ويبخل بالفتات من جميل القول كانه في سبات
• وَمِنْهُمْ صَدِيقُ النَّمِيمَة: يُعْطِيكَ مِنَ الطَّرَفِ حَلاوَة، ويَنْقُلُ عَنْكَ لِلأَعْداءِ العَدَاوَة؛ لِسانُهُ عَسَلٌ، وقَلْبُهُ خَبَثٌ وَعَلَل!
• وَمِنْهُمْ صَدِيقُ “الفَزْعَة” الصّامِت: لا يُكْثِرُ الكَلامَ ولا المَلام، لَكِنَّهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ سَيْفٌ حُسام؛ تَلْقَاهُ قَبْلَ أنْ تَطْلُبَه، ولا يَشْتَرِي بِكَ الدُّنْيا لِتَكْسِبَه!
• وَمَا الصَّدِيقُ الحَقُّ إِلا كَالذَّهَب: يَلْمَعُ عِنْدَ المِحَنِ والـكُرَب، إنْ رَآكَ في نِعْمَةٍ بَارَك، وإنْ هَبَّتْ عَلَيْكَ عَاصِفَةٌ شَارَك؛ يَسْتُرُ عَيْبَكَ ولا يُذيع، ويَبيعُ الدُّنْيا لِأَجْلِكَ ولا يَبيع!»
ثُمّ صَرَخَ في الحَاضِرينَ وقال:
«اعْلَمُوا أنَّ لِلصَّداقَةِ حُقوقاً تُؤَدّى، وَآداباً لا تَتَعَدَّى! مِنْها إجابَةُ الدَّعْوَة، وتَجاوُزُ العَثْرَةِ والسَّهْوَة، والنُّصْحُ في السِّرِّ لا العَلَن، وحِفْظُ الغَيْبِ في كُلِّ زَمَن. وكَما قيلَ في الأَثَر: “عَلَيْكَ بالرَّفيقِ قَبْلَ الطَّريق”، و”الصَّديقُ وقْتَ الضّيق”، وما اسْتَظَلَّ العَبْدُ بِظِلٍّ أجْمَلَ مِنْ صَدِيقٍ صَالحٍ يُذَكِّرُهُ بِالخَيْرِ إذا نَسِيَ، ويُعينُهُ إذا انْحَنَى وقَسِي!»
ثُمَّ أَنْشَدَ أَبَا الفَتْحِ وهوَ يَبْتَسِمُ وتَبْرُقُ عَيْنَاه، ويَخْتِمُ بِالمَرَحِ مقالاه:
بَعْضُ الصِّحَابِ كَـ”شَايٍ” حِينَ تَشْرَبُهُ … إنْ زَادَ سُكَّرُهُ جَاءَتْكَ أوْجَاعُ
وَبَعْضُهُمْ فِي عِظَامِ الخَطْبِ تَلْقَاهُ … سَنَداً وصَدْراً لَهُ الأفْرَاحُ تُتْبَاعُ
فَاشْرَبْ مَعَ الصَّادِقِ المَيْمُونِ قَهْوَتَهُ … وَاتْرُكْ حَثَالَةَ مَنْ خَانُوا وَمَنْ بَاعُوا!
قالَ صاحب ابن خلان: «فَعَلِمْتُ أنَّهُ خَبِيرٌ بأحْوالِ الجَليس، فَانْصَرَفْنا ونَحْنُ أثْرَى ما نَكونُ مِنَ النَّفائِسِ والتَّأنِيس!»



