الكاتب/ إسماعيل السيد
في الندم:
يقول الرجل المهترئ التفاصيل، الذي شاركني الزنزانة ذات ثمالة:
“كانت الأحذية التي يشتريها أبي في صغري لا تعجبني. أخبئها في مزرعة الأغنام في الخارج، لتشتري لي أمي أحذية بديلة تُرضي ذاكرة الركض وسط تراب القرية المعتق بالمطر، وخطوات الأبقار، وأحلام الفتيات العائدات من النهر يحملن الثياب.
غادرت القرية لأيام، وحين عدت وجدت القرية بأكملها تحترق. لم ينجُ شيء من القرية سوى الأحذية التي خبأتها خلف المنزل.
فظللت أردد: ليتني خبأت عائلتي هناك.”
في الحنين:
لأكثر من ربع قرن، ينهي عمله ويجلس على مقعدهما في الرصيف؛ لأن مجنونةً ما داهمهما الوقت منتصف عناق في زمن بعيد، فركضت تاركةً وشاحها، ملغيةً وعداً بالعودة، قائلةً: “سنلتقي غداً.”
منذ أكثر من ربع قرن، وهو ينتظر الغد.
منذ أكثر من خمس وعشرين عاماً لم يأتِ الغد.
وحين جاء الغد مصادفة، جاءه متجهماً.
رآها وهو يسلّم ابنتها شهادة تكريمية من الجامعة التي يعمل فيها.
رأته بعد ربع قرن، وألقت ابتسامتها وسحبت ابنتها، ولم تطلب وشاحها أبداً.
جاءه الغد… كم كان الغد قاسياً عليه… كم كان.
في المشاوير:
كنا نحلق بعيداً.
كان الأبد هو مقدار ما نحتبس من أنفاس أثناء القبلة، والمطلق مدى المسافة التي نصعدها في العناق.
وكانت المسافة تعني الطرق التي تقودنا إلى مشيئتنا التي نشيدها في الحلم، ونسيرها بين حلمين.
في الانتقام:
حطاب جرح غابة ليدفئ رجلي حبيبته، وعندما وصل وجد المنزل بأكمله يشاركه تلك الرغبة:
“يحترق بالكامل.”
يبدو أنه نسي الغاز مفتوحاً حين تركها نائمة.
حوَّل تلك الأحطاب إلى تابوت، وبكاها بدموع جميع الغابات التي جرحها.
يا للوحشية… وحشية الأخشاب.
في قسوة الوقت:
أخبروها أن والدها أخذته السماء.
فسألت: “ولكنه دُفن!”
همست لها أمها في أذنها وهي تبكي:
“لا يا صغيرتي، ستأخذه السماء ليلاً عندما ننام.”
وفي كل يوم، تستلقي هناك، تنتظر أن تأتي السماء لتأخذ بذرةً دُفنت حديثاً لتسألها عن والدها الذي أخذته السماء قبل أعوام.
إلى أن باغتتها السماء، حين كانت تنتظر في المقبرة.
أخذت السماء أخاها أيضاً من أرضٍ أخرى، وتركت له هذه المرة بدلة مثقوبة، وبقع دم، ورسالة صغيرة كتبها لفتاته.
كانت قد كبرت قليلاً، فسألت أمها بحنق:
“هل السماء أيضاً من أخذت أخي؟”
فهمست لها أمها هذه المرة بلا دموع، وبكل آلام الأمهات:
“لا… إنه القديس يا صغيرتي… إنه القديس.”
في المدن:
لم تجد هي وحبيبها ركناً يتسع لقبلة، فناما أسفل شاحنة بكامل الرغبة والدفء.
تحركت الشاحنة ليلاً ودهستهما.
فحررت المدينة جميع أقلامها وأوراقها لهما، ووضعت لهما مقبرة خاصة، وخصص شاعر مفتول اللهجة قصيدة كاملة لقصتهما.
وأقسم روائي بأنهما كانا نموذجاً للحب الأبدي، ولم يكونا سوى عاشقين يبحثان عن ركن يتسع لقبلة.
لهما الآن كامل الفراغ الغامض، والمجهول الفضولي، والربيع الخالي من فواتير الشتاء.
عن المدن الداعرة نتحدث هنا.