حوارات

«حين تفتح القصص عيونها الخفية، قراءة في كتاب عينٌ ثالثة»، حوار مع الكاتبة/ رحمة خميس

حوار: الشيماء أحمد عبد اللاه

ليس كل ما نراه يُقال، وليس كل ما يُقال يُرى، في كتاب «عينٌ ثالثة» تتجاور الأرواح قبل الكلمات، وتلتقي التجارب المختلفة تحت سقفٍ واحد، لتمنح القارئ فسحةً للتأمل فيما وراء السطور، هو كتابٌ مجمّع لقصص قصيرة، تنوّعت فيه الرؤى وتوحّد الهدف: كشف ما تخفيه النفس الإنسانية، وملامسة تلك المساحات الصامتة التي لا تُبصر إلا بعينٍ ثالثة.

١/ كيف استقبلتِ فكرة المشاركة في كتابٍ مجمّع مثل «عينٌ ثالثة»، وما الذي جذبك فيها على المستوى الإبداعي؟

استقبلت الفكرة بحماس شديد، فكرة الكتاب المجمّع تشبه بناء مدينة أدبية؛ كل كاتب يضع لبنة مختلفة، لكن في النهاية يتشكل صرح متكامل له هوية جماعية. ما جذبني على المستوى الإبداعي في «عينٌ ثالثة» هو العنوان نفسه؛ إنه استفزاز فكري جميل. نحن ككتاب متنوع، عملنا كله قائم على البحث عن تلك “العين الثالثة” التي ترى ما لا تراه العيون العادية. هي عين المحقق التي ترى الدليل الخفي، وعين القارئ التي تلمح الحقيقة بين السطور، وعين الكاتب التي تكشف عن الظلام الكامن في النفس البشرية. كانت فرصة مثالية لتقديم قصص لا تكتفي بسرد حكايا الجريمة خاصتي، بل تحاول فهمها من الداخل.

٢/ قصصك داخل الكتاب تحمل بصمتك الخاصة؛ فما الفكرة أو الشعور الأساسي الذي أردتِ إيصاله للقارئ من خلالها؟

في قصصي، أحاول دائمًا أن أستكشف فكرة أن الوحش الحقيقي ليس هو القاتل، بل هو الظروف أو الفكرة التي صنعته. أردت أن أصل بالقارئ إلى ما هو أبعد من مجرد حل اللغز. في قصة قد تدور حول جريمة ريفية، قد يكون الوحش هو العزلة واليأس. وفي قصة أخرى تدور حول مؤامرة كبرى، قد يكون الوحش هو الطموح المطلق الذي لا يعرف حدودًا. وفي قصة ثالثة، قد يكون الوحش هو الخيانة التي تأتي من أقرب الناس. الشعور الأساسي الذي أردت إيصاله هو ذلك القلق المزعج الذي يأتي من إدراك أن الخط الفاصل بين الخير والشر، بين الضحية والجاني، هو خط رفيع وهش للغاية، وأحيانًا… غير موجود على الإطلاق.

٣/ برأيك، ما الذي يميز القصة القصيرة عن غيرها من الأجناس الأدبية، وما التحدي الأكبر الذي واجهك أثناء كتابتها؟

القصة القصيرة في رأيي، تشبه طلقة الرصاص، يجب أن تكون دقيقة، مركزة، وتصيب هدفها بسرعة وقوة. ما يميزها هو اقتصادها العاطفي واللغوي؛ لا يوجد متسع للثرثرة، كل كلمة وكل جملة يجب أن تخدم الهدف النهائي. هي فن التكثيف، القدرة على رسم عالم كامل وشخصيات عميقة في مساحة محدودة.

التحدي الأكبر بالنسبة لي دائمًا هو الموازنة بين الغموض والوضوح. في قصص الجريمة، يجب أن أخفي ما يكفي لأحافظ على التشويق، وفي نفس الوقت يجب أن أقدم ما يكفي من الخيوط ليشعر القارئ بأنه يشارك في التحقيق. هذا التوازن الدقيق، بين أن تمنح القارئ شعورًا بالذكاء لأنه يجمع الأدلة، وفي نفس الوقت تفاجئه بنهاية لم يتوقعها، هو التحدي الأجمل والأصعب في كتابة القصة القصيرة.

٤/ ماذا تمثل لك «عينٌ ثالثة» في مسيرتك الأدبية، وما الرسالة التي تحب أن تصل إلى القارئ بعد إغلاق الصفحة الأخيرة؟

«عينٌ ثالثة» تمثل لي مرحلة من النضج الإبداعي؛ هي ليست مجرد مجموعة قصص، بل هي تأكيد على أن الأدب، وخاصة أدب الجريمة الذي اتناوله، قادر على أن يكون مرآة عميقة للمجتمع والنفس البشرية. إنها خطوة مهمة في مسيرتي لأقول إنني لا أكتب عن الجرائم، بل أكتب عن الأسباب التي تدفعنا لارتكابها.

أما الرسالة التي أتمنى أن تصل للقارئ، فهي بسيطة ومعقدة في آن واحد: لا تثق دائمًا بما تراه عيناك. الحقيقة غالبًا ما تكون كامنة في الظل، في التفاصيل التي نتجاهلها، في القصص التي لا تُروى. أتمنى بعد أن يغلق القارئ الصفحة الأخيرة، أن يبدأ في استخدام “عينه الثالثة” ليس فقط في قراءة القصص، بل في قراءة العالم من حوله، وأن يدرك أن خلف كل وجه وكل قصة، هناك دائمًا حقيقة أعمق تنتظر من يكتشفها.

*في «عينٌ ثالثة» لا تنتهي الحكايات عند آخر سطر، بل تبدأ رحلتها الحقيقية داخل القارئ. هو كتابٌ يُقرأ أكثر من مرة، لأن كل قراءة تفتح نافذة جديدة، وتمنح العين قدرة أعمق على الرؤية، وتترك السؤال معلقًا: كم من العيون نحتاج لنفهم أنفسنا حقًا؟*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!